‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة ‏قصيرة. ‏. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة ‏قصيرة. ‏. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2024

العودة / قصة قصيرة / الأديبة التونسية جميلة بلطي عطوي.


 

العودة
 
شمس اليوم على غير عادة تتهيّب المواجهة،تبدو من تحت الغمام الشّفيف متردّدة... 
 
اليوم يوم الْعَوْد، بداية ستحسم الكثير من المصائر... إنّها تخشى ألّا يكون نورها رافدا

للكثير من الأحياء، في طريقها تتلجلج كما يرتجف طفل في أوّل تجربة له بالمدرسة

تودّ أن تكون معين دفء وضياء، لكنّ السّماء المتلبّدة حولها تبثّ الوجل أشكالًا... تشكّك

في القدرة على الصّمود والتّجاوز، إنّها حيرى تبحث عن الرّافد الدّاعم... تلتفت يمنة ويسرة كمن

يتشبّث بقشّة في الهول المهول من الغمام السّارح حولها... على حين غرّة رأت مشهدًا شدّ منها

البصر والوجدان، طفلة غريرة على ظهرها محفظة ورديّة، تميس خطواتها مع دقّات قلبها

الصّغير،تمدّ اليد وكأنّها تمسك بشيء لا يُرى أو لعلّه يلبس طاقية الإخفاء... ترى من يرافقها؟ من

هذا الحاضر  المخفيّ الذي تلتفت إليه في شغف وابتسامة،تمعّنت علّها تكشف المخبوء...زادت

تأمّلًا دون جدوى،وقد باتت نهبًا للخيبة... سمعت زقزقة عصفور تلاه صوت البنيّة: 
 
ــ احذر يا صديقي أن تسرق منّي شعاع الشّمس،هو رفيقي اليوم،ينير طريقي وأنا اعبر من 
 
ضفّة إلى ضفّة،تعال إن شئت معًا نقيم احتفالًا عجيبًا،اليوم بداية والنّور رافد،وأنا وأنت في 
 
حضرة النّور نبني صرح الحياة الشّامخ.

جميلة بلطي عطوي
 
 تونس.
 
 

الخميس، 28 سبتمبر 2023

محكي الغياب / المجموعة الأولى / الأديب المغربي عبد الرحمن بوطيب.

[ محكي الغياب ]


1/ أنفاس.


قمر المدينة ما عاد يطلع؛

كل الشوارع أقفرت إلا من كلاب

 ضالة وأطفال شوارع يسرقون

 أنفاساً متقطعة من أكياس

 بلاستيكية سوداء تنتفخ وترتخي

 على نبض بطون فارغة.

——————————————————

2/ أقدام حافية.


المدينة نائمة؛

وحيداً، متشرد الحي يهرول بأقدام

 حافية وهو يغني "مدرستي

 حلوة... مدرستي حلوة".

——————————————————

3/ رحلة ليلية. 


شارع ضيق؛

ظلمة الليل تتكسر على ضوء سيارة

 أجرة خافت خفوت صوت السائق

 يلاطف زبون علب الليل فاقد

 الوعي لتحصيل مستحقات عداد

 الرحلة الليلية جرياً وراء لقمة

 لأفواه لا تنام.

——————————————————

4/ غَبَشُ ظُلْمَة. 


غَبَشُ ظُلْمَة يلف جنبات مدينة؛

انتهاء صلاة عشاء،

مصلون يغادرون مسجد الحي

 تباعاً...

وهما يغادران، حَدّثَ صاحبَه عن

 حقوق الأطفال وواجبات الآباء...

مَرَّ الجسدان على شبح امرأة، أو ما

 شابَهَ، تلتحف خماراً أسود من

 سواد ليل بهيم قاعدة جوار عتبة

 المسجد...

وليد يرضع طرفاً من خمار أسود...

طفل يمد يده المرتعشة لمصلين...

علب أدوية فارغة نائمة على منديل

 وسخ فُرِشَ أمام شبح خمار أسود.

——————————————————

5/ غمزة.


منتصف ليل أدهم؛

عاملةُ فوجِ ليلِ معملٍ تسير على

 عجل في الدرب الموحش...

عشاقُ سهرِ ليلٍ وسفرٍ بالدماغ إلى

 ما وراء سحاب غير ماطر

 يفترشون الطوار...

قال قائل منهم:

(غريبة هذه النادلة، لم تقتنص

 زبون ليل ينقلها بسيارته إلى علبة

 ليل أسود).


عبد الرحمن بوطيب.

المغرب.












 

الاثنين، 3 أبريل 2023

غشاوة / قصة قصيرة / د. سليمة فريندي / المغرب.



{ غشاوة }

قصة قصيرة. 



تلومني أمي دائماً على ركل الرحم، تعجلتُ

 كثيراً فض الفقاعة، وأتعبتها كثيراً في حملها...

لا أنكر أنني شخص معروف بالعجلة عند كل من يعرفني، وأدفع ثمن عجلتي باهضاً، لكنني رغم كل ذلك لم أستوعب أبداً سبب استعجالي الخروج من القاعة، فقد كان عالمي جميلاً هادئاً آمناً، أنعم بلمسات أمي وحنوها وهي تمرر أناملها علي، تغني لي بصوتها الرخيم نشيدها الملائكي الذي طالما رددته على مسامعي كي أهنأ وأسعد بعالمي، كانت كلمات الأغنية  عن الوفاء والحب...

 عشت تلك الأحاسيس الرهيفة والرقيقة بكل معانيها هناك، كانت تصلني عبر الحبل السري، وعبر اللمسات، والهمسات، ودقات القلب، وعبر الأصوات...

حب ناعم، شفيف، جميل، وساحر، حتى أبي كنت أسمعه وهو يضحك عندما كانت تحكي له أمي عن ركلاتي وحركاتي. 

إنه عالم رائع دافء مليء بالصدق والحب والحنان، وكل ما قد يحلم به الإنسان في الوجود.

 غير أني وللأسف الشديد كنت جنيناً شقياً بطرت بالنعمة،  وأتعبت أمي كثيراً في حملها، ولم أرحمها.

كنت مستعجلاً الخروج جداً، وفي كل مرة كنت أحاول فيها فض الفقاعة قبل الأوان كانت أمي تهب إلى طبيبها وتستنجد به وبعلمه ليمنعني من تحقيق رغبتي المجنونة... يتدخل بكل وسائله وإمكاناته وأدويته، ويسخر كل خبرته ومعرفته لزجري وإبقائي داخل الفقاعة قدر الإمكان، حتى إنه، عقب إحدى محاولاتي، حجز أمي في المشفى، وأبقاها مستلقية على ظهرها مدة شهر دون أن تتحرك....  عانت المسكينة كثيراً بسببي.

ومع ذلك، لم أيأس من محاولاتي في فض الفقاعة، فلقد كانت أحلامي أكبر من حجمي، ورغبتي أضحت جامحة في التعرف على أصحاب الأصوات التي كانت تصلني من الخارج، ومتلهفاً على رؤية عالمهم.

وذات محاولة، نجحت، سخرت كل قوتي وإصراري، وتمكنت من فض الفقاعة، وخرجت. وكم كانت خيبتي غير متوقعة وفارقة! صدمت صدمة كبيرة، وخذلت خذلاناً عظيماً، فالناس الذين قمت بكل تلك المحاولات من أجلهم وضحيت بعالم الفقاعة لأراهم، وكنت متلهفاً لمعرفتهم لايعرفون معنى الحب ومعنى الوفاء... الكل فيهم يركض وراء المصلحة، والجميع يلهث خلف قضاء المآرب، وقد يعرضونك للبيع في سوق نخاسة حقير في سبيل إدراك غايتهم.

عالم يضج بالأصوات والضوضاء والألوان والأقنعة... مسرح كبير، كل ممثل فيه يؤدي مشهداً معيناً فوق الخشبة، ويحاول جاهداً أن يكون هو البطل ليحظى بالتصفيق والإطراء... حتى ولو استدعى الأمر أن يرفع صوته ويصرخ في وجه غيره، وقد يمارس شروره عليه، ويسحقه لو تطلب الأمر... المهم بالنسبة له هو أداء الدور الذي قد يفرض عليه في كثير من الأحيان  أن يتقنع بمئات الأقنعة، ويتلون بكل الألوان مثل الحرباء، ليبلغ هدفه، ويصل إلى مراده، دون الاكتراث بمن يكون معه، وما قد يتسبب له من ألم ووجع.

 المهم عنده هو النهاية، وأن يدرك الغاية... أما أنا، فأدركت كم كنت غبياً..

 د. سليمة فريندي. 

المغرب.

الثلاثاء، 23 أغسطس 2022

بيروت تحترق / قصة قصيرة / عبد الرحيم العابد / المغرب.


 

{ بيروت تحترق }
قصة قصيرة

حدثتني شهرزاد أن بعلبك حكت لها: نصب البدو خيامهم لاستقبال التعازي بعد أن شاع خبر احتراق بيروت وهينائمة تغازل أحلامها. كانت تحلم بقطعة خبز تسد بها رمق الجوع في صباح اليوم المقبل.
لقد تذكرت مأساة صبرا وشاتيلا وهي تستيقظ على ذوي انفجار هيروشيما.
بيروت المرفأ، كانت كل السفن واقفة تغازل وجه القمر الذي انعكس على ماء البحر في منظر جميل... لكن جمالية المنظر تحولت إلى رماد، إلى دمار امتد إلى كل شوارع المدينة مخلفاً وراءه أبشع المناظر... جثت هنا وهناك، وأشلاء وأعضاء 
بشرية... صراخ وصراخ... جرحى... الكل هارب نحو  منفذ مجهول... الكل يبحث عن نفسه وسط حطام رهيب... الكل يتساءل ما الذي وقع؟
لا أحد يمتلك الجواب سوى الرعب. 
قال أحدهم: لا يمكنني أن أصدق هذا... قالها بدهشة كالدجاج وتابع سيره كأنه يبحث عن شيء فقده... ربما نهاية حلم. 
بيروت... أم رياح الغرب الآتية، شيء مبهم لا يمكن تصوره.
حاولت الصحف استقصاء الحقيقة، لكن الغموض لم يسمح بذلك... كان التلفار يعيد نشر صور الخراب والدمار، كل... كل الاذاعات تستبق نشر الخبر، بل الأخبار الواردة من البيروت.
حطت الطائرة القادمة من بيروت بمطار الدار البيضاء الدولي... نزلت إحدى القادمات من بيروت... أم لثلاثة أبناء.
حاول الصحفيون استفسارها عما حل ببيروت الميناء... كانت مصدومة،  لا تتذكر سوى شظايا الزجاج التي تناثرت حولها وهي تحاول ضم أبنائها إلى صدرها (الحمد لله أنني وصلت
بخير... يمكن لي أن أشخص لكم الوقائع من بعد).
في اليوم الموالي استرجعت بعض قواها... أجابت الصحفي بأنها لا زالت تعيش تحت الصدمة  وأنها بعثت من وسط جهنم.
أخذت الدول تقوم بإرسال المساعدات إلى المنكوبين ضحايا انفجار بيروت (فيروز).
كان أحد كبار العسكريين
يمتطي سيارة عسكرية مصفحة يحيي الجنود المرابطين بالمطار... كانوا يبادلونه التحية باحترام ودموعهم تهطل على
خدودهم الشاحبة وهم يقومون بتفريغ حمولات الطائرات التي أقلت المساعدات.
 في الجانب الآخر من بيروت كان الميناء ورشاً من أوراش
العمل التطوعي والإجباري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
نصب البدو خيامهم لاستقبال التعازي بعد أن شاع خبر
احتراق بيروتر(نحن أولى... كلنا عرب) منتهى السخرية والاستهزاء... باسم الشعب العربي والأمة الإسلامية أتقدم بأحر التعازي لشعب لبنان الحبيب.
أغلق الهاتف، وكسرت السماعة خوفاً من أن ينتقل إليها فيروس الانفجار.
لا زالت فاطمة القادمة من بيروت إلى الدار البيضاء تعاني من صدمة الانفجار.
قال أحمد لرفيقه وهما يعبران إحدى الطرق المؤدية إلى الميناء: بالله عليك ألا تظن بأن إسرائيل لها يد في الذي وقع؟
رد عليه وهو يحدق في عينيه وكأنه يخفي عنه شيئاً ما: أجل، بالتأكيد، وهل تشك في ذلك، ألا ترى الحصار المضروب على جنوب لبنان، إنه من الاستراتيجيات الأولى للتطبيع مع الكيان الاسرائلي. وماذا عن العرب؟ فاقد الشيء لا يعطيه يا أخي. 
ألا يكفيك أنهم نصبوا الخيام بعيداً عن بيروت التي ظلت حلماً.
الدار البيضاء المغرب.
رن الهاتف... رن ثم رن وأخيراً: ألو من على الخط؟الصحفي: مرحباً.
— كيف حالك الآن؟
— أحسن بكثير.
— هل يمكنك الحديث؟
— شيئاً ما.
— هل تتذكرين وقائع الانفجار بمرفأ بيروت؟
— أتذكر ما عشته أنا وأولادي لا غير.
— كيف؟
— كان انفجاراً قوياً هز أركان المدينة.
— هل تعرفين السبب؟
— ولا رئيس لبنان يعرف السبب.
— ما هي اوضاعك الآن؟
— طائر فقد وكره.
— ماذا ترغبين الآن؟
— الرجوع إلى بيروت.
— لبنان محاصرة من الجنوب.
— كل الدول العربية محاصرة، محاصرة من قديم يا أستاذ.
— وما العمل؟
— رثاء  في رثاء يا أخي.
— فيما سينفع؟
— اسأل الخنساء... أعرف أني أحرجك بأجوبتي... أنت الذي اخترت الاتصال بي.
— عفواً. 
— لا عليك.
حدثتني شهرزاد أن بعلبك حكت لها عن بيروت... نصب
البدو خيامهم لاستقبال التعازي (لما لا كلنا عرب ونحمل نفس الهم).
أجابه وقد أخذت الحسرة منه مأخذها:
— كلنا عرب ونحمل نفس الهم... كلنا أناس ونحمل نفس الهم... أرددها وأنا سائح أو نازح أجوب كل بقاع العالم.
— أجل يا أحمد،  إذا ضاع السلم ضاع السلام.... إذا ضاع السلام ضاع السلم... والباقيات الباقيات، الباقيات.

عبد الرحيم العابد.
المغرب: 2020. 

الجمعة، 29 يوليو 2022

لأول مرة أنام / قصة / الأديبة المغربية الأستاذة سلوى الإدريسي



{ لأول مرة أنام }

قصة. 


عادة ما تستفيق تلك المشاعر الدفينة فجأة وفي مكانها غير المناسب، لقد بقي ذاك البركان الخامد حبيس كينونته دون انفجار. 

كان يوماً من هذه الحياة، لكنه لا يتكرر، ولن يتكرر... صرخت في وجهه بأعلى صوتي، نعته بما هو عليه، لم أكثرت للحضور المجتمعين في القاعة. 

لم يجبني بكلمة، كان كاللوح الذي يطفو فوق الأمواج... كان يظن أنني لست قادرة على هذا التصرف، فلطلما نعتني بالجبانة، كنت بين يديه طوال السنوات العشر الماضية، ولم يكف عن فعلته يوماً واحداً... 

يتنفس الناس عبر شهيق وزفير، وأتنفس أنا بالأنين... لم يرحم طفولتي ولا ضعف قوتي، كان كالوحوش لا تمتثل إلا لرغباتها، انفجرت وانتهى الأمر... أحسست لأول مرة معنى أن تطير خارج القفص، حتى لو لم تكن تعلم أين وجهتك، ولا ماذا ينتظرك في ذاك الأفق الواسع... المهم أنك تطير دون قيود.

لم تكتمل حريتي في ذاك اليوم، حيث تفاجأت بصفعة على خدي من أقرب الناس  إلى... كانت "أمي" تنعتني بالكاذبة...

نسيت الكلام وقتها، كأن لساني أصابه الخرس، ثم نطق هو بعدما حصل على التأييد، وقتلني بكلماته المدوية: "فعلت هذا لكي لا أخبرهم عن صديقك الحميم، يا لك من شيطانة تحاولين تزوير الحقائق أمام العائلة"....

نظرت إلى أمي رأيت في عينيها دموع التأسف، كأنها تقول لي ليس المكان المناسب يا ابنتي، بدأت الوشوشات تملأ القاعة... بعضهم غادر، والبعض الآخر في حيرة من أمرهم، لم يعد لدي خيار سوى السكوت القاتل من جديد...

عدنا إلى المنزل نحن الثلاثة، كان مبالغاً في اللطف مع أمي، فاليوم كانت ذكرى زواجهما العاشرة، كأنه يقول لها لاتكثرتي إنها مجرد مراهقة. 

دخلا غرفتها، ودخلت عرفتي... كانت الليلة الأطول على الإطلاق، عند حلول الفجر دخل كعادته لغرفتي... هددني بأبشع التهديدات... توعد وصرخ بشكل هستيري... اقترب من الشرفة ليستنشق الهواء... تمنيت أن أدفعه ليسقط قتيلاً، لكنني تراجعت، فأنا لست بتلك الشجاعة. 

في اليوم التالي استيقظت وكأنني نمت دهراً، كنت أشعر براحة كبيرة... توجهت نحو المطبخ لأساعد أمي في تحضير الفطور... كان شكلها غريباً وترتدي ثياباً بيضاء، ولم تضع أية زينة على غير عادتها... استمرت على هذه الحال شهوراً طويلة... لم أعد أرى زوجها في المنزل... ربما تخاصما،أو ربما رحل دون عودة. 


سلوى الإدريسي

المغرب

الاثنين، 25 يوليو 2022

جدتي / نص سردي / الدكتورة سليمة فريندي / المغرب.



د.سليمة فريندي


                      { جدتي } 

دافئ جداً فراش جدتي، كنت في طفولتي أسحب نفسي كل ليلة لأنام إلى حانب جدتي في سريرها الواسع، وأحظى بحكاياتها العجيبة، وحرارة جسمها في ليالي الشتاء الباردة.

كنت أقترب منها، وأقبل جبينها المشرق، فتضيء روحي وتصفو نفسي، أتأمل وجهها الوضاء، وعينيها الصافيتين، وهي تحرك شفتيها بصوت كاتم، وتحرك سبابتها ممررة حبات التسبيح البيضاء اللامعة والبراقة كالنجمات في كبد السماء ليلاً.

امرأة سبعينية تشرف على شؤون بيتها وتعمل بدأب النمل دون تأفف أو تضجر، تطبخ طبيخها وتخبز خبزها دون ملح كل يوم، وتسقي وتعتني بأزهارها وورودها بكل حب ودعة، وأنا أرقبها من النافذة، كنت أزورها كل يوم، وأحيانا أنام عندها، أنتشي برؤيتها، وهي تتفقد مملكتها الصغيرة، أستمد منها الطاقة والقوة، وحب الحياة بكل تفاصيلها، وبساطتها. كنت أعشق جدتي الحنونة، روحها الطيبة، ونظرتها للحياة، كلامها وحكيها مع الناس، أشياءها، خزانتها المنقوشة، ملابسها المرتبة، عطرها الزكي، طبيخها الشهي، حتى خبزها رغم أنه كان معجونا بلا ملح، أحببت طعمه.

ولازالت جدتي رحمها الله، بطلة كل أحلامي، ومثلي الأعلى في الحياة... أناجيها وأحكي لها همومي وعذاباتي، وأبوح لها بأسراري، أعود إلى عالمها كلما صفت ذاكرتي وتملكني الحنين إلى ذلك الزمن الجميل، وتاقت روحي إلى فضاء ذلك البيت الآمن الهادئ إلا من صوت جدي وهو يشتم ويلطم و يصرخ في وجه ذلك الملاك الطاهر:

— "لماذا وضعت ملحاً زائداً في الطعام؟ 

كيف لك أن تهرقي الحليب على الأرض؟

لماذا لم تكو القميص الأبيض؟

لم تعودي صالحة لأي شيء أيتها العاجزة".

أذكر أنه في إحدى الليالي ضربها على ظهرها ضربة قوية لأنها نسيت الباب مفتوحاً ولم تغلقه، نظرت مشفقة إلى جدتي وقد تملكها الرعب والفزع، كتمت أنفاسها وابتلعت لسانها، لم أتمالك نفسي ونسيت حدودي ولم أر فيه إلا صورة رجل ظالم قاهر، صرخت في وجهه:

— "كفى ظالماً... كفى قهراً... كفى تجريحاً... كفى ضرباً... 

 لماذا تعامل جدتي هكذا؟". 

دخلت في حالة هستيرية من البكاء والصراخ، والعويل... صفعني جدي صفعة قوية أسقطتني أرضاً، ولم أعد أرى سوى هالات سوداء... ظلام أسود حالك كسواد ظلم جدي لجدتي يحيط بي ويدفعني إلى هوة سحيقة و عميقة.

صرخت  صرخة مدوية بكل مافي أعماقي من قوة... ثم دخلت في غيبوبة، و لم أعد أعِ بمن حولي، ولا بماذا حدث بالتفصيل بعدها.

استفقت بعد الحادث بثلاث ساعات، كنت مصدعة وجد مرهقة ومتعبة... صرت أبحث هنا وهناك عن ملاكي وأسأل عنه:

— "جدتي... جدتي...". 

 لقد كانت جدتي طوال الوقت جالسة بالقرب مني، تحرسني، وتدعو لي، وتراقب أنفاسي، نظرت إليها بعينين دامعتين وقلت لها في نفسي:

— "آه يا جدتي الغالية، كم أحبك وأقدرك وأقدر صبرك وتحملك.

كيف لك وأنت بهذه الطيبة والحنان أن تتحملي كل هذه القسوة والعنف وتستمري في الحياة والعطاء بتبسم وصبر، لا لشيء إلا لأنك تحرصين على سعادتنا نحن، ورؤية كل أولادك وأحفادك مجتمعين وتفرحين؟! 

كم أنت عظيمة يا جدتي! رحمك الله وأسكنك الفردوس الأعلى".


د. سليمة فريندي.

المغرب.


الخميس، 24 مارس 2022

دفتر حضور وانصراف / قصة قصيرة / أ. سمير لوبه / مصر.


« دفتر حضور وانصراف » قصة قصيرة
‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘
رنينُ المنبهِ يتسللُ لأذنيه ؛ ينتفضُ من سريرِه يتأكدُ من الوقتِ ، يتحاملُ على جسدِه المترنحِ ، يطرقُ نافذةَ الحمامِ برفقٍ ضوءُ النهارِ الوليدِ ، ينظرُ في صفحةِ المرآةِ يتفحصُ صورتَه ، يفردُ بكفِه تجاعيدَ وجهِه يرفعُ كفَه عن وجهِه فتعودُ التجاعيدُ أدراجَها ، تراقبُ عيناه من خلف أجفانِه المنتفخةِ شيبًا احتل رأسَه في غفلةٍ من الزمنِ ، يرتدي أمامَ المرآةِ معطفَه ، يضعُ على عينيه نظارتَه الطبيةَ ،  يجمعُ أوراقَه المبعثرةَ داخلَ الحقيبةِ ، ينظرُ في ساعتِه ، عقاربُ الساعةِ قد توقفت فيدركُ أن عليه الإسراعَ فقد يتأخرُ على دفترِ الحضورِ والانصرافِ ، ينطلقُ في الطريقِ الموحلةِ ، تحفُه الأشجارُ الضخمةُ من الجانبين ، تتدلى منها الأغصانُ الجافةُ تتعلقُ بمعطفِه ؛ تضطرُه للانحناءِ والسيرِ حبوًا ، وفي نسخةٍ مكررةٍ من أيامِه تنتابُه نشوةُ الانتصارِ المعتادةُ ؛ فهو أولُ من يوقّعُ في الحضورِ ، يجلسُ مع أوراقِه يلقي رأسَه بينَ الحروفِ والأرقامِ لا يرفعُها إلا مع رنينِ جرسِ الانصرافِ ، يرتدي معطفَه ، يلملمُ أوراقَه يحملُ حقيبتَه ، هو أخرُ من يوقّعُ في الانصرافِ كما اعتاد ، وفي الطريقِ الموحلةِ بينَ الأشجارِ الضخمةِ تضطرُه أغصانُها الجافةُ للانحناءِ والسيرِ حبوًا فلا تشتبكُ بمعطفِه ، يفتحُ بابَ الشقةِ ليجدَ أهلَه يتوشحون السوادَ وكأن على رؤوسِهم الطيرَ، يلقي السلامَ فلا أحدَ يردُّه ، ينادي فلا يجيبُ نداءه أحدٌ ، يدخلُ حجرتَه فيجدُ معطفَه معلقًا ونظارتُه بجوار الحقيبةِ على المنضدةِ ، يقفُ مشدوهًا أمامَ صفحةِ المرآةِ فلا يرى صورتَه  .
بقلم  سمير لوبه ( مصر )


الخميس، 26 أغسطس 2021

أنا الكاتب / قصة قصيرة / الأديب عبد الرحمن بوطيب / المغرب.


"أنا الكاتب".

قصة.

عبد الرحمن بوطيب.

المغرب. 


تحية طيبة، أنا الموقع أسفله، لي شرف تقديم نفسي إليكم، بكل فخر واعتزاز.

أنا مشروع كاتب، كاتب قصص، يعني بلغة النقد، قاص.

كما تعرفون، أنتم تجهلون اسمي، الأمر بسيط، ذلك أنني لم أكتب في حياتي قصة، أكيد أنني مغمور في سوق الكِتاب، لكنني أحب أن أكون مشهوراً أكثر مما اشتهر عباقرة القصة العرب وغير العرب عبر التاريخ.

نعم، أنا مشروع طموح، السر في ذلك أنني مهووس بالنجاح، نجحت في مجال تدوير النفايات، وفي مجال البناء العشوائي، وفي مجال استيراد مكملات غذائية لا نفع منها، آه... نسيت أن أخبركم أنني نجحت سنوات عديدات في تنظيم مهرجانات سباق الحمير. 

الحمار حيوان صبور، لهذا أحببته وتعلمت منه أن أصبر كل الصبر وأنا أبني مشاريعي التي راكمت منها أموالاً سائلة العملة، وأرصدة في البنوك، ودفاتر شيكات، وصديقات كثيرات، وقليلاً من الأصدقاء.

الذكور طماعون، لا ثقة فيهم. 

النساء لطيفات ودودات جميلات محبوبات، لهذا تكرمت عليهن بفتح علب ليل مبهرة صاخبة راقصة مطعمة ساقية يرتدنها بالمجان رفقتي، وما أنا ببخيل معهن.

أكيد يا كرام أن الشهرة تتطلب المقام الرفيع، أنا أحب البهرجة والتزاويق والديكورات الرفيعة، ومكتبي — أنا مشروع كاتب القصة، يعني القاص— يجب أن يكون في مستوى المقام.

نعم، سأستقبل جحافل الناشرين والمستشهرين والمعجبات والمعجبين وصفوفاً مصفوفة من الصحفيات والصحافيين، لهذا وجب علي أن أوفر لهم الفضاء المناسب للاحتفال البهيج بنجاحاتي المنتظَرة...

مكتب واسع أنيق، أثاث فاخر، مشرب، مرقص، منصة تتويج، وسكرتيرة لذيذة.

شرطي الثاني في سيرة السكرتيرة 

— بعد اللذة — أن تكون متمرسة بالكتابة، وبالغناء، وبالرقص الشعبي والشرقي والغربي والصيني والإفريقي والروماني والإغريقي... والبلدي.

على ذكر البلدي، أنا أحب الدجاج البلدي، والأرانب البلدية، والعيون البلدية، وأحب الفساتين الغربية القصيرة، القصيرة جداً كنوع القصة التي أحب التخصص فيها، القصة القصيرة جداً، لا وقت لي يسمح بإبداع القصة الطويلة من مئات الصفحات، لدي مشاريع أخرى كما عرفتم، أنا مفتون بالمشاريع والمشروعات والممنوعات.

كل دقيقة من وقتي صالحة لزيادة رقم بين أرقام رصيد من أرصدتي العديدة. 

هي أرصدة عديدة لأنني لا أثق في أسواق المال والبورصات، لو خسرت مشروعاً ما فلن أخسر إلا رصيده وحده، أنا عبقري.

أبشركم، سأكون عبقرياً أكثر في إنتاج القصص القصيرة جداً.

من الضروري أن أخطط بحكامة لصناعة أي قصة، لابد من الوقت المناسب، والأجواء المناسبة.

اليوم نجحتْ في اختبار اختيار السكرتيرة عصفورة صغيرة، أكيد هي ليست طفلة، هي شابة محترمة، تملأ العين، وتسر الناظرين، وحتى البسمة منها ساحرة، وغمزة العين ذكية.

أجمل ما فيها أنها أدت الوصلة الغنائية الراقصة في الاختبار بطريقة مذهلة، كانت تتخلص من ثقيل الثياب و خفيفها كلما ارتفعت حرارة جسدها الممشوق على إيقاعات عالمية مختلفة، من كل فن طرف.

لن أخفيكم سراً، لقد خطفتْ عقلي وهي تحدثني عن أصدقائها المثقفين المحبوبين، تولستوي، جبران، هيروشيما، رامبو، كولومبو، الشيخ العسري، وغيرهم من المشهورين، أه، نسيت أنها معجبة بالمؤلف الفذ صاحب كتاب الروض العاطر في نزهة الخاطر، لقد حفظتْ كل حروفه جملة وتفصيلاً، وتدربتْ على تشخيصها بإتقان، كم هي رائعة.

الليلة سنبدأ العمل، ستكتب لي سكرتيرتي المثقفة اللذيذة قصة قصيرة جداً في ليلة حمراء طويلة...

والنشر سيكون في القريب العاجل.

انتظروا نجاحات مشروعي، 

ولا تنسوا أن تحضروا لي بعض القنينات العتيقة في حفل افتتاح معرضي الأول... 

قنينات لذيذات من "سوق الكلب".

أخوكم الكاتب المشهور جداً.

هذا هو توقيعي، على منوال القصة القصيرة جداً.

"عبد الرحمن بوطيب".

تنبيه: عبد الرحمن بوطيب ليس هو كاتبنا المشهور جداً، إن هو إلا ناقل خبر، وما ناقل الكفر بكافر.


عبد الرحمن بوطيب.

المغرب.


الأربعاء، 2 يونيو 2021

عرس ‏الزوج ‏/ ‏القاصة ‏حبيبة ‏محرزي ‏/ ‏تونس. ‏

عرس الزوج.
قصة نفسية قصيرة.

انكمشت في أعلى نقطة من الفراش، جمعت ركبتيها بعد أن لفت عليهما ذراعيها، وكبت فوقهما رأسها المتصدّع المغلّف بضمادات بها بقع دم بنية. 
الممرّضة تقترب وهي تزداد جموداً وتحجّراً. حاولت أن تجذب ذراعها كي تحقنها بالمهدّئات والمنوّمات، إلاّ أنّها انكفات على وجهها كتلة واحدة لا تتجزأ.
كل كيانها أصبح عقدة واحدة لا يمكن نبش طرف منها دون آخر. استعانت بممرّض قويّ البنية جذب أطرافها. لكنها تعود إلى وضعها المتخشب قبل أن تصل الحقنة إلى الوريد. 
جاء ممرّض ثان، برك فوقها واضعاً ركبتيه على ذراعيها وصدرها تحته. 
وجاء ثالث تكفّل بشلّ الرّجلين، وقيدوها على السّرير الحديديّ بأحزمة جلدية قوية بها صفائح حديديّة أيضاً.
عضّت لسانها حتى نزّ منه الدّم وسال ليرتسم على جانبي المخدّة الرّثّة. 
منذ أيام قليلة شعرت بحركة غير عاديّة في الحوش، حماتها تنظف الأركان وتغيّر المفارش وتكدّس المشتريات. سألتها بعفويّة:
— هل سياتينا ضيوف؟ 
لم تجبها، أشاحت عنها بوجهها، وواصلت عملها، بل إن لسانها لعلع بالزغاريد.
حضرت الجارات متغامزات متهامسات.
منذ سنة، وفي مثل هذا اليوم، جاءت إلى هذه الدار عروساً تختال في ثوبها الأبيض، جميلة جذابة، أحبته ورضيت بالعيش معه في غرفة وحيدة في دار حماتها. المهم أنها ستجمعها بحبيب اختاره قلبها وهفت له كل جوارحها واستبشر به كيانها.
لكن الحمل تأخر، والشائعات تقول إن الرئيس سيلغي التعدد ويعاقب كل من يخرق القانون بالسجن.
ليس ذنبه، من حقه أن يبحث عن زوجة تخلف له ذكراً وبسرعة قبل صدور القانون. 
العروس مسمّرة في وسط الدار، والقلق باد على محيّاها المتجهّم، والنساء يحاولن فتح الباب، لكنّ أمينة رصّت وراءه كلّ ما في الغرفة كي لا يفتحوه لتدخل منه العروس الجديدة وتبيت مع حبيب القلب على نفس الفراش الذي سلمته عليه روحها وفكرها وحبها الصادق.
 النساء يحاولون، وأم العريس تزغرد كي لا يتفطن الجيران إلى هذا الخطب.
العريس يرقب المشهد من بعيد.
النساء تراجعن يائسات، أومأ إلى أخ العروس الجديدة كي يتبعه، تقدما مستنجدين بعضلاتهما المفتولة القوية، ودفعا الباب لينفرج شيئاً فشيئاً. انسابت يده بين الدّفّتين وأنشبت أظافر ها في شعر عروس الأمس المرعوبة.
جذبها إليه، بينما تكفّل مساعده بدفع الدّفة اليمنى لتتهاوى الأشياء وتتناثر الصناديق والكراسي على الجانبين.جرها على الأرض حتى زريبة الدّوابّ.
رماها هناك في ركن آسن قرب مربط الحمار والبغل قبل أن يعود ليحتضن عروسه التي ستحمل بالذكور منذ اليوم الأول كي لا يكون مصيرها كمصير الأولى. سمع صراخاً وعواء وصياحاً، لم يهتمّ، فالعروس تنتظر بعد أن رُتّبت الغرفة ورُشّت بالعطور وتضمّخ فضاؤها بالبخور المجلوب من الحج تبركاً ببيت الله. 
جرى خلفها بعض الأطفال والشباب، اختفت بين الأشجار حيناً، وظهرت لهم حيناً آخر، ثم غابت عنهم. بحثوا، وانبثوا في كل الجهات حتى صرخت رحمة:
— تعالوا، اجروا.
اقتربوا، فإذا تخبّط وضجييج في البئر، قفز أحدهم، جمعها على كتفه وربطها بحبل. استخرجوها عارية إلا من بعض ثوب تجمع عند صدرها وقد سالت مياه مختلطة بدماء تنز من جرح غائر في رأسها. 
الممرض يحاول تغيير الضّمّادات، لكنّه وقف ينتطر أن يسري المهدئ في الأوردة فيشلّ العقل عن التفكير في العروس الجديدة التي ماتزال تنام على فراشها.

حبيبة المحرزي. 
تونس.

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...