الثلاثاء، 27 يوليو 2021

كأني / قصيدة نثرية / الشاعر والناقد الأستاذ عبد الرحمن بكري / المغرب


* كأني * 

  

كأني مثقل بعيوب وطن

كلما  تفرستُ تجاعيده

في عيون العوام

تخترت دماء العشق

في شرايين النهار  

وملامح صورتي في مرآتي

وأنا عارٍ

من ثوب وقاري

ينزلق حيادي على صفيح التمرد

يتفتت سور مناعتي

وتعلق شظاياه

بسقف انتظاراتي 


كأن رأسي حقيبة مدمن

كلما حانت حقنته

يصطدم قطاري بمحطة الوصول

تتناثر ملابسي 

وأحذيتي المثقوبة

المنتعلة أتربة الوهم  

فأخجل من زمني

حين لا يشبه عقارب ساعة يدي

المعلقة في باحة الانتظار  

أدون موعد جرعتي 

حتى لا يصيبني الخدر 

ويتحول جسدي  

في طوابير السباق 

علامة فارغة 

على جدول خيباتي 


كأني غاص بملح البحر

كلما تحررت أحلامي

من شبكة صيادي اللؤلؤ والذر 

وجرفتني تيارات الشوق

إلى سواحل الشرق

انقطع حبل الود

بين ارتداء ثوب العوم

فيما بين المسوح والسلهام 

تتنابز مماليك البحار

في تسويق منارات الخوف

من أسماك القرش

وحيتان العنبر

حتى تبدأ عواصف الرشق

في تمزيق أشرعتي  


جسدي أشبه بخردة  منسية 

كلما اختبرت مناعته 

في امتصاص طاقات الفوتونات

لعناق صدمات الضوء

يحتمي تحت جلابيبه المتلاشية

ويلوذ بعمامته النووية

مضرما فتيل حروب نص 

يتبجح بأمجاد طوباوية

عصية على المجاز

وأطرافي تفرم ببطء

بين عضلات الرحى

تعلن مواتي. 


عبدالرحمن بكري.

المغرب.


الأحد، 25 يوليو 2021

دعيني / قصيدة نثرية / الشاعر والزجال والناقد الأستاذ حسن العلوي مفهوم / المغرب.


* دعيني *


دعيني أراك

طيفاً في خيالي

أسمعك همسا

يناجي رحالي


دعيني أرسمك 

شمساً في دجى ظلالي

وأستعيدك ذكرى

لأيام خوالي

 

دعيني أغنيك أنشودة 

ترددها عناديلي

من غير ناي

على أغصان أطلالي


دعيني ودمعي

فالبكاء بلسم

لجراح أعلالي

واتركيني

أطفئ نار شوق

بات في مغالي


دعيني لوحشتي

فقد خلت بي

نجوم الليالي

وأضناني ترقب بدر

ما قد بدا لي


دعيني أرثيك يراعا

على سطر في سجال

فما عاد لي غير حرف

هو رجاء فيه آمالي


دعيني أرى فيك حلماً

خان وعده

وأنكر علي أقوالي

ما صانني من خطل

و لا زانني عن أعطالي


دعيني أستقي

منك فجرا

عساه يفك

أسر أغلالي

وأشتم منه نسيما

يوقظ ما غفا من أخمالي


دعيني أحتسي منك عشقا

من غير أقداح

يسكر حتى التمال

وأرتشف من زهر هواك 

رحيقاً بطعم الزلال


دعيني في الغيم قطرة

تحنو لتقبيل ترى

شكا من ضير أوجال

وعلى بؤس الأفنان عصوا

يردد آخر موال

لربيع منك أضحى

خريفاً برث الأسمال


فيا من هجرتني

وتركتني لحالي

وسلبت النوم من عيني

واقتلعت أحاسيس أدخالي

بالله جودي

فالقلب شقى

من رجاء وتسآلل. 


حسن العلوي مفهوم. 

مراكش / المغرب.

الجمعة، 23 يوليو 2021

ديوان هايكو بلغة موليير / الأديبة الشاعرة الأستاذة خديجة ناصر / المغرب.


Flocons de neige


Florilège de Haïkus


Flocons de neige-

Robe de mariée,

Pour village isolé !


Neige sur les sommets

Année prometteuse

En légumes et fruits !


Cimes enneigées

En fête…

La bergerie !


Un pas en arrière

Des  chutes de neige

Précédent l’hiver !


Plein hiver

En robe de mariée

Amandier fleuri !


Symphonie hivernale

En orchestre

 Vent et pluies !


Enfants grincheux

Sur le chemin de l’école

Au petit matin frileux ! 


Pluie…Pluie

Pénible saison 

Pour les sans- abri !


Décembre 

Longue nuit et courte journée 

Complémentarité !


Une fine pluie

Salue l’automne

Et pleure l’été !


Rêve gravé sur neige

Au premier rayon du soleil

Il agonise !


Premières pluies

Port du voile

Mes cheveux à l’abri !


Blancheur éclatante de neige

Que du bonheur

Pour les petits cœurs!


Vent déferlant

Vagues enragées 

Loin de nous…Tsunami !


Casablanca inondée

On s’y promène en jet ski

Serait- elle frappée par Tsunami ?


Brusques averses de pluie

Une inconnue et moi

Sous le même parapluie !


Fine pluie

Lilas bien fleuris

 A l’abri, une fillette me sourit !


Dressé comme un « i »

Sous tempête et pluie

Brave  homme qui nettoie nos rues !


Nuit rétrécie 

Les souvenirs…

Pourchassent mon sommeil !


Insomnie-

Est- ce l’effet du thé

OU…mes soucis ?


Premier jour de l’année

La terre réclame 

La paix !


Premier jour de l’année

On tire un trait

Et on continue la vie !


Au goût des fraises

En couleur et forme

Le Valentin !


Léger brouillard

Les orchidées 

Somnolent au jardin !


Vagues dansantes

De son kimono

Des papillons s’apprêtent à s’envoler !


Sur le sable mouillé

Empreintes de ses petits pieds

Et coquillages éparpillés !


Vers vert dans un verre

J’en fais un haïku

De trois vers !


Avril au seuil

Une étoile filante

Au guet du poisson menteur !


Champ de blé

Au rythme du vent

Dansent les épis !


Balançoire -

Seul en profite le vent,

Confinement !


Ciel nuageux

Un soleil brille

Dans tes yeux !


Très admiré

Présumé sculpté par un prisonnier

Le lion d’Ifrane !


Etoile filante

Combien de souhaits

Lui seront avoués ?


Collé à lui jour et nuit

Plus cher que toutes ses chéries

Le téléphone portable !


On meurt quand on cesse de plaire

Maquillons nous donc

Dit une octogénaire !


Avril

Brise printanière

Me chatouille les lèvres !


Avril

Bovins et ovins

Sont plus virils !


Avril

 Invitation au régal

Danse en huit des abeilles !


Trèfle à quatre feuilles

Rare dans les prairies

Ainsi la chance dans ma vie !


A la fin de ses jours

 Belle, elle est  encore

Une feuille d’automne !  


Maigre butin

Pour araignée affamée

Une feuille fanée !


Rentrée scolaire

Ma blouse blanche me manque

Mes élèves aussi !


Sortie d’école

Nul cartable sur le dos

Plus de roues que d’enfants !


Sans le voir 

Il sourit à sa chaleur

Dialogue entre un non voyant et un rayon !


Ecole de non voyants

La méthode Braille

Réalise des miracles !


Mille et un secrets

Sur une feuille blanche

Dévoilés par le toucher !


Doué de séduction

Pour toi, les arbres se dénudent

O, automne !


En couleur d’or

Des feuilles jonchent le sol

Forêt en deuil !


Vagues déferlantes

Une mouette au guet

Poissons déconcertés !


Bord de la route

Fleurs en  jaune et violet

Le coquelicot attend son tour !


KHADIJA Nasseur. 

Maroc. 


السبت، 17 يوليو 2021

ذلك المكان... وأنا الكاتبة / خاطرة / الأديبة التونسية الأستاذة لمياء بولعراس.


ذلك المكان... والأنا الكاتبة.


خبرت ذلك المكان في ركن من زاوية من غرفتي... هو ركن لوّنت أمواج البحر بزبدها سقفه واعتلى الموج جدرانه يخبر عن كتب تلعثمت في التعبير عن كنهها إلا بلمسة يدي الباحثة عن كلمها المسجّى بين سطر َوحرف... أختلي فيه بصدري الطافح بحروف استحوذ ت على فتنة الأنثى المخفية وراء كلمة.. خبرت فراشي الموشّى بكتاب حالم معي بذاكرة الأمس، ساطع كشهب اشتد بريقها مع ولادة فكرة أو نبض قلم حاك بحبره قصة الآتي المرقوب.


خبرت ذلك المكان أكثر مما أخبر تفاصيل من عمري... كل ما أحتاجه من صراط الحياة القويم... طريق معبد بالحرف أقتاد فيه كتابا... أتناثر عبر حروفه كلؤلؤة تبرق بسطر أنبش في أغواره أو أطوّعه ليراعي... كلم أستوي معه وأطوي كينونتي في فراش يقارب نافذة وعلى وسادتي أرمي بشَعري وأراود ورقا يحتوي شِعري أو البعض من بعضى المتآكل على صفحات من كتاب. 


خبرت ذلك المكان الراقي لا في بذخ تأثيثه أو رونق هندسته الداخلية وإنما خبرته لأنه امتلك سريرتي بين ما أرقنه على حاسوبي أو هاتفي... كل ما أحتاجه استفاقة صباحية تتوالد مع سكون الآخر الذي استولت عليه غفلة النّوم... أرعى من نافذتي أفول نجم يحاذيه القمر وإطلالة شمس غار وراءها البدر واستفاق مع ضيائها حرفي يغازل نورها الوليد.


خبرت ذلك المكان المتهاوي على كتفيّ... هو زاد لأنوثتي المتعطرة منه... أرمق ذلك الركن من غرفتي بمقلتين مشدوهتين لحلم الكتابة، أختلي بنفسي لإنيّتي الطافحة بالحياة الموردة... أجتبي من ورودها تاجا سحريا لحرفي أشتم فيه عطر مَن غار في دخيلتي فأحويه برمشي لأصير معه جوهرة اتّقد وميضها من حرف أسِرّ له بما ارتجّ فيّ ولم يتبعثر إلا بلمسة زر أو مسكة قلم أدوّن بها بصمتي.


أحب ذلك المكان المتفرّد بي، ينتشلني من صمتي، يماهي أنفاسي الساكنة فيه. يتهدج له حرفي في غفلة عن الزمن المهدر. تتماثل له كتاباتي للشفاء من ترهات الخواء، تتمايل الجملة بين طيات كتاب، وتجاويف كتابة، أثمل معها إلى حدّ الانشاء من مغزى كلمات ترفعّت عن حركاتها وحروفها لأنطلق معها نحو الأنا الكاتبة.


لمياء بولعراس.

تونس.

دعني / قصيدة نثرية / الأديب والشاعر والناقد المغربي الأستاذ رحال الإدريسي.



دعني...

أكتبك بسهم

انفلت من قبضة

دعني...

أكتبك من قلب

دواة لنبضة

على البياض حرفك

و بين دفاتي رعشات

نبضة و نبضة و نبضة

تهتز أوراق خريفك

فأكون أنا الربيع

من سهمك المنفلت

و يكون قلبي دواتك

و الذات لك... 

بين قبضة و نبضة

دعني... 

أخفقك إلى أخمص عمر

أضخك دقائق

أضخك ثوان و ساعات

يقضم الليل أظافر صبحنا

يجزها من نبضي و نبضك

يقتص من بسمتنا

يمزق فرحنا إربا

يتسع صبرنا فضفاضا

تلبسني للدفء

و ألبسك للاستئناس

نشرب نخبنا جلدا

تسكرنا الانتظارات

لغلس

لصبح

لأمل

لحزمة ضوء

من بعاد شمس

كسروا قرصها

فذبل شعاعها

يروي حكايات

شمس لا تقبل الذبول

حكايات قمر

لم يستسلم للأفول

فما لهذا الصبح الخجول

لا يكسر العتمات

لا يكسر الطابوهات

ليشق جدار السديم

ليوم غائب...

دعني...

أضخك لآخر ليل

نهزم أنفاس خنق

نهزم صخب الصمت

يجلجل صوتنا


الإدريسي رحال

المغرب. 

الجمعة، 16 يوليو 2021

قراءة في نص شعري للشاعر ناجي الجويني، للناقد الاستاذ غسان الحجاج.


 التوظيف الرمزي في نص سينفلت الجرح" للشاعر التونسي ناجي الجويني. 

قراءة بقلم الناقد غسان الحجاج.


إن التأرجح بين تياري الوعي واللاوعي، تحت وطأة الضغط النفسي، يماثل طريقة البندول  المنساق بتأثير قوة الجذب الأرضي، وهو ما يميز  هذا النص النثري للشاعر.

فالرؤية تتضح شيئاً فشيئاً من خلال الخارطة المشفرة التي توهجت في قلبه، فبدأ بوضع ظله الذي اعتمد عليه كنقطة ذهابٍ وإيابٍ، ولكنه تلاشى حين كان يتبعه، فمن ترى يتبع من؟ 

ربما كان هذا الظل شبحاً من الماضي البعيد، يراوده في أحلامه، بل حتى في هواجس اليقظة، لذلك كان هذا الظل بمثابة العمود الفقري لنص الشاعر، حيث أخفى حنينه إلى الماضي المجيد في جلباب هذا الظل.   

فما هذا الظلّ في حقيقة الأمر سوى رمزٍ تتناسل منه (الأنا)، فهذا التوظيف الرمزي هو انزياحٌ معنوي بحد ذاته  يقوم عليه جسد النص، حيث ينتهي اللاوعي مؤقتاً ليعود الشاعر إلى أنه، مستحضراً ضميره المنفصل (أنا)، ولكن عودته كانت متأرجحة أيضاً بين الواقع والأحلام، وفي كلتا الحالتين كان يتداعى كظله المتلاشي،

ويتجرع دموعه على مضض، وهو يستند على جدران الرمزية مرةً أخرى مستخدماً مفردة (تين)، ربما كناية عن الشباب الذي ضاع سريعاً لكون موسم التين قصير جداً، وهذا التشبيه الحداثي يحسب له لما فيه من إيحاءات بعيدة عن التقريرية، بل إن الشاعر التقط هذه الصورة الشعرية من أفق مخيلته الخصبة قبل أن يستفيق من استغراقه في بحبوحة الحلم، لكنه تحول من نشوة الحلم على وقع تأوّه الجرح الموغل في الاحشاء والروح، على حد سواء، 

وهو ما يزال يترنح في غياهب آلامه بعد أن غادرت الشمس أفقه الحزين، كل ذلك الانسكاب الوجداني هو انعكاس لما يكابده في هذه الرحلة الوعرة الشائكة الدروب، وهو يشخب دماً من جراء الطغاة.

هذه المحاكاة الذاتية هي صورة ثلاثية الأبعاد لشعب يتعذب، حتى رأى أن لا مكان للعيش في هذا الوطن المنفى، فلم تعد تعنيه الصحراء، ربما لأنه نسي ظله ملقى على الكثبان، ودرسته الريح دونما أثر، لذلك هو مازال يبحث عن نفسه لعله يجدها بين هذا السراب، حيث فتح الشاعر بصيص أمل، كشرفةٍ يشاهد منها الحياة في هذه الرحلة البحثية المنية، وكأن قلبه بوصلةٌ تشير إلى الشمال.

إن هذا التوق الملح الملمح له هو باتجاه الأندلس، ولربما انتقل عبر الموروثات من الأجداد العظام الذين فتحوا بلاد الأندلس، في إشارة مرجعية إلى حالة من اللاوعي مجدداً تجذرت في مخيلة الشاعر عبرصورة تاريخانية من البوح المتوهج في لحظة كشف من أعماق الذات.


 = النص الشعري المدروس، للشاعر الجويني. 

          "سينفلت الجرح"


نحيف هذا الظلّ

يتبعني

أتعبته المسافات

منهك هو 

تتضاعف أنّاته

من شحّ هذا الوقت

أنا الذي سرتُ طويلا

وحلمت كثيرا

ثمّ بدأت 

أعمدة الرّوح تتداعى

لتنسكب أحلامي

دمعة دمعة

مذاقها جارح

تينٌ

في كامل خصوبته

يفقد ألوانه

يُسقِطها في التيه

حيث غفت شمس الغد المأمول

 أياديهم ملطخة

بدمي

مغمّسة ضحكاتهم

 في وجعي

 طريقي شمالي

أنا

اكتفيت من الصحراء

ومن سخرية أشباح

الطغاة

ربما

سينفلت الجرح 

من الوجع

يوم أجد ظلّي

لتتسع رؤية الحياة

      

 ناجي الجويني الشاعر. 

(مليون شكر للناقد غسان الحجاج الذي كم تشرفنتي صداقتهم، هو وثلة من الأحبة).

من قال / قصيدة نثرية / الأديب والشاعر والناقد المغربي الأستاذ عبد الرحمن بكري.



من قال ... ؟


من قال إن وعود قصيدتي

مداد يتسلى من محبرة

طراطيش خطوط على حائط نزوة

فردة خف حنين 

تظل قدمي تئن حسرة  

فوق أرض طوب وعرة

تقتفي مسالك السراب

في عيون تذبل بين الحفر


من قال إن صلاحية كلماتي 

تموت قبل الأوان 

كفاكهة العصر 

لا تفي نهم الجائع الظمآن 

خوفا أن تحضنه أقداح

انتشت فوق أرائك المدح

دون أن تبرأ هلوسات الأنخاب


من قال إن حبات سنبلاتي 

تنحني لمنجل الريح بالمرة

كدمع حصاد 

يهوي ندبا على خد السمان 

والحقول ملأى بالفزاعات 

تنعي هجرة طيوري 

خواء العزاء 

ما إن يدنو موسم الحصاد

تملأ بنود جوفه

جحافل النمل الأحمر

كما لو ينزف من بين الأنياب

دم أكباش على بساط النحر


كأنها تلك الفراغات 

تتملص برفق من عنادي

حتى لا ترتجف بين يدي 

سلالة تترقب عودة أنفاسي

إلى جينة متخفية 

من حفرية أجناسي

رغم طول أسوار الحجر


تلتهمني موائد الاحتقان

كفيروس خانق

يتربص في لباس الأسباب

وكلما تبخر في حقن الصبر

عادت عقارب الهذيان في الدوران

لتعبر مع ظلي

عوالم الجنون 


هكذا قالت عني شطحاتي 

وقد يممت ذراعي جهة الشوق

همت حروفي بالعناق

خارج ظلمة الكهف

تتخطى عتبة الارتياب 


عبدالرحمن بكري.

المغرب.

الاثنين، 12 يوليو 2021

على مرفأ الهوامش : قصيدة نثرية / الشاعر ناجي الجويني / تونس.


             * على مرفأ الهوامش *                      

كم كنتُ و كنتُ..

أرصّف أحلامي بك

و أرمّمُ ما تشظى

في أنايا المنهكة

من الوقت

و ألتحف بانتظاري..

أهيئ عباراتي أهازيج

وكم غالطتني الأماني

أجل.. صدّقتُ كل أحلامي

و تربّعت على عرش التمني

                     ******

وحيد أنا في منفاي

لا عرش ...

لا غير رهبة من 

غرباء يزورون غربتي..

لا شيء يوجعني إلاّي..

و سؤال يغمد القلق

بين ضلوعي..

متى يولد الأمل؟

فمن لا أمل له

لا حياة له...

على مرفأ الهوامش

شروخ متفاوتة

في وتد العمر

كم مركبا سرح 

في التيه

و بقي البحارة

بعيدين عن البحر 

تضيق السبل

يتأوه الليل

فلا نقوى إلا أن نكون

لله الشاكرين

وحده الله من يسدل

علينا السكينة

تطيب النفس

و كل نفس بما كسبت

رهينة

      ناجي الجويني الشاعر  .

تونس. 


الجمعة، 9 يوليو 2021

قراءة نقدية / الناقد المغربي الأستاذ سي مختار حمري.




 اضاءة على نص''أمشط أظافر السنين لأمسح الذاكرة"/ للشاعر الأديب والناقد حيدر الشماع من العراق 

الإضاءة /سي مختار حمري  من المغرب 

النص للشاعر  حيدر الشماع 

أمشط ظفائر السنين لأمسح الذاكرة

ولدنا من الضوء
ونحمل منه ارواحنا
ندلف عبر الزجاج بلاضجيج
ونموت في الظل عراة
تغلفنا أوراق صحائفنا
لايفاجئنا الندم
تغيب صورنا تحت اضلاعنا
ويذوي الشعاع
نحمل الخوف والانتظار
ربما تنفعنا اورادنا عملناها سرا

ابحرنا
وكل تيار يتلوى بنا
سيرنا مراكبنا نبحث عن منفذ للتأريخ
المتواري خلف أجيال
خلف غايات الخيال
عن أصوات وأغاني تلاشت
عن الفطرة الاولى
عن شجرة أوراقنا المتساقطة
ورقة ورقة
مع هبوب الاوقات
مسافرة نحو الابدية

ايتها العنقاء المنبعثة من الرماد
من أين لنا بالريح
تمخر عباب الذاكرة
وسط ليل وهلوسة
ووسوسة زمن ردئ
يرتدي قناع الفرح
يسير بخفي حنين
وحيدا 
كليل أضاع نجومه

الاديب حيدر الشماع  العراق

العتبة الأولى العنوان :"أمشط ظفائر السنين لأمسح الذاكرة"
العنوان يتكون من جملتين فعليتين بفعلين مضارعين يربط بينهما (اللام) وهو حرف نصب يفيد التعليل(السببية) يدخل على الفعل المضارع وينصبه ويبين سبب حدوث الفعل (الحدث) أمشط/لأمسح :هناك علاقة علة (سببية)بين الجملتين..
الفعلين المضارعين يعودان إلى ضمير المتكلم (الذات الشاعرة) ويفيدان استمرارية الزمن النحوي من الماضي مرورا بالحاضر إلى المستقبل ما يعني أن الذات الشاعرة منهمكة طيلة الزمن في المشط والمسح..
المسح قد لايعني فقط ازالة الأثار لكن قد يعني  التعرف واحصاء كل العناصر(نقول مثلا المسح الطبوغرافي ) لمسرح معين ، وقد يشترك مع مفهوم المشط الذي يعني التخلل  ""مشط ظفائر السنين" بمعنى خلخلة وتمديد ما أصابها من تشابك وطي والتواء 
نصل الى ان هناك تقاربا دلاليا  في بعض المقومات بينهما
نتساءل هل النص سيكون مسحا شاملا لما تم تأريخه (أرشفته) أو تزمنه في الذاكرة ؟؟!!
هل ستتحكم نظرة الشاعرفي سرد أحداث الذاكرة منذ بداية تشكلها  في ديمومة خطية كما هو المفهوم عند "برغسون"؟؟!! أو  مفهوم الزمن عند العامة 
ام  ديمومة من  تراكم لحظات منفصلة كما هو المفهوم عند "باشلار"؟! التطرق لأحداث فارقة..منفصلة 
هل يتعلق الأمر بذاكرة فردية (ذات الشاعر :جوانية ) أم بالذاكرة الجمعية (برانية )؟؟  
العنوان يستدعي الذاكرة كزمن ( سنين ) أحداث  مستمرة لان المستقبل يوجد في الماضي (سواء خططنا له أو لم نخطط )
العنوان يطرح السببية ( العلة ) وهي مفهوم فلسفي  يدل على الروابط التي تجمع بين الظواهر فالظاهرة الأولى ( تسمى السبب أو العلة ) تحتم الظاهرة الثانية ( التي تسمى المعلول أو الأثر ) والعلة مبدأ أساسي للتصورات عن العالم ''فلكل ظاهرة علة '' وهي من المقولات الأساسية في البحث العلمي وقد تطرق لها العديد من الفلاسفة  اليونانيين والمسلمين إلى ''ليبنيتز'' الذي صاغها كمبدا وقد عارضها بعض الفلاسفة التجريبيين  مثل ''دافيد هيوم''  ..
يحضرني هنا كتاب ''مبدأ العلة '' لهيدغر (حول ليبنيتز) بأسلوبه السحري الشيق وجاء في كتابه  ذكر مثال لأحد المتصوفة الألمان يقول : الوردة تتفتح بدون لماذا .. وتساءل ماعلة تفتح الوردة ؟ لماذا تتفتح الوردة ؟ الوردة تتفتح بدون لماذا ..وكان موضوع تأمل شيق ..يشبه العنوان الذي نحن بصدده ..لماذا أمشط ظفائر السنين ؟ لأمسح الذاكرة ..ولماذا ضاد ظفائر معجمة ..؟؟ ولماذا نمسح الذاكرة .. (لكل حدث علة) ... 
سندخل النص لإنجاز مسح  لتضاريسه عكازنا الذي نتكىء عليه هو الأسئلة المطروحة 
2--النص:
ولدنا من الضوء 
ونحمل منه أرواحنا 
ندلف عبر الزجاج بلا ضجيج 
ونموت في الظل عراة 
تغلفنا أوراق صحائفنا 
لا يفاجئنا الندم 
تغيب صورنا تحت أضلاعنا 
ويذوي الشعاع 
نحمل الخوف والإنتظار
ربما تنفعنا أورادنا عملناها سرا  
النون في ولدنا بمعنى ''نحن'' فهي تعود إلى الإنسانية .. استعمل  الفعل (ولدنا ) وتم  تجنب الفعل (خلقنا) التي لها  دلالات قد تقودنا الى المقدس مباشرة ... وهنا أظهر الشاعر ذكاءه وتمكنه اللغوي والعلمي فكلمة ولادة  استعارها من معجم  علوم الإحياء(البيولوجيا ) وهي تخص الثديات وتقتضي نمو  ، في رحم  ، ومخاض عسير ، الذي رمز إليه الشاعر بالضوء دلالة على (رحم/ نمو / مخاض )
ما يمكن أن نفهمه أن الإنسانية كانت في الظلام فحدث  لها تطور  يشبه ما يعرفه الجنين عند الثديات أخرجها إلى النور..
 من البداية بدأنا نلمس أن الذاكرة المعبر عنها في العنوان قد تكون جمعية لا فردية  وهذا يجعلنا نفكر في نظرية التطور ( عند داروين ) فتطور الكائنات الحية  البدائية أحادية الخلية عبر ملايير السنين على الأرض نجم عنه ظهور الإنسان  الذي يعتبر قمة التطور مكنه من ذلك  مادته  الوراثية ADN التي  اكتسبها ليحوز عقلا راقيا لا يوجد له مثيل في عالم الإحياء على الأرض ، والذي  نعتبره أساسا لخروجه  من الظلام إلى الضوء وميلادا للحضارات وكل ما هو مكتسب في حياة الإنسان( الدين ،الأسطورة  ، التقاليد ،العادات والفنون ....)
وقد يكون للضوء أو (النور )   دلالات أخرى  منها  البعد الديني(الروحي)
{الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ، كأنها كوكب ذري  يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ، وضرب الله الأمثال للناس والله بكل بشيءعليم'}'(سورة النور)
من خلال بعض التفسيرات نصل الي أن : الكون نور ، القرآن نور، النبي نور، العقل نور 
{'نور على نور''} شرحها أبو حامد الغزالي بنور العقل ونور الشرع 
نصل ألى أن هناك طريقتين للفهم ، الأولى : ---تتعلق بتطور إحيائي نجم عنه تطور وراثي عبر عدة مليارات( أكثر من 3) منذ بداية الحياة على الأرض  نجم عنه ظهور العقل الإنساني الذي كان  وراء  ظهور الحضارات البائدة و المعاصرة  منها ...
أو  الثانية : الأمر  يعود إلى المشيئة الإلهية في خلق وهداية  الإنسان  واخراجه من الظلمات ألى النور حسب  منطوق الديانات السماوية المختلفة شكلا المتفقة مضمونا 
نحمل منه ارواحنا 
الروح لها دلالات فلسفية  ، دينية  وعلمية لهذا نجد تقاطع بين مختلف الفلسفات والديانات والتي تنص على أن الروح شيء معنوي قائم في الذات الإنسانية وعلى أساسه يتم الإدراك والوعي والشعور الإنساني وأقدم بعض المقاربات لمفهوم الروح  
-- الاسلام :{''يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي''}(الاسراء 85 )
--المسيحية : الروح نظام غيبي  غير مرئي هي مبعث كل ثمرة حسنة عند الأنسان عكس الجسد فهو مذموم 
-- اليهودية : ''نور الله هو روح الله'' 
-- الصوفية : الروح لطيفة ربانية  تتميز بالكمال والمحمودية وبها يحقق الإنسان  المحبة والإتصال بالخالق 
--الفلسفة : الروح هي الحقيقة المفكرة عموما تتضمن ثلاثة  دلالات : الروح //المادة  ، الروح// الطبيعة ، الروح// الجسد 
علميا : عام 2016 اثبتت جامعة كامبريدج أن الغدة الصنوبرية Glande pineale التي تفرز هومون النوم الميلاتونين Melatonine  هي موقع التفاعلات عندما نقوم بالتأمل والصلاة واعتبرت مركز حياتنا الروحية .
 --الفرق بين الضوءوالنور: 
يقال أن الضوء والنور مترادفان لغويا  في اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية 
الأشعة التي تأتي مباشرة من مصدر الضوء تسمى ''ضوء''و التي تأتي من مصدر ضوء غير مباشر تسمى نورا '(نقول ضوء الشمس ونور القمر) 
الضوء : كل الأشعة المرئية أو غيرالمرئية ( فوق البنفسجية UV وتحت الحمراء IR )
النور :طيف الأشعة المرئية من الإنسان إذا الإنسان ولد من الضوء(النور)  ومنه يستمد روحه اي عقله وكل ما وصل  إليه من حضارة  بل قد وصل إلى  مستوى يعبر فيه الزجاج ببطء  أي اختراق ماهو شفاف دون أن يحدث أية ضجة كالشعاع . بالعقل استطاع العبور إلى المتناهي في الصغر وفي الكبر وتعددت الاقنعة التي يستعملها  ..  لكن الموت يلازمه  في الظل لأن الأشعة تحجب عنه  بأجسام  صلبة  أو افكار غامضة  وتختفي الأقتعة  ليظهر على حقيقته عاريا .. 
تغلفنا أوراق صحائفنا 
صحائفنا : م : صحيفة جمع صحيفات ، صحائف ، صحف ..
تعني كل ما ارتكبناه من أخطاء (ذنوب) ، أعمال جيدة ( حسنات ) أو بمفهوم ديني  صحائف أعمالنا ( مصطلح فقهي)  كتُب أعمالنا التي قمنا بها في الدنيا وقد ذكرت الصحف في عدة سور :{ ''إن هذا لفي الصحف الأولى صحف ابراهيم وموسى ''} (الاعلى 18)
{''إذا الصحف نشرت ''} (التكوين 10)
          {'' فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ''} (الانشاق 7-8)
          '{' وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت  كتابيه ولم أدر ما حسايبه '}
              (الحاقة25-25)
لا يفاجئنا الندم لأننا نعرف أعمالنا ونتائجها وما ينتظرنا من جزاء  والندم يكون متوقعا فتغيب صورنا أو كما نتصور أنفسنا  تحت أضلاعنا  في قلوبنا حيث العاطفة تحولنا إلى أفراد ضعاف النفس والهمة فيذبل  شعاعنا وقدراتنا ومقدراتنا فمع تقدم الزمن نشيخ ونهرم ونضعف فيتملكنا الخوف من النهاية من الموت .. نعيش في ظروفا عصيبة في انتظار وخوف.. 
ربما في هذه المرحلة لن ينفعنا إلا اورادنا  أي ماقرءناه من قرءان وذكر وما قمنا به من صلاة خلال اجزاء من الليل  خفية  في سرية  ( تعني ايضا ما قدمناه من أفعال  خير ودعوات)
خلاصة المقطع الأول : البداية كانت الولادة والنهاية كانت المواجهة المريرة مع نهائية  الانسان  زمنيا ما يعني  التقدم اتجاه االموت بالتقدم في السن تم  اعتماد ضدية : الولادة //الموت 
وتم استعمال الفاظ ذات بعد نفسي ، فلسفي  ، روحي  وثقافي 
الروح /الصحائف/الاوراد : بعد فلسفي روحي ثقافي
الندم /الذبول (يذوي)/الخوف / الانتظار/الموت : ذات بعد نفسي يعبر عن القلق الجواني باسم الإنسانية  واللاوعي الجماعي 
تعبر عن القلق الفلسفي الوجودي 
نسجل هنا اعتماد الإعتقاد الديني لتجاوز التناقضات أو القلق الوجودي والنفسي 
هناك رؤية تأملية فلسفية عميقة تتجلى في كلمة الضوء والروح  اللتين لهما عمق لا نهائي 
أسوق هنا بعض التوجهات الفلسفية التي تمت ملامستها و تتعلق بالقلق الوجودي 
--هيدغر يعتبر فيلسوفا وجوديا  : مفهوم ''الوجود - اتجاه - الموت '' يقول إني انسان موشوم بالتناهي إذن أعيش موتي في كل لحظة أسير أليه أو يسير إلي  .. يعتبر الموت كطريقة لفهم وجودنا في العالم ....
--قلق كيركيكارد : الأب الروحي المؤسس للفلسفة الوجودية (المؤمنة) الذي ربط مفهوم  القلق بموضوع الخطيئة الأولى  فكان قلقه لا هوتيا نلمس أن النص في روحه يميل إلى هذا التوجه .. --ونقول من جهتنا مع أبيقور : ''إن الموت لا يعنيني البثة فهو إن وجد لن أكون  موجودا وإن وجدت أنا فهو لن يكون موجودا ''
ابحرنا 
وكل تيار يتلوى بنا 
سيرنا مركبنا نبحث عن منفذ للتأريخ 
المتواري خلف الأجيال 
خلف الخيال 
عن أصوات وأغاني تلاشت 
عن الفطرة الأولى 
عن شجرة أوراقنا المتساقطة
ورقة ورقة  
مع هبوب الأوقات 
مسافرة نحو الأبدية
ابحرنا بدأت رحلتنا البحرية أي بحر هو ؟؟
سيرت المراكب لتبحث عن منفذ للتأريخ  ، اعادة كتابة التاريخ وهذا يتطلب التنقيب وتحليل ماتركته الأجيال السابقة والكشف عن تفاصيل  المجتمعات ، هو عملية جمع المواد وتصنيفها وترتيبها ومن تم اظهارها ونشرها  ، هو تسجيل وتوثيق الأحداث عبر الزمن وتقييمها .فالتاريخ يعتمد على التأريخ  فلا يمكن أن يتذكر الماضي ونقيس عليه الحاضر إلا إذا تأرخ  التاريخ  بشكل مضبوط  ومحايد نسبيا...
مواد التاريخ متوارية خلف الأجيال وهي من غايات الخيال في دائرة المفكر فيه ومحاولة الوصول  للكشف عن كنهه . فهناك ما هو عل شكل أصوات وأغاني تلاشت.. كلام قيل  أو كتب أو ادوات او أغاني كانت ترددها الأجيال تعبر عن الإندماج والتكيف مع الوسط البيئي كسيمفونيات تعود لحضارات قديمة  تحضرني ''سيمفونية نينوى''وكتابات وفنون  و.....
'' عن الفطرة الأولى ''
الفطرة في الفلسفة تعني أن العقل البشري لا يولد  كصفيحة فارغة بل يولد حاملا معه أساس المعرفة الفطرية البديهية والتي تتطور مع الخبرة 
رواد الفلسفة التجريبية (مثل دافيد هيوم ) انكروا وجود العلم الفطري واعتبروا المعرفة الإنسانية نتيجة الخبرة الحياتية 
أصحاب المذهب العقلاني : هناك أفكار فطرية تولد  مع الإنسان 
جون لوك: ينكر الفطرة  ويقول لاتجربة : لا فطرة
ارسطو . : يرى أن الفطرة بكل اختصار هي الطبيعة 
الفيلسوف العربي ابن طفيل : يطلق عليه اسم فيلسوف الفطرة . من خلال  قراءة كتابه''حي بن يقضان '' ندرك العمق الفلسفي لتناوله الفطرة بشكل أعم وأشمل عند الإنسان والحيوان وكان يهدف إلى تصحيح الخطأ الذي وقع فيه ارسطو
الدين الاسلامي :
الفطرة هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير واتيانه وكراهية الشر ودفعه وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الإخلاص لله والتقرب إليه 
يقول  رسول الله(صلعم ) : ''مامن مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه ''  
ويقول تعالى : {'' فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي  فطر الناس عليها ''}( الروح 30)
نلاحظ  أن هناك فريقين واحد مؤيد والآخر منكر لوجود فطرة أولى كما عبر عنه شاعرنا .. ''شجرة أوراقنا المتساقطة ''
 البحث عن أصولنا التاريخية شبيه بالبحث عن الشجرةالتي كانت تجمع كل أوراقنا أي منجزاتنا الحضارية بجدورها ، جدعها  ،تفرعاتها الثنائية وأوراقها بكل تفاصيلها والتي تعرت لتنكشف وتفقد جدواها ووزنها وهذا مع هبوب رياح الوقت يعني مع مرور السنين والعصور لتسافر نحو الأبدية حيت لا يمكن اللحاق بها لتصبح على شكل تماثيل أو اثار أو تحف  للزينة فارغة المعاني والدلالات...
خلاصة الجزء الثاني :التأريخ// الفطرةالأولى // شجرة أورراقنا 
 الفطرة الأولى : العودة إلى الحالة  الأولى التي كان عليها الإنسان وهذا موضوع اختلف عليه الفلاسفة فيما بيهم ومع رجال الدين ونال نصيبه كاملا من الجدل وهو قد يعني في رؤية توافقية  وجود الأهلانية عند الإنسان (أهلية واستعداد ) في تركيبته الوراثية وقدرته على استقبال المعلومات وتذكرها وتحليلها وحل معضلاتها وكذلك النطق بها    
شجرة أوراقنا : قد ترمز إلى حضارتنا التي افلت وتساقطت أوراقها كل ما يعطيها  حياة مستديمة فعملية التركيب الضوئي عند النباتات تتم على مستوى الأوراق حيث التركيز الأكبر لليخضور  ومنها تستمد طاقتها على النمو والبقاء ..
هي رؤية على ما يبدو لا زالت تمجد الماضي (التراث )متناسية أن الماضي مستمر متزمن في حاضرنا وعابر لمستقبلنا ..نلمس انه  فكر لم يحسم بعد  مع التراث و يرى في العودة  اليه  انقادا  ..  وفي هذا  تعبير  عن عدم القدرة  على استشكاله  بالمعاصر .. (هذا هو الفكر السائد في مجتمعاتنا وعند اغلب مثقفينا) مما يظهر نوعا من التناقض . استحضر كتاب شجرة الحضارة ل(رالف لنتون ) استاذ الدراسات الانتروبولوجيا  تبعا لما اعتقده من أن  خلفية هذا الجزء الثاني تاريخية  و انتروبولوجية تصبو الى إعادة كتابة التاريخ واظهار ماكانت تخفيه شجرة الحضارة 
اشير إلى أن ''نا'' ( نحن ) في :ابحرنا // سيرنا // بنا//  وما راكمت  من مقومات بواسطة اداة الجر أو العطف تعني ماهو محلي أو أقليمي  لم نعد نتموقع كما كنا نفترض  على مستوى ماهو ''كوني'' مع بداية الجزء الأول  صرنا في خطنا الفهمي للنص  على هامش الحضارة التي تسود في الوقت الحالي في بلدان تعيش التخلف والدمار  ...
أيتها العنقاء المنبعثة من الرماد 
من أين لنا بالريح 
تمخر عباب الذاكرة 
وسط ليل وهلوسة 
ووسوسة زمن رديء 
يرتدي قناع الفرح 
يسير بخفي حنين 
وحيد 
كليل اضاع نجومه 
نتساءل لماذا استحضر الشاعر أسطورة العنقاء ؟؟ ربما بحثا عن ولادة جديدة ..
يستجلب الشاعر ،  الأسطورة رغبة في توظيف حمولتها الفلسفية الروحية ؟؟؟
العنقاء طائرأسطوري خيالي  معروف بالإسم مجهول الجسم يجدد نفسه ذاتيا بشكل متكرر فهو يولد من رماد احتراقه يرمز تارة الى التقمص في الفلسفة '' استنساخ الأرواح '' وأخرى إلي البعث بعد الموت ولهذا الطائر الخيالي نظائر في الثقافات الأخرى 
في اللاتينية (الفينيق) الإغريقية (( الفينيكس ) اليابنية (وهو-اوو) الصينية( فينج هيوانج )
الفارسية ( الققنوس ، سميرغ أوالهوما )
في المسيحية ( الفينيق ):
ذكر الإنجيل الفينيق حيث من خلاله اسقطت الدلالات الروحية والفلسفية على السيد المسيح  الذي قال إن الفينيق يعود إلى الحياة مرة جديدة مشابهة  للسيد المسيح  في حين أن عودة الفينيق ألى الحياة من رمادها هي النسخة الأكثر شيوعا  ''للولادة الجديدة''
الأسطورة الرومانية :
 العنقاء طائر خالد تتكون حياته من دورات زمنية بين 500 الى 1000سنة في كل دورة يحترق ومن رماده يخرج فينيق صغير  وتعاد نفس الدورة بعد 500 الى 1000 سنة أخرى وهكذا على التوالي ..
فلسفيا:
عملية الإحتراق تذكرنا ''بهراقليطس'' الفيلسوف اليوناني  الذي كان يقول باحتراق الكون بطريقة دورية ليتجدد ...
وعنه نقل ''الفيلسوف نتشه'' ''نظرية العود الأبدي'' أي أن الكون يحترق في دورات زمانية  ليعود لما كان عليه بالضبط وبكل التفاصيل كل شيء يعاد كما كان في دورة جديدة  من بدايته ليتطور إلى ما كان عليه في الدورة السالفة.. 
ايديولوجيا :
استخدام عنصر ''تجدد الولادة ''  لتمرير مجموعة من الأفكار 
-- الرمز للولادة والخلود 
--صعود زعيم حكيم وعصر جديد 
--الموت ليس نهاية بل بداية 
المطابقة والتشابه :
لنفترض أن نيزكا ضخما ارتطم بالأرض ستنجم عنه ''أزمة بيولوجية سادسة '' سيتحول كل شيء إلى رماد لكن بعد ملايين أو ملايير السنين ستتطور مجموعات وأنواع وتزدهر  الحياة على الأرض وهكذا ستولد الحياة من جديد من الرماد وقد حدث مايشبه  ذلك من 60 مليون سنة (( الأزمة البيولوجية الخامسة )) التي أدت الى انقراض الديناصورات ومعها عدد كبير من الأنواع  وعادت الحياة إلى الإزدهار مجددا .. وفي هذه الحالة قد نشبّه العنقاء بالنباتات أو الحيوانات أو الإنسان بهذا المعنى فعلا...مع اخذ عامل الزمان في الحسبان....
تمثل العنقاء فكرة مفادها أن النهاية هي البدايةوبالتالي ستولد مجددا مرارا وتكرارا في الأساطير البشرية والتخيلات ..
ربما كان اللجوء  لهذه الأسطورة من طرف الشاعر تفكيرا في ''تجديد ولادة'' الأمة والنهوض بها من كبوتها بالإنبعاث من رماد التخلف والدمار والإنكسارات التي ألمت بها بحثا عن دورة جديدة للحياة 
الدمار (التخلف -الحروب ...)//الرماد//تجدد الولادة // االعود الابدي( العودةالى ماكانت عليه الامة)//الخلق (التقدم) خلق واقع جديد  لردم الهوة التي تفصلنا عن الأمم المتقدمة 
هذا يعني أن الشاعر يشعر أن أمته في انحدار وفي تراجع مستديم وفي حالة الإنبعات من الرماد ، فالشاعر يتساءل من أين لنا بالريح وكأن الأمر يتعلق بسفينة شراعية ستقلع لتمخر عباب الذاكرة لتبحر في مياهها لتتقصى ما تخفيه وتستخرج كنوزها  مهما كانت التيارات ملتوية في محاولة  لتغيير الإتجاه وصرف الأنظار عن المهم الى التافه من الأمور   
وسط ليل وهلوسة 
فالليل يعني الظلام  حيث تضعف و تفقد  القدرة على الإبصار ماديا ، رمزيا فقدان الفكر  للتبصر والبصيرة ، يضاف الى ذلك الهلوسة ،التي قد تصيب كل الحواس أي الأعضاء التي تمد الدماغ بالمعلومات الحسية  التي من خلالها يتموقع في الزمان والمكان و الوسط البيئي ويحسن التنقل والتفكير والإندماج والمواءمة .. 
الهلوسة يمكن أن تصيب كل الحواس : سماع أصوات لا وجود لها ، رؤية أشياء وهمية  ، شم روائح غريبة ،الشعور بمذاقات لا عهد بها  ....
وسوسة زمن رديء 
كلمة وسوسة لها حمولة دينية تجعلنا نستحضر وسوسة النفس :مايحدث به الإنسان نفسه  بما لا جدوي منه ولا طائل من ورائه ..
 وسوسة الشيطان: مايحدث به الإنسان من شر أو بما لانفع فيه أو خير ..  
وسوسة الشيطان : 
-- شيطان الجان: {''فوسوس إليه الشيطان  قال يا آدم  هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى '''} (طه 120)
-- شيطان الإنس والجان : {''قل أعود برب الناس ملك الناس إله الناس  ، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس''} (سورة الناس)
اذا الزمن  الرديء الذي يعبر عنه النص  تغلب عليه الأهواء النفسية المتجلية في الوسوسة   وهو  يظهر نوعا من الفرح  المقنع الذي يوحي بالخروج  من الأزمة الخانقة ، لكنه يسير بخفي حنين وهو مثل عربي يضرب عند اليأس وعدم ادراك الحاجة والسير بخيبة أمل وهو يسير وحيدا بلا مرافق بما يعني العزلة عن الزمن  لأن الكل تبرأ منه كليل أضاع نجومه ، ليل شديد الظلمة لأنه قد اضاع  مصابيحه المضيئة (نجومه )
نستنتج ان الوضع الذي قدم في هذه الفقرة  ذاهب الى انحدار والى تراجع والقفلة  في المبنى  كانت سلبية '' ليل أضاع نجومه '' مما يعني أضاع ضوءه سواء المادي أو المعنوي  المتمثل في العقول والطاقات البشرية التي إما هاجرت أو دمرت فضاع بضياعها كل أمل   ..
وللحفاض  على ببصيص  من أمل أقول مع ''اسيل سوزان '' : ''الإنحدارات لا تؤدي  بالضرورة إلى الأسفل فكم محنة تكشفت عن أجنحة وكم من أزمة شكلت انطلاقة جديدة وصنعت التاريخ ''
خلاصة الجزء الثالث :
اسطورة العنقاء (بؤرة النص )//الريح(الروح)//الذاكرة (المسح)// ليل هلوسة ضياع //زمن رديء وسوسة  خداع 
 3--خلاصة عامة :
ماجاء في النص من أفكار يمكن تقديمه هندسيا على شكل دائرة وسط مثلث 
الدائرة: 
الولادة // الدمار // تجدد الولادة  ..ما يمثل دورة زمينة في تجدد مستمر
المثلث : 
 القمة 1: الوقائعية  - (الوجود - اتجاه- الموت):  الوقائعية : الإنسان  لايخير  في المجيء الى الحياة و لا في المكان ولا في الزمان ولا اللغة ولا الدين  ولا... مما يخلق نوعا من  القلق إضافة الى نهائيته في الزمن وتهديد الموت له باستمرار ... 
           القمة 2: اعادة كتابة التاريخ ( التأريخ مجددا ).. احياء الحضارة الآفلة او استعادتها
          القمة 3: تجدد الولادة (الأمل)
نص ثري من حيث الفكر الروحي- الفلسفي.. يوظف المجاز  بشكل كبير  مما يضفي  عليه جمالية تغري بقراءته ..يعتمد التناص النسيجي والخارجي بشكل متقن مندمج مما يجعل القارىء ينفتح على ثقافات متعددة   وفكر متنوع ..
النص قابل لتعدد القراءات ، قراءته مثقفة ، في خلفيته نجد فكرا مؤطرا مؤسسا يملك ثقافة واسعة وظفت بشكل جميل  وبرؤية واضحة 
استمتعت بقراءة النص وقضيت معه وقتا طيبا لما فتحه أمامي من عوالم متعددة : ثقافية -فلسفية-روحية دينية -نفسية...
دمت شاعرنا راقيا متميزا بالنجاح والتوفيق 
تحياتي وتقديري .. 
            . سي مختار حمري         
المغرب: 06/07/2021. 


 

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...