‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 نوفمبر 2023

التصور الحداثي للشعر عند أدونيس / نقد / الأديبة فاطمة عدلي / المغرب.

+ التصور الحداثي لمفهوم الشعر عند أدونيس +

تواضع النقاد القدماء على تعريف الشعر بأنه كل "كلام موزون مقفى يدل على معنى"، ومن ذلك ما أورده قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر".

وظل هذا التعريف خلال فترات طويلة يتحكم في مسار الشعر، يجمده في مجموعة قواعد يتم بها تقنينه، ولا غرو أن تعريفاً مثل هذا لا يؤدي إلى تجميد الشعر فحسب، بل إلى القضاء عليه أيضاً، لأن كل تعريف بالضرورة هو نوع من التقعيد ووضع القوانين، ولأن وضع قوانين في هذا الباب ليس تجميداً للشعر فحسب، بل هو نفي له، على اعتبار أن هذا التعريف ينص على شكل الشعر وليس على جوهره، بحيث يحصره في التقفية والخضوع للنظام الخليلي والدلالة على معنى، وهذا قد يشمل الشعر وغيره، بما في ذلك النظم.

وحين نريد الوقوف على مفهوم الشعر لدى أدونيس فلن نحصل على تعريف معين يحدد ماهية الشعر، باعتباره خرقاً للقواعد وتجاوزاً مستمراً للواقع، بدليل قوله: (وإن كنت تقصد تحديد ماهية الشعر فسؤالك لا يجاب عنه، ذلك أن الجواب، كل جواب، يستند إلى قواعد ومقاييس، والشعر خرق مستمر للقواعد والمقاييس). (1) 

بهذا المستوى يتجاوز الشعر مع أدونيس أي تعريف، لأنه لا يستقر في شكل معين، إنما تتحدد ماهيته من خلال طرحه الأسئلة باستمرار، والتطلع أبداً إلى المستقبل، بهدف الكشف عن المجهول وسبر أغواره، فلا يقف عند غاية محددة، إنما يرتبط بالسفر الأبدي الذي لا ينتهي ولا يصل، فالوصول توقف، والشعر حركة مستمرة وبحث دائب، وسؤال لا ينتهي إلى جواب، إنما يولد الأسئلة تلو الأسئلة، فمن أخص خصوصياته أن "لا يقبل أي عالم مغلق نهائي وأن لا ينحصر فيه، بل يفجره ويتخطاه. فالشعر هو هذا البحث الذي لا نهاية له) (2) 

هكذا يتجاوز الشعر المفاهيم التقليدية الموروثة وينفض ما ترسب منها ويحتفظ فقط "بالقدرة على الحلم "، ففي الحلم يطرح الشاعر رؤياه المستقبلية التي تستبق الزمن، تتجاوز العادة، وتخرج عن المألوف السائد الذي تكسبه العادة نوعاً من التكرار ونوعاً من الدوران في حلقة مغلقة، وهذه دعوة صريحة من أدونيس للخروج على الطرق الشعرية الموروثة لأنها لم تعد قادرة على استيعاب القضايا المستحدثة. 

والمنهج الذي يطرحه أدونيس لا يقف عند حدود الظاهر، إنما يغوص في أعماق الباطن لاستكشافه، باعتبار الظاهر ليس إلا عتبة إلى الباطن الذي يعتبره وحده الحقيقة الخفية التي يجدر استكشافها، هذه الحقيقة التي لا يفتأ أدونيس يؤكد عليها في كتاباته المتعددة، نقدية نظرية أو حتى إبداعية على حد سواء، على اعتبار أن مجاميعه الشعرية تعكس تمثلاً لتصوراته النظرية، ولا تنفصل عنها، حيث يطرح مجموعة أسئلة بهذا الصدد من قبيل: "ما المرئي العربي؟ ما وراءه؟ ما الذي يعطيه الصورة وما معناه؟ إن دراسة ذلك الظاهر لا قيمة لها إذا لم تعرف باطنه أو ما وراءه، إن دراسة المعلن وحده خصوصاً في مجتمع كالمجتمع العربي تظل سطحية وعقيمة، ذلك أن هذا المجتمع يقوم في أعمق خصائصه على المكبوت المحجوب، حتى أنه ليمكن القول اليوم أن الفكر العربي الحقيقي هو الذي يدرس المخبوء لا المكشوف" (3)

هكذا يخرج الشعر عن حدود الظاهر فلا يظل مرتبطاً فقط بالوصف والسرد أو رصد الجزئيات العارضة والوقائع، إنما يتجاوز ذلك إلى الارتباط بالإنساني والكوني، فلا يظل سجين الواقع، إنما ينطلق من الواقع ليتخطاه ويتجاوزه، بمعنى آخر يصبح "الواقع الذي يتجاوز الواقع"، وإذ يرفض أدونيس الارتباط بالواقع فإنه يرفض الشعر/ المحاكاة الذي يستنسخ الواقع، أي يرفض الشعر الذي لا يعدو أن يكون صورة فوتوغرافية للواقع، لأنه بذلك سيفقد مسوغ استمراريته، فيرتبط باللحظة والآن. 

فالعالم الواقعي، المتعارف عليه بين عامة الناس، لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون العالم الحقيقي الكلي، بل لا يعدو أن يكون " بوابة تصلنا بالعالم الكبير الآخر، العالم الذي ينتجه الشعر ويقود إليه"  (4)

هذا الخروج عن المألوف والبحث عن عالم آخر عبر رؤيا شعرية خلاقة يؤكد بالضرورة نوعا من الاستغلاق واستعصاء الفهم على عامة الناس، وهذا ما يطرح مسألة الغموض في الشعر، هذه المسألة التي يبدو فيها موقف أدونيس في كثير من تصريحاته موقفاً محدداً، إذ "ليس من الضروري لكي نستمتع بالشعر أن ندرك معناه إدراكاً شاملاً، بل لعل مثل هذا الإدراك يفقدنا هذه المتعة، ذلك أن الغموض هو قوام الرغبة في المعرفة، ولذلك هو قوام الشعر"  (5)

بهذا يبين أدونيس كيف أن الغموض يلازم الشعر، بل يندرج ضمن خصوصياته، إذ يسبغ عليه نوعاً من الجمالية، ويعطيه طابع التعددية، فلا تصبح القصيدة خاضعة لمعنى واحد لا تتعداه، إنما تكون بؤرة للدلالات والاحتمالات، وهذا يطرح بالتالي منهجية جديدة في التعامل مع النص الشعري، تتمثل في استقصاء القدرات اللغوية التي تتضمنها القصيدة واستكشاف القدرات المعرفية، فلا تظل القصيدة عملاً جاهزاً لا يتطلب أي مجهود من القارئ، إنما على العكس من ذلك فالقصيدة العظيمة "ليست شيئاً مسطحاً تراه وتلمسه وتحيط به دفعة واحدة، إنها عالم ذو أبعاد... عالم متموج متداخل... تعيش فيها وتعجز عن القبض عليها... تغمرك وحين تهم أن تحضنها تفلت من بين ذراعيك كالموج"  (6)

بهذا المستوى يصبح الغموض في الشعر من العناصر التي تقوم عليها التجربة الإبداعية الخلاقة التي ترتبط بالإنسان على مر العصور. 

يلح أدونيس على أهمية التجربة الفردية، إذ كلما يبرز الفرد كفرد يكون الخلق والإبداع، فالفرد هو نقطة البدء، هو الذي يؤسس، وإذ يتغرب الفرد عن ذاته في الجماعة يكون الاتباع والجمود. 

انطلاقاً من التجربة الفردية انبثق الفكر الخلاق المبدع في المجتمع العربي عند الرافضين الالتصاق بالجماعة والذوبان فيها (تجربة الشعراء الصعاليك مثلاً) حيث تبرز الذات كعنصر جوهري وتصبح "علامة التحرر والحرية، أي رفضاً للتشيؤ سواء كان الانصهار في جماعية القبيلة وعصبيتها، أو الخضوع لسلطوية النظام، كانت هذه الذاتية يقظة الإنسان في عالم يحكمه نظام الأشياء" (7)

انطلاقاً من خصوصية التجربة الشعرية يتفجر الإبداع، فالشاعر لا يستطيع أن يبدع ضمن الجماعة، لأن الجماعة ليست كتلة واحدة تتحرك وتعمل بإرادة واحدة، إنما هي مجموعة أفراد ولا يمكنها بحال من الأحوال أن تتفق على رؤيا معينة تبدع من خلالها، ومن ثمة يصبح التصاق الشاعر بالجماعة طمراً للإبداع وقتلا للشعر بمعناه الحقيقي، لأنه يتحرك ضمن ما هو سائد ومتعارف عليه، فلا يستطيع تجاوز العام ويتساهل في إبراز الخاص، فالشاعر "في الجماعة يكبت ما يفرده ويظهر ما يجمعه، الوعي ضمن الجماعة أفكار ثابتة واضحة، قواعد، عادات " (

إلا أنه رغم خصوصية التجربة التي تميز الإبداع الفني عند المبدع فهي جزء من التجربة الإنسانية ككل، وهنا تكمن أهمية التجربة التي لا تصبح خاصة بمرحلة معينة إنما تتخطى العصور والأزمنة.

فالقصيدة / النص تنبثق من التاريخ وتعيش فيه، لكن أهميتها تتجلى في استقلاليتها عن التاريخ، بحيث لا تعود مرتبطة به كأحداث ووقائع متسلسلة، فتاريخ الشعر هو تاريخ التغير والتجدد، وليس التاريخ بمعناه التقليدي من حيث أنه استمرارية لمعنى واحد يصبح فيه النص اللاحق مكملا للسابق، إنما "التاريخ هو التغير، تاريخ الشعر هو أشكاله الجديدة، تاريخ الحساسية الشعرية العربية هو تغيراتها" (9)

بهذا المعنى يتحقق الوجود الإنساني والكوني للقصيدة، إذ تفرض نفسها باستمرار كلما تخلت عن الوقائع العارضة والأحداث الطارئة، وهي بذلك "تتجاوز التاريخ وإن ارتبطت بلحظة معينة... ترتبط بالأزمنة كلها وتتحول باستمرار" (10)

ويحرص أدونيس على الاهتمام بالبنية الإيقاعية للقصيدة وتجاوز الوزن كمقياس للشعر، بل تجاوز القاعدة القديمة التي تواضع عليها النقاد باعتبار الشعر هو "الكلام الموزون المقفى"، فلا يصبح بذلك كل كلام موزون شعراً ولا يخلو كل نثر من الشاعرية.

وهذا يطرح بالتالي مسألة القصيدة والشعر حيث يتم الخلط بينهما بشكل تعسفي، فليس كل عمل مكتوب ضمن قواعد الوزن شعراً بالضرورة، إذ تصادفنا أعمال تعليمية تخضع للوزن دون أن يكون فيها أثر للشاعرية. 

بهذا يبدو الوزن عبارة عن مجموعة قواعد تحد من فاعلية الكلمة وتقيدها، ومن هنا حرص الشاعر الجديد على تحطيم هذه القواعد "فلا يجمد في أوزان محددة تجعل من كتابة الشعر تطبيقات منهجية، إنه يهبط إلى جذور اللغة، يفجر طاقاتها الكامنة التي لا تنتهي في إيقاعات لا تنتهي... إن الشكل الشعري الجديد عودة إلى الكلمة العربية وإلى سحرها الأصلي وإيقاعها وغناها الموسيقي والصوتي، والشكل الشعري العربي يتكون الآن بدءاً من الإيقاع لا بدءاً من القريض"  (11) 

من هنا لا يظل الوزن متحكماً في الشعر، فداخل القصيدة النثرية يوجد الشاعري، وفي القصيدة الموزونة قد نعثر على النثر، وهذا يؤدي إلى تحديد الفروقات بين الشعر والنثر، فالشعر "لمح تكفي إشارته" كما قال الشاعر القديم، إذ يعتمد على الإيحاء، في حين يحتاج النثر إلى الإيضاح واطراد الأفكار. 

والشعر إلى جانب كونه انفعالاً وعاطفة فهو فلسفة أيضاً، إذ يكون تعبيراً عن العالم، غير أن هذه الفلسفة ليست نظاماً أو مذهباً، إذ لا تقدم لنا العالم في علاقات منطقية، إنما تقدمه في توهج الحدس والرؤيا، فالشاعر" من يقفز بحدسه فيما وراء العقل والمنطق، ويتحد بتيار الحياة ودفعته الخالقة... لا يقدم أفكارا بقدر ما يقدم حالات، لا (يرسم) ولا يسرد، بل يوقظ الأسرار النائمة في الأشياء... إنه يغير نظام الكلمة ونظام الحساسية ونظام العالم" (12)

يقرن أدونيس الشعر بالفلسفة، لكنه يعترض على التعبير غير الشعري واسطة لإقامة صلات منطقية أو عقلية، لأنه يخرج على النسق والنظام، فالشعر فلسفة من حيث أنه "محاولة اكتشاف أو معرفة الجانب الآخر من العالم، أي الجانب الميتافيزيقي كما نعبر فلسفياً"  (13 )

وقد يلتقي الشعر بالعلم، إذ يصبحان واحدا عندما يتوحد هدفهما في السير نحو حقيقة واحدة هي "كشف المجهول وتمجيد الإنسان."

المراجع:

11/ زمن الشعر: أدونيس/ الطبعة الثانية، ص 312. 

2/ نفس المصدر، ص 43.

3/ مواقف عدد 43، ص 5 / 6.

4/ زمن الشعر: أدونيس الطبعة الثانية، ص 47.

5/ نفس المصدر، ص 21

6/ نفس المصدر، ص 159

7/ نفس المصدر، ص 272

8/ نفس المصدر، ص 211

9/ نفس المصدر، ص 59 

10/ نفس المصدر، ص 90

11/ نفس المصدر، ص 164/165  

12/ فاتحة لنهايات القرن: أدونيس ص 31

13/ زمن الشعر: أدونيس، ص 174

14/ نفس المصدر، ص 181

15/ نفس المصدر، ص 15

16/ نفس المصدر، ص 72

17/ نفس المصدر، ص 78


فاطمة عدلي

المغرب



 

الاثنين، 15 نوفمبر 2021

إشكالية هوية النقد الأدبي العربي / الناقد العراقي الدكتور باسم عبد الكريم.


* إشكالية هوية النقد الأدبي العربي *

الناقد العراقي الدكتور باسم عبد الكريم. 


لقد حصل انبهار كبير من طرف النُّقاد العرب بالنَّظريات والمذاهب الفلسفية والمدارس التَّحليلية في النَّقد الأوروبي، حتى غابت ملامح نقدنا الأدبي، وتهدد الإمساخ هويته العربية، وهذا يتضح فيما أعرضه أدناه من آراء وأقوال كبار المعنيين بموضوعة النقد:


1/ تقول رائدة الشعر الحر نازك الملائكة: (هذه الدِّراسات الباهرة التي يكتبها النَّاقد الأجنبي هناك... إنها تعمل في نقادنا عمل السّحر، فتبهرهم وتسكرهم وتفقدهم أصالة أذهانهم، وتصيب حواسهم المبدعة بشيء يشبه التَّنويم) / كتابها: "قضايا الشعر المعاصر" / ص: 335 .

وتضيف: (هذا الأنهار، للأسف، لم يكن من أجل العمل والكدِّ لأجل تطوير الحركة النَّقدية العربية، وإنما كانت له مواقف جدُّ سلبية، فإننا لا نغالي ولا نبالغ إذا قلنا إنَّ موقف نقادنا من الفكر الأوروبي يكاد يكون موقف استخذاء، إنَّ بعضهم يعتقد اعتقاداً جازماً أننا أقلّ موهبة من شعراء الغرب، وإنَّ علينا أن نغترف نظرياتهم ونأكلها أكلاً إذا نحن أردنا أن ننشئ شعراً عربيّاً ونقداً) / نفس المرجع، ص: 336.

وفي ظل هذه التَّبعية الثَّقافية راح الناقد العربي يعب من معين الأساتذة النُّقاد الأوروبيين، دون أن يفطن إلى أنَّ النَّقد الأوروبي يتحدر من تاريخ منعزل انعزالاً تاماً عن تاريخنا، وهذا ما أكدته نازك بقولها: (كيف يتاح لنا أن نطبق أسس ذلك النَّقد الأجنبي على شعرنا الذي يتدفق من قلوب غير تلك القلوب، وعصور غير تلك العصور؟... فما يكاد النَّاقد العربي اليافع يقرأ ما كتبه إيليوت، برادلي، مالارميه، فاليري، وغيرهم، حتى يشتهي أن يطبق ما يقولون على الشِّعر العربي مهما كلفه ذلك من تصنّع وتعسّف وجور على شعرنا ولغتنا) / نفس المرجع (بتصرف)، ص: 334 و335.


2/  الَّنقد العربي المعاصر يعاني من عدة منزلقات على مستوى التنظير، وعلى مستوى الاشتغال العملي، هذا ماذهب اليه الأستاذ "بدرة فرخي" في مقاله المعنون بعنوان: "النقد العربي بين حقيقتي الإبداع والاتباع" / مجلة الناص، العدد 07، آذار 2007 / ص: 203...

وحددها بعدة مزالق أهمها (تبني المناهج الغربية)، يقول: (إنَّ هذا التبنِّي للمناهج الغربية هو قمع لوجود النَّص عينه، من منظومته الثَّقافية التي أنتجته)، فهذه المناهج تستند إلى خلفيات ثقافية ومرجعيات فلسفية فكرية غربية، وغريبة عن تلك الخلفيات الثقافية للمنجز الأدبي العربي. 


3/ أقرَّ كثيرٌ من النُّقاد العرب المحدثين أن النَّقد العربي اليوم يعاني أزمة تأصيل حقيقية، ومنهم "سيد بحراوي" حيث يذهب إلى قول: (إنَّ النَّقد العربي يعيش حالة أزمة، ومن مظاهر هذه الأزمة غياب تام لدور النَّقد في الحياة الثَّقافية، غياب المنهج الواضح، الشِّيء الذي يترتب عنه عدم تبلور مدارس نقدية عربية تقدم رؤية متكاملة للعمل الأدبي) / الثقافة الجديدة المصرية / عدد: 12 / 1986 / ص: 110. 

ويؤكد مرَّة ثانية ما ذهب إليه مركزاً على الأزمة المنهجية قائلاً: (تتفشَّى الأزمة المنهجية التي تتمثل في عدم قدرة نقادنا المحدثين والمعاصرين على تحقيق طموحهم لامتلاك المنهج أو المناهج العلمية المتكاملة والمتناسقة التي تسمح لهم بالتَّعامل مع نصوصنا الأدبية تعاملاً علمياً) / أدب ونقد المصرية، العدد: 116 / 1995. 


4/ يذهب بعض النقاد ومنهم "محمد جمال باروت" إلى وجود (صعوبة تمييز لغة واحدة في نقدنا العربي المعاصر، بل يمكن تميِّيز عدّة لغات، لكن مجمل هذه اللغات ما هي إلا تنويع في ثقافة الغزو، إنَّ من الصعب – مثلاً — الحديث عن لغة بنيوية واحدة، بقدر ما يصح الحديث عن لغات بنيوية، فلكل من كمال أبو ديب، وأدونيس، وخالدة سعيد، ومحمد بنيس، ويمنى العيد، وإلياس خوري... لغته البنيوية الخاصة) / ينظر: أحمد كمال زكي، "النقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته" / ص: 23 .


5/ يذهب النَّاقد "إدوارد سعيد" إلى أنَّ العالم العربي منهمك فيما أسماه النَّسخ المباشر، ويعلِّل ذلك بقوله: (يساورني الانطباع بأننا في العالم العربي نقوم بالنَّسخ المباشر، ما إن يقرأ الواحد منا كتاباً من تأليف "فوكو" و"گرامشي" حتى يرغب في التَّحول إلى "گرامشوي" أو "فوكوي"، لا توجد محاولة لتحويل تلك الأفكار إلى شيء ذي صلة بالعالم العربي) / ينظر: محمود ميري، "أسئلة النقد الأدبي العربي الحديث: أزمة ثقافة أم أزمة منهج؟"، مجلة علامات، ص: 119.


6/ يصف "لطفي اليوسفي" الخطاب النَّقدي العربي المعاصر بأنه (خطاب محنة، يحركه وعي "شقي"، فهو مرتهن من جهة بالرؤية التَّقليدية التي ترى الحديث النقدي "فعل تميِّيز لجيد الأدب من رديئه"، ومنوط من جهة ثانية بأوهام الحداثة وادعاءاتها، حيث الهرب إلى الثَّقافة الغربية لاستلاف ما ابتدعته من مفاهيم، واقتطاعها من منابتها لإنزالها قهراً في أدبنا) / المرجع السابق، ص: 116.


7/  الناقد الجزائري "عبد الملك مرتاض" انتقد بقسوة النُّقاد العرب، معيباً عليهم طريقة تعليمهم للنقد الحديث، قائلاً في السِّياق نفسه بأن جميعهم يلوكون بألسنتهم المصطلحات الغربية، بل ذهب إلى الأكثر من ذلك — في مؤتمر ذي صلة بموضوعة النقد العربي المعاصر، عُقد في المغرب يوم 25 يناير 2004 — حين رفض بشدة القول بوجود نظرية نقدية عربية، وقال: (لا توجد نظرية نقدية عربية، نحن جميعاً من طنجة إلى البحرين عالة على النظرية النقدية الغربية المعاصرة) / ينظر: الأستاذ بدرة فرخي، المرجع السابق، ص: 204. 


هذا غيض من فيض الشواهد والأقوال لكبار النقاد والمعنيين بالشأن النقدي العربي التي تشير بوضوح إلى إشكالية "الهوية" التي لمّا يزال يفتقد إليها النقد الأدبي العربي. 


باسم الفضلي العراقي.

العراق.


دراسة نقدية في رواية "والله إن هذه الحكاية لحكايتي" للكاتب المغربي الدكتور عبد الفتاح كيليطو / الناقدة المغربية الدكتورة عتيقة هاشمي.


              * محطات نقدية *

مع الأديبة والمترجمة المغربية الدكتورة عتيقة هاشمي.

                  Atika Hachimi 

1/ الدراسة الأولى:

في رواية: "والله إن هذه الحكاية لحكايتي". 

للكاتب المغربي الدكتور عبد الفتاح كيليطو.


= قراءة في العتبات:

* مدخل: 

إن محاولة إيجاد تعريف شامل وشاف للرواية يظل مبهماً، ذلك أن هذا الجنس الأدبي الذي ظهر في القرن التاسع عشر متجدد ولا نهائي، على حد تعبير "ميخائيل باختين"، من أن الرواية جنس أدبي "غير مستقر وغير مكتمل وغير مغلق"، وبالتالي يكون مشرعاً على كل الأنواع المختلفة من الرؤى.

وأكثر ما يميز الرواية هو عنصر التشويق، خاصة إذا كان الكاتب يمتلك آليات السرد، ومتمكناً منها.

والرواية المغربية — كنظيرتها في الغرب — قطعت مراحل طويلة من أجل إثبات وجودها، حيث أصبحت تعبر عن رفضها للقوالب الجاهزة من جهة، ومن جهة ثانية باتت تعرب عن قلقها على مستوى الشكل والمضمون من خلال التحول الذي تخضع له، لأن الكُتُّاب لا يفتؤون يلتزمون بمسار معين حتى يغيروه بحثاً عن غيره، وهو ما يطرح أمام المتلقي صعوبات في تنميطها.

إن هاجس التميُّز أضحى ديدن الكتاب، وقد دفع بهم إلى إيجاد مقاييس جديدة ترتبط بالتغيير في محاولة لكسر النماذج الكلاسيكية، والبحث عن لغة جديدة تمتح من مرجعيات فكرية وثقافية وفنية لابتكار نص روائي يجمع بين الواقعي والمتخيل، ويربط جسر التواصل مع المتلقي.

ولعل من الأسماء المغربية التي راهنت على هذا الجنس الأدبي نجد الدكتور "عبد الفتاح كيليطو" الأديب والناقد والروائي المغربي. اتسمت كتاباته الروائية بتنويعاتها السردية، ولغتها الحبلى بالدلالات، وقد جاءت روايته "والله إن هذه الحكاية لحكاتي" لتعزز الإنتاج الإبداعي، حيث نقل إلى المتلقي أجواء محكيه بلغة سلسة واضحة لا تخلو من الشاعرية، من قبيل: (ما يؤثر أكثر في هذا المشهد ذي الصبغة الوجدانية المميزة هو حرص نورا على توديع حسن / خرج من الثياب عشر بنات أبكار، يفضحن بحسنهن بهجة الأقدار / أشرف على الهلاك بسبب الغرام / على الشجرة خلف منزلنا بنى اللقلاق عشه... يرحل في الخريف ويعود في الربيع …)، وتحيل ضمنياً على امتلاكه مهارات عالية في حصر عوالمه.

يبدو أن الرواية اشتغلت على حيز جغرافي كبير (المغرب / نيويورك / إشبيلية / الولايات المتحدة / السوربون...)، وحيز زماني أكبر، مستعرضاً جملة من أعلامه وكتابه، يمتد من القرن الأول الهجري، حيث استحضر عبد الفتاح كيليطو أبرز شخصية من علماء الإسلام وهي "القاضي الحسن البصري"، يقول: (أرى أنني أخلط بين قصتين...، إنني، بالإشارة إلى حكاية حسن ميرو، تحت تأثير حكاية قديمة، حكاية حسن البصري) ، مروراً بالقرن الثاني الجهري مع "عبد الله بن المقفع" وكتابه "كليلة ودمنة" ، و"الجاحظ" صاحب "رسالة التدوير والربيع"، وقد تأثر به" أبو حيان التوحيدي" الذي سيلتقي به القارئ في المتن الروائي، وهو من رواد الأدب والتصوف والفلسفة في القرن الرابع الهجري، وسيقف كيليطو مطولاً عند كتابه "مثالب الوزيرين"، وقد ألَّفَه في "ابن العميد" و" الصاحب بن عباد" بسبب خصامه معهما، كما أتى على ذكر "ابن النديم" من خلال كتاب" ألف ليلة وليلة" على اعتبار أنه أول من عمل على ترجمة قصصه من الفارسية إلى العربية، وكذا "ياقوت الحموي" في القرن السادس الهجري، و"ابن خلِّكان"، صاحب كتاب "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان"، في القرن السابع الهجري، وصولاً إلى القرن العشرين ميلادي، حيث يعرج كيليطو على الكاتب المصري "توفيق الحكيم"، والكاتب الفرنسي "جورج برنانوس" صاحب كتاب The Diary of à" Country Priest" ، و"جوستاف فلوبير" ، و"ميشيل دي مونتين"، و"انجيلا كارتر"، و"فرانز كافكا" ، و*فيودور دوستويفسكي"، و" لوي فرديناند سيلين"، و" جوزيف ماردروس"... هو مسار زمني طويل وحافل احتفت به الرواية. 

يثبت البناء العام في تجربة "عبد الفتاح كيليطو" أن فعل الكتابة مشروع فكري تاريخي ينهل من الرغبة في التصحيح عبر فعل القراءة، إذ إنهما ينصهران في بوتقة موحدة، منتجة لفعلين يكمل أولهما ثانيهما، وروايته" والله إن هذه الحكاية لحكايتي"، كباقي كتاباته، تعكس هذا التصور الذي طالما انحاز إليه كيليطو، فالحكي شكّل في روايته هاته تفصيلاً ملفتاً لوقائع وأحداث عاشها البطل "حسن ميرو"، وأشير إلى الطابع التسجيلي للكتابة الروائية عند "عبد الفتاح كيليطو" ، حيث يقدم للقارئ من خلال الكتابة الروائية تقريراً تاريخياً فنياً يثبت من خلاله رغبته في فهم المثقف الموسوعي، إذ تمكن في إطار عملية فكرية هجينة أن يحول الوقائع التاريخية إلى فن، والفن إلى تاريخ. 

هذه الكتابة التي تتأسس على استراتيجية الخطاب الجمعي والتحولات التي تحكم فئة من المجتمع تتلخص في شخصيات الرواية (حسن ميرو / حسن البصري / نورا / الأخوات السبع / التوحيدي / يوليوس موريس/ الأستاذ ع / الأم)، وقد حاول كيليطو أن يغوص في أعماقها، ويستجلي دواخلها وانفعالاتها، حتى إنه قد يخيل للقارئ أن الكاتب عايش هذه الشخصيات، أو ربما كانت تعكس جانباً من جوانبه الحياتية، والأكثر من ذلك، يبدو وكأنه يتمثل تمظهرها العام ورؤيتها للعالم. 

إن فضولنا لمقاربة تجربة "عبد الفتاح كيليطو" دفعنا إلى مساءلة العتبات النصية في روايته هاته، لسنياً وسيميائياً في علاقتها الجدلية مع باقي المكونات الأخرى، أملاً في الوصول إلى نقطة الالتقاء بين التجربة الروائية والعتبة، إذ كيف يساهم الخطاب المقدماتي في بناء دلالة النص؟

من المعلوم مدى الأهمية التي باتت تحظى بها العتبات النصية في الرواية الحديثة، إذ أصبح من المستحيل الاستغناء عنها، فهي ترتبط بالعوالم الداخلية للنص الروائي، وتساهم في تأسيس بنيتها الدلالية، "ولعل ولوج النص قد يكون مشروطاً بالمرور عليها، لكي يُسْتَدَلَّ بها في رحلة القارئ عبر المتن الحكائي، عن طريق المعايشة العميقة لهذه العتبات، والتي تتمظهر في العناوين، المقدمات، الذيول، الملاحق، كلمات الناشر، دور النشر، والكلمات الموجودة على الغلاف، إلى جانب الهوامش والشروح والتعليقات".


* عتبة لوحة الغلاف:

يعد الغلاف أول العتبات التي تطالعنا، وتشد القارئ وتستفزه عن طريق لغة العين التي تفرض عليه ضرورة التسلح بآليات التأويل التي تضمن له عملية الموازاة بين ما هو كاليغرافي، وبين ما هو تشكيلي، وبين العمل الأدبي، فالغلاف يتخذ أهميته انطلاقاً من المؤشرات المصاحبة له، وبالتالي نستشعر ذلك التعاقد بين الدال والمدلول الذي جاء به "دي سوسير" ، حيث نجد هناك نوعاَ من التآلف بين اللوحة كأيقونة وكدال بصري يحيل على الكثير من الإيحاءات السيميائية والتأويلات المتعددة لقراءته، وبين العنوان كمقولة كليغرافية لسنية.

وبتأملنا لوحةَ غلاف رواية "والله إن هذه الحكاية لحكايتي" سنلفيها ذات طابع تجريدي، إذ هي عبارة عن صورة امرأة تطير في فضاء أزرق، تفرد يديها وكأنهما جناحان... يقول الكاتب (بالضبط، توجد نورا، زوجة حسن، في الأعلى، على السطح، وقد ارتدت ثوبها من الريش، في ذراعَيْها طفلان نائمان، عُمُر أحدهما سنة، والآخر سنتان... إنها تنتظر منذ الفجر أن يستيقظ حسن... قالت: لم أكن أودُّ الذهاب قبل توديعكَ. ومباشرة، بعد ذلك، طارت وحلَّقت بعض الوقت فوق البيت، ثمَّ اختفت)، إن فعل الطيران هنا يحيل على القوة من جهة، ومن جهة ثانية يرمز إلى التعالي والرغبة في الحرية والانعتاق، وتخليص الروح من العبودية والتبعية، وهو ما نجحت نورا فيه، حيث استرجعت رداء (الريش) الذي سرقه منها حسن، فتحولت إلى أسيرة لديه بعد أن كانت حرة، فرداؤها هذا كان يسمح لها بالطيران، وهي جنية ابنة ملك الجن، وما ان استرجعته حتى أخذت طفليها معها وطارت عائدة إلى مملكتها. نلحظ أن رأس المرأة مصوب في اتجاه الأمام، تحمل وجهاً بدون عينين، وهو ما يثير لدينا نوعاً من الغموض، إذ ربما تكونان قد سقطتا من الرسام سهواً، وقد يكون الأمر متعمداً، فيكون ذلك دليلاً على أنها تجهل وجهتها، ذلك أن العينين مصدر الرؤية.


* عتبة ألوان الغلاف: 

معلوم أن اللون بدوره يشكل علامة بصرية ذات أبعاد دلالية ورمزية، تساهم في تكثيف دلالة النص عبر ما تثيره في نفسية المتلقي. فعلى الواجهة الأمامية للرواية نجد أن المرأة تسبح في لون موحد، هو اللون الأزرق الذي يحيل على ثنائية ضدية تجمع بين الثقة، والذكاء، والسلطة، وبين السلام، والصفاء الروحي والشعور بالحرية أكثر، إنه لون يعزز التعبير عن الذات، وهو ما سعت إليه الشخصية البطل (حسن) في الرواية رغم الضياع الذي اعتراها طيلة الرواية من توجسها حيال موضوع أطروحتها، وكتاب "المثال" الذي أجبره الأستاذ المشرف على قراءته. في حين يستقبلنا اللون الأحمر على الواجهة الخلفية وقد كتب عليه نص قصير مقتطف من كتاب "ألف ليلة وليلة" ، يقول: (في الليلة الواحدة بعد الألف قرَّرت شهرزاد، وبدافع لم يُدرَك كنهه، أن تحكي قصَّة شهريار تمامًا كما وردت في بداية الكتاب، ما يثير الاستغراب على الخصوص أنه أصغى إلى الحكاية، وكأنها تتعلَّق بشخص آخر، إلى أن أشرفت على النهاية، وإذا به ينتبه فجأة إلى أنها قصَّته هو بالذات، فصرخَ: والله، هذه الحكاية حكايتي، وهذه القصَّة قصَّتي)، هذا اللون الأحمر يتميز بإثارة الحواس، وقد تم توظيفه من أجل لفت الانتباه في إشارة إلى الحاجة الماسة إلى الإحساس بالانتماء، ذلك أن الكاتب في استعراضه أحداثَ الرواية كان يروم الوصول إلى اليقين عبر الحفر في التراث العربي القديم.

على الوجهة الداخلية لظهر الغلاف والتي جاءت باللون الأزرق، نلحظ أنه كتب عليها مقطعاً من الرواية يوثق لبدايتها.

أما على الجهة الداخلية للواجهة الأمامية، فنلحظ أنها جاءت باللون الأصفر، وهو من الألوان النورانية المضيئة، إذ يعتبر مصدر ضوء، لذلك يحيل على التوهج والحياة، وهو ما يعكس نفسية بعض شخوص الرواية، منهم "حسن البصري" بعد أن حصل على الجنية وتزوجها وأنجب منها طفلين، وكذا نورا وهي تقبل على قراءة كتاب "المثالب" للتوحيدي، كما قد يدل اللون الأصفر على نقيض ذلك حين يحيل على الحزن والألم كحسن البصري بعد أن رحلت عنه زوجته آخذة معها ابنيها، و"حسن ميرو" في خوفه من قراءة كتاب المثالب وما يمكن أن يجره من لعنة عليه. 

كتب على هذه الواجهة نبذة للكاتب عبد الفتاح كيليطو، مرفقة بمجموعة من عناوين لأعماله.

بملاحظتنا الدقيقة لألوان الغلاف، نجد اللون الأبيض مشتركاً بينها، إذ استعمل للثوب الذي ترتديه المرأة وتتخلله أشكالاً هندسية، كما تم توظيفه في الكتابة، ما جاء منها بخط مضغوط كالعنوان (والله إن هذه الحكاية لحكايتي)، أو ما جاء بخط عادي، وهو جنس النص (رواية)، وقد بدا واضحاً وساطعاَ، وله قدرته على كسر قوة اللون الأزرق، ويرمز في العمق إلى الصفاء، كما يبعث على الراحة، إذا وقعت عليه العين زيادة على اللون الأسود الذي كتب به اسم الكاتب عبد الفتاح كيليطو بخط مضغوط كبير أسفل الغلاف، ولعل اللون الأسود يدُل على الغموض، والتمرد، والجاذبية، والتحدي وقوة الإرادة، وأعتقد أن جميعها سمات مرتبطة بشخصية الكاتب عبد الفتاح كيليطو، ذلك أن هاجس الثقافة والأدب، قدميه وحديثه، يسكنانه فلا يفتأ يهدأ من طرح السؤال.

كل هذه الألوان الحبلى بالدلالات الإيحائية تجعل العتبات تنفتح على التأمل اللامحدود، وتتيح الغرق في عمق الخبايا.

ولعل توظيف الكاتب لهذا المزيج منها، وبهذا الشكل، كان ليفتح شهيّة القارئ على استكناه دواخل الرواية.


* عتبة العنونة:

لقد رأى عدد من الباحثين أن العنوان مسند إليه عام، وباقي المكونات النصية فروع معززة ومسندات له، في حين اعتبره الأخرون نصاً موازياَ يندرج ضمن النص المحيط، وذلك لتأثيره البصري، ولأنه علامة الكتاب التي تحتل أبرز مكان على الغلاف، والذي ينبغي أن يتصف بالوضوح والبساطة من حيث يلتقطه المتلقي ويستوعبه عقله بسرعة، لذلك فهو أهم العتبات التي تسمح بالولوج إلى أعماق النص. وبتأمل عنوان الرواية "والله إن هذه الحكاية لحكاتي" نجده عبارة عن مقولة مركبة، تستضمر كائناً لغوياً يكمل جانبها اللسني والدلالي، فهي مقولة اسمية مكونة من اسم الجلالة ويفيد القسم، وناسخ حرفي مقرون باسمه وخبره. وكون العنوان جملة اسمية، فهذا يوحي بثبات حال معين، أما من حيث الدلالة، فالعنوان يشكل بؤرة دلالية، والمتمعن فيه، إذا ما قارنه بالمحتوى المسرود، سيلفي الخيط الذي يحبكه، إذ يمتلك سلطة نصية تجعل منه نواة دلالية رمزية، فهو معبر إلى بناء تمثل مغاير، حيث نجد السارد يذكره على ظهر الغلاف، وربما منه استمد بعضاَ من أحداث الرواية، خاصة أنه يشير إلى حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. 


* عتبة التعيين الجنسي:

تشكل العتبات النصية جسر التواصل بين محتوى الكتاب والمتلقي، ومن ثمة، فهي بالإضافة إلى كونها مواقع نصية انتقالية، فهي مواقع تعاقدية، توجد على صدر الغلاف، وموجهة مباشرة إلى جميع القراء، مما يولد تبايناً في مستوى التلقي، ومن هذه العتبات، إعلان الكاتب عبد الفتاح كيليطو عن جنس عمله الذي يرد هنا في (والله إن هذه الحكاية لحكايتي) أعلى الغلاف، حيث يصرح أنه (رواية)، وبالتالي يسهل على القارئ عملية بناء استراتيجياته، واختيار آلياته التي يجب أن يتسلح بها من أجل تشريح جسد المحكي. وأعتقد أن اختيار الكاتب هذا التجنيس كان عن وعي مسبق، لأنه أدرك أنه وفِيٌّ لمعاييره ومقاييسه، ولأن فن الرواية من أكثر الفنون قدرة على التمرد والتعبير بجسارة عن نتوءات الذات الإنسانية، وعلى استيعاب البنيات الثقافية والاجتماعية والذهنية للإنسان، كما أنه يشكل بؤرة التصدع في المجتمع، والقادر على احتواء الهم الإنساني في عموميته وشموليته، حتى إن البعض يعتبره لقيطاً بقدرته على احتواء باقي الأجناس الأدبية الأخرى، إن كانت قصة أو حواراً مسرحياً أو شعراً... 


* عتبة العنوان الإشهاري:

يتجاوز هذا الأخير الجانب الفني والدلالي للنص إلى ما هو إشهاري تجاري، ويتبين الغنى الإشهاري لرواية "والله إن هذه الحكاية لحكايتي" الذي يتجلى في سنة الإصدار 2021، وعدد الطبعات، وهي الأولى، ومكان إصدار المنتوج وهو "ميلانو / إيطاليا"، والمطبعة التي سهرت على طبع الرواية ونشرها وتوزيعها "منشورات المتوسط"، وهي دار نشر مستقلة وذائعة الصيت، وتنشط في البلدان العربية، وتنشر الكتب في مجالات الأدب والفكر والثقافة عامة، بما يخدم كل ما يؤدي إلى تحقيق تغيير جذري، ويشاكس كل ما هو سائد ومستقر، ويعكس ذلك شعارها المتمثل في الشخصية الشهيرة "لميغيل دي ثيربانتس سابيدرا" وهي "دون كي خوتي ديلامانثا" ومقولة (معا لنصارع طواحين الهواء)، وهو ما يتوافق مع مطمح الكاتب الذي يسعى بسرده إلى أن يرفع صوته عالياً أن محتوى الرواية هو حقيقة تعكسه.


*عتبة  التصدير:

تظل العتبات ملحقات تحيط بالنص، حيث تنتج خطاباً ميتاروائياً عن طريق النص الإبداعي، ومهما ادعت استقلاليتها عنه، إلا أنها تبقى مرتبطة به، لذلك وجدنا أنفسنا ونحن نقلب الصفحات الأولى للرواية أمام عتبة تصديرية، ولأن هذه العتبة تتعدد وظائفها بين وظيفة تداولية واضعة لطريقة تُسَنَّن بها القراءة الواقعة في قلب الحوار الناشئ بين النص والحكمة التي رجع إليها الكاتب، وبين وظيفة توجيهية، تهدف إلى إبراز استراتيجيات الاستقبال لدى المتلقي، وتحديد مسارات التلقي لديه، ويرى "جيرار جينيت" بأن هذه الأخيرة عبارة عن (اقتباس يتموضع عامة على رأس الكتاب أو في جزء منه… يأتي بها الكاتب ليس فقط لما تقوله، لكن ـ أيضاً ـ من أجل قائلها)،  من هذا المنطلق ألفينا عبد الفتاح كيليطو قد وظف نصوصاً موازية، وهو ما يصطلح عليه بالتناص، وهي عبارة عن أقوال، منها قولة تعود لفرانز كافكا مقتطفة من روايته المحاكة (ما كان ينبغي أن أعيش على هذا النحو)، عبارة وردت في الصفحة 7، (النظرة تعقبها ألف حسرة)، عبارة مأخوذة من كتاب الليالي لجوزيف ماردروس، وعبارة (هل رأينا إحدى النساء لها ثوب من الريش؟ فهذا لا يكون إلا للطيور) من كتاب ألف ليلة وليلة، وهو ما يدل على موسوعية ثقافته، زيادة على استعراض عدد كثير من عناوين الكتب سلف ذكرها، وقد وظفها توظيفاً يخدم بناء السرد.

والشيء الذي يمكننا أن نؤاخذ عليه عبد الفتاح كيليطو في هذه الرواية هو التغييب الكلي للكتاب المغاربة، ولا أعلم سبب هذا التغييب الكلى، لكن هذا لا يمنعنا من أن نقر أن هذه العتبات ساهمت في تشكيل مسار التأويل، وبناء صرح الدلالة الأولية، وتأثيت القراءة الافتراضية وتوجيهها.

خلاصة القول، لم يكتب لنا عبد الفتاح كيليطو، باعتباره روائياً جديداً رواية وفق منظور فطري عفوي وتلقائي، إنما كان يكتب بوعي وفق منهجية صارمة، تعتمد من جهة على خبرته الحياتية، وهو الذي ولج دواليب الجامعة المغربية منذ 1968، ومن جهة أخرى على معرفته بالبنيات السردية التي اطلع عليها، وراكمها كقارئ نهم، وكناقد وكاتب روائي.


د. عتيقة هاشمي.

المغرب.


الأحد، 3 أكتوبر 2021

قراءة نقدية في قصيدة "سلام" للشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب / الناقد المغربي الأستاذ عبد اللطيف بنصغير.


نقد:

قراءك نقدية لقصيدة "سلام" للشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب.

الناقد المغربي الأستاذ عبد اللطيف بنصغير.


أردت أن أتناول بالدراسة اليوم شاعراً من رواد الشعر العربي الحديث في المغرب وفي الوطن العربي، شاعر مثقف من أعلى طراز، دارس للأدب والعلوم الإنسانية بعمق، درس اللغة العربية بإتقان كبير، هو ينثرها بعمق ووضوح وأستاذية مبهرة، بعشق، بعمق، بوضوح، كما لوأنه هو واللغة يعيشان في تساكن حالة حب أبدى، ثم هو شاعر رهيف جداً، متأثر بالواقع والكون، هو شاعر يميل عموماً في قصائده إلى الوضوح الجميل الفتان المريح، هو لا يتعب القارئ بتلك المتون المعقدة، ولكن هو ينشد الوضوح في تواصله، مع الولوج أحياناً إلى الرمز والأسطورة أو الميثولوجيا، وبذلك فهو شاعر كبير متمكن، وصل إلى درجة الريادة، فقصائده نموذجية مبنى ومعنى، صالحة لكل المقاربات النقدية الأكاديمية، هو غير مستعص على الفهم، إلا أنه اختار نوعاً من القراء دارسين مثقفين بما فيه الكفاية ليتواصلوا معه، ثم لا يجب أن نغفل حبه لبلده مسقط رأسه المغرب، فهو عاشق للمغرب عشقاً متجذراً في ثنايا روحه، ثم هو ابن قرى المغرب وجباله وأنهاره، يعشق سماءه وروابيه وتاريخه، هو مغربي حقيقة، ثم هو شاعر لا يتملكه الحزن إلا ليضعه في طريق الأمل، رغم أنه يظهر أحياناً بعض الألم العميق، إلا أنه يميل إلى التطلع لمستقبل أفضل.

دعونا نتأمل قصيدة هذا الأستاذ المعلم في اتنظار عيد ماهو بعيد.


(سلام.

"ليلة عيد ميلاد...

هي السبعون أقبلت".

قصيدة نثرية حداثية. 


هذي السبعون منك بك اليوم غداً أقبلت

أمس الآن منك حروف أدبرت

         ما الحروف

         ما الزفرات

         ما السطور

   ما تلك منك انزياحات 

ما الأحلام كانت ما تحققت    

                ولو في خيالات

وترتمي في حضن جب حب

              تحرق المسافات

  تحرقك). 


الشاعر يحتفل بعيد ميلاده السبعين في قصيدته هذه. (السبعون منك بك اليوم غداً أقبلت).

الشاعر وصل إلى عتبة السبعين، بدأ يشيخ، أصبح شيخاً والشيخ يكون تأريخاً لبلده، هو يحمل الكثير من الأحداث التي جرت وتجري، من اجتماعية وسياسية واقتصادية، وظواهر سوسيولوجية، ونكبات وأعياد وأحزان وجوائح... إذاً فالشاعر مرجع بلده، ومرجع مثقف يحمل وعياً، يحمل فكراَ يحمل رأياً: 

(منك بك اليوم غداً)... 

طبعاً هو أثر، وتأثر بالزمن اليوم، وبما سيأتي غداً، هو فعل وفعل فيه: (أقبلت أمس الآن)، هو ممتد في التاريخ منذ ولادته إلى الآن: (منك حروف أدبرت)، فما مضى كتب وأصبح جاهزاً للقراءة: (ما الحروف / ما الفرات / ما السطور...)، بدأنا نتلمس شاعرية الشاعر، تفاعله باللغة ومعها، هو يطرح أسئلة ويدخل بنا في موضوع القصيدة: (ما الفرات) هي آهات تأوهات: (ما السطور ما اللغة / ما تلك منك انزيحات)، الانزياح في اللغة هو قول شيء وإرادة قول شيء آخر، وأحيل القارئ لدراسة الانزياح على "جان كوهن" فقد كتب كتاباً فيه عنوانه إن لم تخني الذاكرة "بنية اللغة الشعرية" والانزياح ليس متاحاً لكل الشعراء، هو مغلق على بعضهم فقط: (ما الأحلام كانت ما تحققت ولو في خيالات)، أحلام الشاعر لم تتحقق، ولو في خياله، إنه التوثر الذي ستولد القصيدة من رحمه: (وترتمي في حضن جب حب تحرق المسافات تحرقك)، تلك الأحلام ارتمت في حضن جب، وهو جب حب وليس كراهية، كما هو مذكور في سورة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، وهو شبه بئر، وهذه إحالة من الشاعر على هاته السورة الكريمة.

وتبدأ المعاناة حينما يقول الشاعر: (تحرق المسافات)، فخيبة الأمل امتدت سنين طويلة حتى أحرقت الأمل،  وهو لما قال: (تحرقك)، لم يستعمل أداة تشبيه، وبذلك يصبح التشبيه بليغاً، فكما لو أن الشاعر تعرض للحرق، وهي صورة مؤلمة.

ودراسة الصورة في نصوص هذا الشاعر الكبير ممكنة، فهو يعطي الدارس مساحات فكرية غنية، مثلاً يمكن أن نقوم بدراسة الصورة الشعرية في نصوص الشاعر "عبد الرحمان بوطيب":

(وذا السفين يغازل منك السر الدفين

           ما ترتوي دنان

ما يركب البحرَ سطحُ قمر   

                 أحمر). 

صورة شعرية مركبة من خيال الشاعر، تعبر عن حالة نفسية شعرية... سفن تغازل سراَ دفيناً، ما ترتوي تشبع من شرب دنان آنية كان يوضع فيها الخمر، ما يركب البحر سطح قمر أحمر... تراكيب لغوية تحيل على صور شعرية، إغراق في انزياحات لغوية عميقة جداً تحيل على حالة من التيه والتأمل المتد في ثنايا الوجود: 

    (كان لك

ما ترقص فينوس في خوابيك

               والقصيدة

   وتلك روما رمادُ عنقاء

         يمامةٌ زرقاء

        وخلف الغاب غاب

ما فتحت منه الزرقاء اليمامة بعضَ أبواب

             أياتي الغياب

 أترحل تترك الصحاب

              قف). 

ثم يدخل بنا الشاعر في عوالم الميثلوجيا، وهو علم قائم بداته... فينوس /  روما / رماد عنقاء / يمامة زرقاء:

    (تمهل

    هذي الحروف ما هي لك

    إن هي إلا لوطن ورضيع

    رضيعٍ يشوي ظهر صقيع

قد جاء في أخبار الأولين الذاهبين في معارج الذهاب

      ها سندبادكم قد عاد

       لا البغلة معه تحبل بسربروس يعانق أنياب "رع"     

              وشعاع

يمشي على أرض ما كان يوماً معها في أعالي سماء

     "بوسيدون" هو ثائر

ومن "غرب متوسط" رذاذ

      "مايا" كسرت نايات

 "باخوس" فقد وتينَ رغاف

وهذا الشاعر بين نعاج ضعاف). 

سندبادكم / سربروس / رع / بوسيدون / مايا / باخوس /... هذه كلها مصطلحات توجد في الميثولوجيا كما قلت، يجب الرجوع إليها في هذا العلم وربطها بدلالة القصيدة، وهو ما أتركه لدراسة أكاديمية أكثر عمقاً:

(يسافر

                 في جبة شيخ

  يعلو صدرَ أطلس وعذاب

  تتهادى من صحائفه سطور    

            عذروات

    وألوان عذابات

  وفي القلب رعشة قديمة

       قُبلة كانت قِبلة بليلة

  أهداها وردة حمراء

رعشتُه الشقراء ولدت له منه   

           درعةَ

           سبو

           أمَّ الربيع

           بردى

           النيلَ

           دجلةَ

           وذاك البهيَّ الفرات 

وما الشابل عاش في حضنك    

        يا

                وطني

      رحل إلى جب قصيد

  وذا شاعركم نفسَه يعيد

      يحلم لكم بفجر وليد

هيهات

             هيهات

                         هيهات 

أنّى للجنين من سطورٍ على خدود الكواعب تميد

          قالت العرافة

   قرأها الفنجان من شاعر   

                وخرافة

    هو اليومَ ديوانُ عيد

    زحافاتٌ

    عللٌ

    أسبابٌ

    أوتاد تروح).


عبد اللطيف بنصغير.

             Abdelatif Bensghir 

المغرب.


الجمعة، 9 يوليو 2021

قراءة نقدية / الناقد المغربي الأستاذ سي مختار حمري.




 اضاءة على نص''أمشط أظافر السنين لأمسح الذاكرة"/ للشاعر الأديب والناقد حيدر الشماع من العراق 

الإضاءة /سي مختار حمري  من المغرب 

النص للشاعر  حيدر الشماع 

أمشط ظفائر السنين لأمسح الذاكرة

ولدنا من الضوء
ونحمل منه ارواحنا
ندلف عبر الزجاج بلاضجيج
ونموت في الظل عراة
تغلفنا أوراق صحائفنا
لايفاجئنا الندم
تغيب صورنا تحت اضلاعنا
ويذوي الشعاع
نحمل الخوف والانتظار
ربما تنفعنا اورادنا عملناها سرا

ابحرنا
وكل تيار يتلوى بنا
سيرنا مراكبنا نبحث عن منفذ للتأريخ
المتواري خلف أجيال
خلف غايات الخيال
عن أصوات وأغاني تلاشت
عن الفطرة الاولى
عن شجرة أوراقنا المتساقطة
ورقة ورقة
مع هبوب الاوقات
مسافرة نحو الابدية

ايتها العنقاء المنبعثة من الرماد
من أين لنا بالريح
تمخر عباب الذاكرة
وسط ليل وهلوسة
ووسوسة زمن ردئ
يرتدي قناع الفرح
يسير بخفي حنين
وحيدا 
كليل أضاع نجومه

الاديب حيدر الشماع  العراق

العتبة الأولى العنوان :"أمشط ظفائر السنين لأمسح الذاكرة"
العنوان يتكون من جملتين فعليتين بفعلين مضارعين يربط بينهما (اللام) وهو حرف نصب يفيد التعليل(السببية) يدخل على الفعل المضارع وينصبه ويبين سبب حدوث الفعل (الحدث) أمشط/لأمسح :هناك علاقة علة (سببية)بين الجملتين..
الفعلين المضارعين يعودان إلى ضمير المتكلم (الذات الشاعرة) ويفيدان استمرارية الزمن النحوي من الماضي مرورا بالحاضر إلى المستقبل ما يعني أن الذات الشاعرة منهمكة طيلة الزمن في المشط والمسح..
المسح قد لايعني فقط ازالة الأثار لكن قد يعني  التعرف واحصاء كل العناصر(نقول مثلا المسح الطبوغرافي ) لمسرح معين ، وقد يشترك مع مفهوم المشط الذي يعني التخلل  ""مشط ظفائر السنين" بمعنى خلخلة وتمديد ما أصابها من تشابك وطي والتواء 
نصل الى ان هناك تقاربا دلاليا  في بعض المقومات بينهما
نتساءل هل النص سيكون مسحا شاملا لما تم تأريخه (أرشفته) أو تزمنه في الذاكرة ؟؟!!
هل ستتحكم نظرة الشاعرفي سرد أحداث الذاكرة منذ بداية تشكلها  في ديمومة خطية كما هو المفهوم عند "برغسون"؟؟!! أو  مفهوم الزمن عند العامة 
ام  ديمومة من  تراكم لحظات منفصلة كما هو المفهوم عند "باشلار"؟! التطرق لأحداث فارقة..منفصلة 
هل يتعلق الأمر بذاكرة فردية (ذات الشاعر :جوانية ) أم بالذاكرة الجمعية (برانية )؟؟  
العنوان يستدعي الذاكرة كزمن ( سنين ) أحداث  مستمرة لان المستقبل يوجد في الماضي (سواء خططنا له أو لم نخطط )
العنوان يطرح السببية ( العلة ) وهي مفهوم فلسفي  يدل على الروابط التي تجمع بين الظواهر فالظاهرة الأولى ( تسمى السبب أو العلة ) تحتم الظاهرة الثانية ( التي تسمى المعلول أو الأثر ) والعلة مبدأ أساسي للتصورات عن العالم ''فلكل ظاهرة علة '' وهي من المقولات الأساسية في البحث العلمي وقد تطرق لها العديد من الفلاسفة  اليونانيين والمسلمين إلى ''ليبنيتز'' الذي صاغها كمبدا وقد عارضها بعض الفلاسفة التجريبيين  مثل ''دافيد هيوم''  ..
يحضرني هنا كتاب ''مبدأ العلة '' لهيدغر (حول ليبنيتز) بأسلوبه السحري الشيق وجاء في كتابه  ذكر مثال لأحد المتصوفة الألمان يقول : الوردة تتفتح بدون لماذا .. وتساءل ماعلة تفتح الوردة ؟ لماذا تتفتح الوردة ؟ الوردة تتفتح بدون لماذا ..وكان موضوع تأمل شيق ..يشبه العنوان الذي نحن بصدده ..لماذا أمشط ظفائر السنين ؟ لأمسح الذاكرة ..ولماذا ضاد ظفائر معجمة ..؟؟ ولماذا نمسح الذاكرة .. (لكل حدث علة) ... 
سندخل النص لإنجاز مسح  لتضاريسه عكازنا الذي نتكىء عليه هو الأسئلة المطروحة 
2--النص:
ولدنا من الضوء 
ونحمل منه أرواحنا 
ندلف عبر الزجاج بلا ضجيج 
ونموت في الظل عراة 
تغلفنا أوراق صحائفنا 
لا يفاجئنا الندم 
تغيب صورنا تحت أضلاعنا 
ويذوي الشعاع 
نحمل الخوف والإنتظار
ربما تنفعنا أورادنا عملناها سرا  
النون في ولدنا بمعنى ''نحن'' فهي تعود إلى الإنسانية .. استعمل  الفعل (ولدنا ) وتم  تجنب الفعل (خلقنا) التي لها  دلالات قد تقودنا الى المقدس مباشرة ... وهنا أظهر الشاعر ذكاءه وتمكنه اللغوي والعلمي فكلمة ولادة  استعارها من معجم  علوم الإحياء(البيولوجيا ) وهي تخص الثديات وتقتضي نمو  ، في رحم  ، ومخاض عسير ، الذي رمز إليه الشاعر بالضوء دلالة على (رحم/ نمو / مخاض )
ما يمكن أن نفهمه أن الإنسانية كانت في الظلام فحدث  لها تطور  يشبه ما يعرفه الجنين عند الثديات أخرجها إلى النور..
 من البداية بدأنا نلمس أن الذاكرة المعبر عنها في العنوان قد تكون جمعية لا فردية  وهذا يجعلنا نفكر في نظرية التطور ( عند داروين ) فتطور الكائنات الحية  البدائية أحادية الخلية عبر ملايير السنين على الأرض نجم عنه ظهور الإنسان  الذي يعتبر قمة التطور مكنه من ذلك  مادته  الوراثية ADN التي  اكتسبها ليحوز عقلا راقيا لا يوجد له مثيل في عالم الإحياء على الأرض ، والذي  نعتبره أساسا لخروجه  من الظلام إلى الضوء وميلادا للحضارات وكل ما هو مكتسب في حياة الإنسان( الدين ،الأسطورة  ، التقاليد ،العادات والفنون ....)
وقد يكون للضوء أو (النور )   دلالات أخرى  منها  البعد الديني(الروحي)
{الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ، كأنها كوكب ذري  يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ، وضرب الله الأمثال للناس والله بكل بشيءعليم'}'(سورة النور)
من خلال بعض التفسيرات نصل الي أن : الكون نور ، القرآن نور، النبي نور، العقل نور 
{'نور على نور''} شرحها أبو حامد الغزالي بنور العقل ونور الشرع 
نصل ألى أن هناك طريقتين للفهم ، الأولى : ---تتعلق بتطور إحيائي نجم عنه تطور وراثي عبر عدة مليارات( أكثر من 3) منذ بداية الحياة على الأرض  نجم عنه ظهور العقل الإنساني الذي كان  وراء  ظهور الحضارات البائدة و المعاصرة  منها ...
أو  الثانية : الأمر  يعود إلى المشيئة الإلهية في خلق وهداية  الإنسان  واخراجه من الظلمات ألى النور حسب  منطوق الديانات السماوية المختلفة شكلا المتفقة مضمونا 
نحمل منه ارواحنا 
الروح لها دلالات فلسفية  ، دينية  وعلمية لهذا نجد تقاطع بين مختلف الفلسفات والديانات والتي تنص على أن الروح شيء معنوي قائم في الذات الإنسانية وعلى أساسه يتم الإدراك والوعي والشعور الإنساني وأقدم بعض المقاربات لمفهوم الروح  
-- الاسلام :{''يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي''}(الاسراء 85 )
--المسيحية : الروح نظام غيبي  غير مرئي هي مبعث كل ثمرة حسنة عند الأنسان عكس الجسد فهو مذموم 
-- اليهودية : ''نور الله هو روح الله'' 
-- الصوفية : الروح لطيفة ربانية  تتميز بالكمال والمحمودية وبها يحقق الإنسان  المحبة والإتصال بالخالق 
--الفلسفة : الروح هي الحقيقة المفكرة عموما تتضمن ثلاثة  دلالات : الروح //المادة  ، الروح// الطبيعة ، الروح// الجسد 
علميا : عام 2016 اثبتت جامعة كامبريدج أن الغدة الصنوبرية Glande pineale التي تفرز هومون النوم الميلاتونين Melatonine  هي موقع التفاعلات عندما نقوم بالتأمل والصلاة واعتبرت مركز حياتنا الروحية .
 --الفرق بين الضوءوالنور: 
يقال أن الضوء والنور مترادفان لغويا  في اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية 
الأشعة التي تأتي مباشرة من مصدر الضوء تسمى ''ضوء''و التي تأتي من مصدر ضوء غير مباشر تسمى نورا '(نقول ضوء الشمس ونور القمر) 
الضوء : كل الأشعة المرئية أو غيرالمرئية ( فوق البنفسجية UV وتحت الحمراء IR )
النور :طيف الأشعة المرئية من الإنسان إذا الإنسان ولد من الضوء(النور)  ومنه يستمد روحه اي عقله وكل ما وصل  إليه من حضارة  بل قد وصل إلى  مستوى يعبر فيه الزجاج ببطء  أي اختراق ماهو شفاف دون أن يحدث أية ضجة كالشعاع . بالعقل استطاع العبور إلى المتناهي في الصغر وفي الكبر وتعددت الاقنعة التي يستعملها  ..  لكن الموت يلازمه  في الظل لأن الأشعة تحجب عنه  بأجسام  صلبة  أو افكار غامضة  وتختفي الأقتعة  ليظهر على حقيقته عاريا .. 
تغلفنا أوراق صحائفنا 
صحائفنا : م : صحيفة جمع صحيفات ، صحائف ، صحف ..
تعني كل ما ارتكبناه من أخطاء (ذنوب) ، أعمال جيدة ( حسنات ) أو بمفهوم ديني  صحائف أعمالنا ( مصطلح فقهي)  كتُب أعمالنا التي قمنا بها في الدنيا وقد ذكرت الصحف في عدة سور :{ ''إن هذا لفي الصحف الأولى صحف ابراهيم وموسى ''} (الاعلى 18)
{''إذا الصحف نشرت ''} (التكوين 10)
          {'' فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ''} (الانشاق 7-8)
          '{' وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت  كتابيه ولم أدر ما حسايبه '}
              (الحاقة25-25)
لا يفاجئنا الندم لأننا نعرف أعمالنا ونتائجها وما ينتظرنا من جزاء  والندم يكون متوقعا فتغيب صورنا أو كما نتصور أنفسنا  تحت أضلاعنا  في قلوبنا حيث العاطفة تحولنا إلى أفراد ضعاف النفس والهمة فيذبل  شعاعنا وقدراتنا ومقدراتنا فمع تقدم الزمن نشيخ ونهرم ونضعف فيتملكنا الخوف من النهاية من الموت .. نعيش في ظروفا عصيبة في انتظار وخوف.. 
ربما في هذه المرحلة لن ينفعنا إلا اورادنا  أي ماقرءناه من قرءان وذكر وما قمنا به من صلاة خلال اجزاء من الليل  خفية  في سرية  ( تعني ايضا ما قدمناه من أفعال  خير ودعوات)
خلاصة المقطع الأول : البداية كانت الولادة والنهاية كانت المواجهة المريرة مع نهائية  الانسان  زمنيا ما يعني  التقدم اتجاه االموت بالتقدم في السن تم  اعتماد ضدية : الولادة //الموت 
وتم استعمال الفاظ ذات بعد نفسي ، فلسفي  ، روحي  وثقافي 
الروح /الصحائف/الاوراد : بعد فلسفي روحي ثقافي
الندم /الذبول (يذوي)/الخوف / الانتظار/الموت : ذات بعد نفسي يعبر عن القلق الجواني باسم الإنسانية  واللاوعي الجماعي 
تعبر عن القلق الفلسفي الوجودي 
نسجل هنا اعتماد الإعتقاد الديني لتجاوز التناقضات أو القلق الوجودي والنفسي 
هناك رؤية تأملية فلسفية عميقة تتجلى في كلمة الضوء والروح  اللتين لهما عمق لا نهائي 
أسوق هنا بعض التوجهات الفلسفية التي تمت ملامستها و تتعلق بالقلق الوجودي 
--هيدغر يعتبر فيلسوفا وجوديا  : مفهوم ''الوجود - اتجاه - الموت '' يقول إني انسان موشوم بالتناهي إذن أعيش موتي في كل لحظة أسير أليه أو يسير إلي  .. يعتبر الموت كطريقة لفهم وجودنا في العالم ....
--قلق كيركيكارد : الأب الروحي المؤسس للفلسفة الوجودية (المؤمنة) الذي ربط مفهوم  القلق بموضوع الخطيئة الأولى  فكان قلقه لا هوتيا نلمس أن النص في روحه يميل إلى هذا التوجه .. --ونقول من جهتنا مع أبيقور : ''إن الموت لا يعنيني البثة فهو إن وجد لن أكون  موجودا وإن وجدت أنا فهو لن يكون موجودا ''
ابحرنا 
وكل تيار يتلوى بنا 
سيرنا مركبنا نبحث عن منفذ للتأريخ 
المتواري خلف الأجيال 
خلف الخيال 
عن أصوات وأغاني تلاشت 
عن الفطرة الأولى 
عن شجرة أوراقنا المتساقطة
ورقة ورقة  
مع هبوب الأوقات 
مسافرة نحو الأبدية
ابحرنا بدأت رحلتنا البحرية أي بحر هو ؟؟
سيرت المراكب لتبحث عن منفذ للتأريخ  ، اعادة كتابة التاريخ وهذا يتطلب التنقيب وتحليل ماتركته الأجيال السابقة والكشف عن تفاصيل  المجتمعات ، هو عملية جمع المواد وتصنيفها وترتيبها ومن تم اظهارها ونشرها  ، هو تسجيل وتوثيق الأحداث عبر الزمن وتقييمها .فالتاريخ يعتمد على التأريخ  فلا يمكن أن يتذكر الماضي ونقيس عليه الحاضر إلا إذا تأرخ  التاريخ  بشكل مضبوط  ومحايد نسبيا...
مواد التاريخ متوارية خلف الأجيال وهي من غايات الخيال في دائرة المفكر فيه ومحاولة الوصول  للكشف عن كنهه . فهناك ما هو عل شكل أصوات وأغاني تلاشت.. كلام قيل  أو كتب أو ادوات او أغاني كانت ترددها الأجيال تعبر عن الإندماج والتكيف مع الوسط البيئي كسيمفونيات تعود لحضارات قديمة  تحضرني ''سيمفونية نينوى''وكتابات وفنون  و.....
'' عن الفطرة الأولى ''
الفطرة في الفلسفة تعني أن العقل البشري لا يولد  كصفيحة فارغة بل يولد حاملا معه أساس المعرفة الفطرية البديهية والتي تتطور مع الخبرة 
رواد الفلسفة التجريبية (مثل دافيد هيوم ) انكروا وجود العلم الفطري واعتبروا المعرفة الإنسانية نتيجة الخبرة الحياتية 
أصحاب المذهب العقلاني : هناك أفكار فطرية تولد  مع الإنسان 
جون لوك: ينكر الفطرة  ويقول لاتجربة : لا فطرة
ارسطو . : يرى أن الفطرة بكل اختصار هي الطبيعة 
الفيلسوف العربي ابن طفيل : يطلق عليه اسم فيلسوف الفطرة . من خلال  قراءة كتابه''حي بن يقضان '' ندرك العمق الفلسفي لتناوله الفطرة بشكل أعم وأشمل عند الإنسان والحيوان وكان يهدف إلى تصحيح الخطأ الذي وقع فيه ارسطو
الدين الاسلامي :
الفطرة هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير واتيانه وكراهية الشر ودفعه وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الإخلاص لله والتقرب إليه 
يقول  رسول الله(صلعم ) : ''مامن مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه ''  
ويقول تعالى : {'' فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي  فطر الناس عليها ''}( الروح 30)
نلاحظ  أن هناك فريقين واحد مؤيد والآخر منكر لوجود فطرة أولى كما عبر عنه شاعرنا .. ''شجرة أوراقنا المتساقطة ''
 البحث عن أصولنا التاريخية شبيه بالبحث عن الشجرةالتي كانت تجمع كل أوراقنا أي منجزاتنا الحضارية بجدورها ، جدعها  ،تفرعاتها الثنائية وأوراقها بكل تفاصيلها والتي تعرت لتنكشف وتفقد جدواها ووزنها وهذا مع هبوب رياح الوقت يعني مع مرور السنين والعصور لتسافر نحو الأبدية حيت لا يمكن اللحاق بها لتصبح على شكل تماثيل أو اثار أو تحف  للزينة فارغة المعاني والدلالات...
خلاصة الجزء الثاني :التأريخ// الفطرةالأولى // شجرة أورراقنا 
 الفطرة الأولى : العودة إلى الحالة  الأولى التي كان عليها الإنسان وهذا موضوع اختلف عليه الفلاسفة فيما بيهم ومع رجال الدين ونال نصيبه كاملا من الجدل وهو قد يعني في رؤية توافقية  وجود الأهلانية عند الإنسان (أهلية واستعداد ) في تركيبته الوراثية وقدرته على استقبال المعلومات وتذكرها وتحليلها وحل معضلاتها وكذلك النطق بها    
شجرة أوراقنا : قد ترمز إلى حضارتنا التي افلت وتساقطت أوراقها كل ما يعطيها  حياة مستديمة فعملية التركيب الضوئي عند النباتات تتم على مستوى الأوراق حيث التركيز الأكبر لليخضور  ومنها تستمد طاقتها على النمو والبقاء ..
هي رؤية على ما يبدو لا زالت تمجد الماضي (التراث )متناسية أن الماضي مستمر متزمن في حاضرنا وعابر لمستقبلنا ..نلمس انه  فكر لم يحسم بعد  مع التراث و يرى في العودة  اليه  انقادا  ..  وفي هذا  تعبير  عن عدم القدرة  على استشكاله  بالمعاصر .. (هذا هو الفكر السائد في مجتمعاتنا وعند اغلب مثقفينا) مما يظهر نوعا من التناقض . استحضر كتاب شجرة الحضارة ل(رالف لنتون ) استاذ الدراسات الانتروبولوجيا  تبعا لما اعتقده من أن  خلفية هذا الجزء الثاني تاريخية  و انتروبولوجية تصبو الى إعادة كتابة التاريخ واظهار ماكانت تخفيه شجرة الحضارة 
اشير إلى أن ''نا'' ( نحن ) في :ابحرنا // سيرنا // بنا//  وما راكمت  من مقومات بواسطة اداة الجر أو العطف تعني ماهو محلي أو أقليمي  لم نعد نتموقع كما كنا نفترض  على مستوى ماهو ''كوني'' مع بداية الجزء الأول  صرنا في خطنا الفهمي للنص  على هامش الحضارة التي تسود في الوقت الحالي في بلدان تعيش التخلف والدمار  ...
أيتها العنقاء المنبعثة من الرماد 
من أين لنا بالريح 
تمخر عباب الذاكرة 
وسط ليل وهلوسة 
ووسوسة زمن رديء 
يرتدي قناع الفرح 
يسير بخفي حنين 
وحيد 
كليل اضاع نجومه 
نتساءل لماذا استحضر الشاعر أسطورة العنقاء ؟؟ ربما بحثا عن ولادة جديدة ..
يستجلب الشاعر ،  الأسطورة رغبة في توظيف حمولتها الفلسفية الروحية ؟؟؟
العنقاء طائرأسطوري خيالي  معروف بالإسم مجهول الجسم يجدد نفسه ذاتيا بشكل متكرر فهو يولد من رماد احتراقه يرمز تارة الى التقمص في الفلسفة '' استنساخ الأرواح '' وأخرى إلي البعث بعد الموت ولهذا الطائر الخيالي نظائر في الثقافات الأخرى 
في اللاتينية (الفينيق) الإغريقية (( الفينيكس ) اليابنية (وهو-اوو) الصينية( فينج هيوانج )
الفارسية ( الققنوس ، سميرغ أوالهوما )
في المسيحية ( الفينيق ):
ذكر الإنجيل الفينيق حيث من خلاله اسقطت الدلالات الروحية والفلسفية على السيد المسيح  الذي قال إن الفينيق يعود إلى الحياة مرة جديدة مشابهة  للسيد المسيح  في حين أن عودة الفينيق ألى الحياة من رمادها هي النسخة الأكثر شيوعا  ''للولادة الجديدة''
الأسطورة الرومانية :
 العنقاء طائر خالد تتكون حياته من دورات زمنية بين 500 الى 1000سنة في كل دورة يحترق ومن رماده يخرج فينيق صغير  وتعاد نفس الدورة بعد 500 الى 1000 سنة أخرى وهكذا على التوالي ..
فلسفيا:
عملية الإحتراق تذكرنا ''بهراقليطس'' الفيلسوف اليوناني  الذي كان يقول باحتراق الكون بطريقة دورية ليتجدد ...
وعنه نقل ''الفيلسوف نتشه'' ''نظرية العود الأبدي'' أي أن الكون يحترق في دورات زمانية  ليعود لما كان عليه بالضبط وبكل التفاصيل كل شيء يعاد كما كان في دورة جديدة  من بدايته ليتطور إلى ما كان عليه في الدورة السالفة.. 
ايديولوجيا :
استخدام عنصر ''تجدد الولادة ''  لتمرير مجموعة من الأفكار 
-- الرمز للولادة والخلود 
--صعود زعيم حكيم وعصر جديد 
--الموت ليس نهاية بل بداية 
المطابقة والتشابه :
لنفترض أن نيزكا ضخما ارتطم بالأرض ستنجم عنه ''أزمة بيولوجية سادسة '' سيتحول كل شيء إلى رماد لكن بعد ملايين أو ملايير السنين ستتطور مجموعات وأنواع وتزدهر  الحياة على الأرض وهكذا ستولد الحياة من جديد من الرماد وقد حدث مايشبه  ذلك من 60 مليون سنة (( الأزمة البيولوجية الخامسة )) التي أدت الى انقراض الديناصورات ومعها عدد كبير من الأنواع  وعادت الحياة إلى الإزدهار مجددا .. وفي هذه الحالة قد نشبّه العنقاء بالنباتات أو الحيوانات أو الإنسان بهذا المعنى فعلا...مع اخذ عامل الزمان في الحسبان....
تمثل العنقاء فكرة مفادها أن النهاية هي البدايةوبالتالي ستولد مجددا مرارا وتكرارا في الأساطير البشرية والتخيلات ..
ربما كان اللجوء  لهذه الأسطورة من طرف الشاعر تفكيرا في ''تجديد ولادة'' الأمة والنهوض بها من كبوتها بالإنبعاث من رماد التخلف والدمار والإنكسارات التي ألمت بها بحثا عن دورة جديدة للحياة 
الدمار (التخلف -الحروب ...)//الرماد//تجدد الولادة // االعود الابدي( العودةالى ماكانت عليه الامة)//الخلق (التقدم) خلق واقع جديد  لردم الهوة التي تفصلنا عن الأمم المتقدمة 
هذا يعني أن الشاعر يشعر أن أمته في انحدار وفي تراجع مستديم وفي حالة الإنبعات من الرماد ، فالشاعر يتساءل من أين لنا بالريح وكأن الأمر يتعلق بسفينة شراعية ستقلع لتمخر عباب الذاكرة لتبحر في مياهها لتتقصى ما تخفيه وتستخرج كنوزها  مهما كانت التيارات ملتوية في محاولة  لتغيير الإتجاه وصرف الأنظار عن المهم الى التافه من الأمور   
وسط ليل وهلوسة 
فالليل يعني الظلام  حيث تضعف و تفقد  القدرة على الإبصار ماديا ، رمزيا فقدان الفكر  للتبصر والبصيرة ، يضاف الى ذلك الهلوسة ،التي قد تصيب كل الحواس أي الأعضاء التي تمد الدماغ بالمعلومات الحسية  التي من خلالها يتموقع في الزمان والمكان و الوسط البيئي ويحسن التنقل والتفكير والإندماج والمواءمة .. 
الهلوسة يمكن أن تصيب كل الحواس : سماع أصوات لا وجود لها ، رؤية أشياء وهمية  ، شم روائح غريبة ،الشعور بمذاقات لا عهد بها  ....
وسوسة زمن رديء 
كلمة وسوسة لها حمولة دينية تجعلنا نستحضر وسوسة النفس :مايحدث به الإنسان نفسه  بما لا جدوي منه ولا طائل من ورائه ..
 وسوسة الشيطان: مايحدث به الإنسان من شر أو بما لانفع فيه أو خير ..  
وسوسة الشيطان : 
-- شيطان الجان: {''فوسوس إليه الشيطان  قال يا آدم  هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى '''} (طه 120)
-- شيطان الإنس والجان : {''قل أعود برب الناس ملك الناس إله الناس  ، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس''} (سورة الناس)
اذا الزمن  الرديء الذي يعبر عنه النص  تغلب عليه الأهواء النفسية المتجلية في الوسوسة   وهو  يظهر نوعا من الفرح  المقنع الذي يوحي بالخروج  من الأزمة الخانقة ، لكنه يسير بخفي حنين وهو مثل عربي يضرب عند اليأس وعدم ادراك الحاجة والسير بخيبة أمل وهو يسير وحيدا بلا مرافق بما يعني العزلة عن الزمن  لأن الكل تبرأ منه كليل أضاع نجومه ، ليل شديد الظلمة لأنه قد اضاع  مصابيحه المضيئة (نجومه )
نستنتج ان الوضع الذي قدم في هذه الفقرة  ذاهب الى انحدار والى تراجع والقفلة  في المبنى  كانت سلبية '' ليل أضاع نجومه '' مما يعني أضاع ضوءه سواء المادي أو المعنوي  المتمثل في العقول والطاقات البشرية التي إما هاجرت أو دمرت فضاع بضياعها كل أمل   ..
وللحفاض  على ببصيص  من أمل أقول مع ''اسيل سوزان '' : ''الإنحدارات لا تؤدي  بالضرورة إلى الأسفل فكم محنة تكشفت عن أجنحة وكم من أزمة شكلت انطلاقة جديدة وصنعت التاريخ ''
خلاصة الجزء الثالث :
اسطورة العنقاء (بؤرة النص )//الريح(الروح)//الذاكرة (المسح)// ليل هلوسة ضياع //زمن رديء وسوسة  خداع 
 3--خلاصة عامة :
ماجاء في النص من أفكار يمكن تقديمه هندسيا على شكل دائرة وسط مثلث 
الدائرة: 
الولادة // الدمار // تجدد الولادة  ..ما يمثل دورة زمينة في تجدد مستمر
المثلث : 
 القمة 1: الوقائعية  - (الوجود - اتجاه- الموت):  الوقائعية : الإنسان  لايخير  في المجيء الى الحياة و لا في المكان ولا في الزمان ولا اللغة ولا الدين  ولا... مما يخلق نوعا من  القلق إضافة الى نهائيته في الزمن وتهديد الموت له باستمرار ... 
           القمة 2: اعادة كتابة التاريخ ( التأريخ مجددا ).. احياء الحضارة الآفلة او استعادتها
          القمة 3: تجدد الولادة (الأمل)
نص ثري من حيث الفكر الروحي- الفلسفي.. يوظف المجاز  بشكل كبير  مما يضفي  عليه جمالية تغري بقراءته ..يعتمد التناص النسيجي والخارجي بشكل متقن مندمج مما يجعل القارىء ينفتح على ثقافات متعددة   وفكر متنوع ..
النص قابل لتعدد القراءات ، قراءته مثقفة ، في خلفيته نجد فكرا مؤطرا مؤسسا يملك ثقافة واسعة وظفت بشكل جميل  وبرؤية واضحة 
استمتعت بقراءة النص وقضيت معه وقتا طيبا لما فتحه أمامي من عوالم متعددة : ثقافية -فلسفية-روحية دينية -نفسية...
دمت شاعرنا راقيا متميزا بالنجاح والتوفيق 
تحياتي وتقديري .. 
            . سي مختار حمري         
المغرب: 06/07/2021. 


 

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...