الجمعة، 29 يوليو 2022

الأثر الفني والتأويل / مقالة نقد فني / الكاتب الباحث والناقد المغربي الأستاذ كمال فهمي.







{ مقالات رأي في الفلسفة والفن والأدب والنقد}

مع الكاتب الباحث والناقد المغربي الأستاذ كمال فهمي. 


* المقالة رقم: 1.

              [ الأثر الفني والتأويل ]


في محاضرته الشهيرة  المعنونة ب "أصل الأثر الفني"، انطلق هيدجر في تحديده لماهية الأثر الفني من التمييز بين مفهوم الشيء chose  والأداة  outil  والأثر oeuvre ، فهو يرى أن الصورة في الأداة هي التي تحدد ترتيب المادة، بل واختيارها بحسب قاعدة الاستعمال، أما الأثر الفني، وإن كان من صنع الإنسان، مثله مثل الأداة، إلا أنه يتميز باستقلاله، ولا مبالاته بالمنفعة التي تحدد قصدية وجود الأداة، وإذا كان الفنان يستخدم مثل الصانع مادة... شيئاً ما، ليضفي عليه صورة، إلا أن المادة أو الشيء في الأداة تستهلك وتتلاشى في الغاية التي وجدت من أجلها، أما في الأثر الفني فهي لا تستهلك أو تتلاشى، بل تظل حاضرة حضوراً متميزاً مثيراً للانتباه، ففي الأداة يحتجب الشيء وفي الأثر الفني يتجلى ويظهر للعيان.

وإذا كانت ماهية أو حقيقة الشيء هي طبيعة الشيء وأسلوبه في الوجود، فإن ما يميز الفن أنه يمكننا من إدراك حقيقة الموجودات، أي الجانب الشيئي في الشيء، والأداتي في الأداة، والأثري في الأثر، يجعلها مرئية، ينقلها من حالة خفاء إلى حالة ظهور.

ومن ثم لجأ هيدجر إلى تأويل لوحة الأحذية لفان جوخ Van Gogh لتوضيح  تصوره، وتأكيد أن صورة الأحذية في لوحة فان جوخ، تكشف لنا ماهية الحذاء من حيث هو أداة، وما يرتبط به ويحيل إليه، على الفلاحة التي تستخدم هذا الحذاء  أداة للعمل في الحقول، تطل علينا من خلال الأجزاء الممزقة، ومن خشونته، وثقله وتآكل جلده، "وهو يختزن مثابرة المشي البطيء عبر خطوات الحقل الممتدة إلى مدى بعيد، والمتماثلة دوماً... وتحت النعلين تتسلل خلوة الممر الزراعي خلال المساء، في أداة الحذاء يختلج  النداء المكتوم للأرض... إلى الأرض تنتمي هذه الأداة، وفي عالم الفلاحة تكون محمية، ومن هذا الانتماء المحمي تنال الأداة نفسها استقرارها في ذاتها "1. 

إن لوحة فان جوخ تشكل أثراً فنياً  œuvre  لأنها موضوع ظهور، أو حضور الحقيقة، وما يميز الأثر الفني أنه بحضوره يحررنا من علاقاتنا المعتادة مع العالم  والأرض، ذلك أن الإبداع الفني ينظم الشيء / المادة / الأرض في صورة... يخلق عالماً هو عالمنا، لكن الأرض / المادة في وجودها هي منغلقة، مختفية، وفي لقاء العالم بالأرض تنفتح الأرض وتتجلى، غير أن وجود الأرض غير قابل للاختزال في ظهورها، لأنها بطبيعتها  تتجاوز ما يظهر منها، ومن ثم كان الأثر الفني نفسه توثراً دائماً بين التجلي والخفاء، صراعاً بين الانغلاق والانفتاح، وهو عدا ذلك يكشف للإنسان عالمه الخاص، أي التجربة المعيشة للفرد والجماعة في مختلف العصور التاريخية، وهو يكشف ذلك من خلال ما يضفيه على المادة في مختلف عناصرها: أحجار، ألوان، أصوات، صور... والعالم بطبيعته منكشف ظاهر أما المادة، الأرض، فتوجد في الخلف مختفية.

ولما كانت الحقيقة في معناها الأصلي الإغريقي هي لا خفاء الكائن alétheiat، فجوهر الفن هو الحقيقة ذاتها، مادام الفن يلقي الضوء على الكائن يخرجه من الخفاء إلى الظهور، ليظهره كما هو عليه، وهذا الإخراج هو ما يسميه هيدجر إبداعاً، وإذا كان الصانع يسيطر على صناعته، فإن الفنان هو مجرد وسيلة الحقيقة لتحقيق ذاتها في أثر.

تأويل هيدجر للوحة الأحذية لفان جوخ تأويل فلسفي، يبتغي في الحقيقة تحديد ماهية الأثر الفني والفن بصفة عامة في علاقته بالحقيقة، فالسؤال عن القصد والمعنى اللذين يمكن استخلاصهما من قراءة لوحة الأحذية الشهيرة لفان جوخ قد ظل مع ذلك يطرح نفسه على النقد وتاريخ الفن، بحيث يمكن أن نتساءل "لمن تلك الأحذية البطالية، هل هي لفلاحة منهكة بالعمل في الحقول طوال اليوم كما أكد هيدجر في تأويله؟ أم إنها لفان جوخ نفسه، صورة لانكساراته وتمزقانه، كما ذهب إلى ذلك الناقد ومؤرخ الفن الأمريكي ميير شابيرو Shapiro ؟ أم لا يمكن ردها إلى إي أحد كما تساءل دريدا Derrida في رده على قراءة ميير  شابيرو".

وما هو قصد فان جوخ من رسم تلك الأحذية البالية؟ أيكون قصده هو الكشف عن حقيقة الحذاء كأداة، وما علينا سوى أن نحسن الإصغاء لما تهمس به من حقائق، باعتبارها انكشافاً لحقيقة الأداة وما يربطها بالأرض والعالم المعيش كما رأى هيدجر، أو قد يكون رسمها فان جوخ لتبقى فقط كمشهد جمالي على المعاناة اليومية، أم إنه قصد من ورائها تقديم صورة للفقر ومعاناة الفلاحين والطبقية في المجتمع الفرنسي في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، أم إنها شبح أو طيفspectre  ، لا يمكن إدراك حقيقته من وجهة نظر دريدا؟

والواقع أن دريدا يعتبر أن سؤال "ما هو الفن" إنما يتضمن هو ذاته فكرة مسبقة، وهي أن الفن / اللفظ / المفهوم له وحدة ومعنى أصلي، نقي، وحقيقة واحدة، وأن له دلالة متعالية، ثابتة، خارج لعبة الاختلاف، ومن ثم يرفض كل استطيقا تسعى لتحديد ماهية للفن، أو ادعاء إدراك حقيقة الأثر الفني كما سنرى في مناقشته لهيدجر وشابيرو .

تناول دريدا بمنهجه التفكيكي في كتابه "الحقيقة في فن التصوير la vérité dans la peinture" نص هيدجر عن أصل الأثر الفني، وكذا رد شابيرو عليه، ليعيد طرح قضية "لمن تكون تلك الأحذية"، حيث أسندها هيدجر إلى فلاحة، ورد شابيرو عليه لتأكيد أنها لا يمكن أن تكون إلا لشخص من المدينة، وقد يكون هذا الشخص هو فان جوخ نفسه، يقول: "بدون اكتراث مد شابيرو فخاً لهيدجر، يظن وجود زلة، إسقاط، تخيل، في نص هيدجر، نبهه إليه صديقه وزميله" جولدستين"، بدأ التحقيق، كتب إلى الأستاذ هيدجر... "إلى أي لوحة رجعتم بالضبط ؟" جواب هيدجر: "إن اللوحة التي أحال إليها في أصل الأثر الفني هي لوحة رآها في أمستردام، في مارس 1930، لوحة تحت رقم 255 في كتالوج الأعمال الكاملة لفان جوخ، المنجز من طرف دو لافاي  de la faille . لم يعد من الممكن الشك في نظر مؤرخ الفن، أن هيدجر لم يكن على صواب في تأويله، فالفترة التي رسم فيها فان جوخ تلك الأحذية 1886 ، كان يقطن في المدينة، في باريس، وليس من الممكن أن يمثل سوى أحذيته، أحذية حضري، لا أحذية فلاحة، كما اعتقد هيدجر" 2.

اعتبر دريدا أن قول هيدجر بأن تلك الأحذية ترجع إلى فلاحة، دون تحقق، يتعارض مع ما يقوله هيدجر نفسه ضد المحاكاة، وانطلاقاً من نفي أن يكون الأثر الفني محاكاة ونسخاً، ينتقد أيضاً شابيرو الذي أسند الأحذية إلى مديني، وهو يرى أنه إذا كان" شابيرو" على حق عند مؤاخذته لهيدجر في قلة اهتمامه بالسياق الداخلي والخارجي للوحة التي قام بتأويلها، فقد كان عليه هو أيضاً أن يتجنب نفس التسرع: أن يقتطع من نص هيدجر بدون حذر عشرين سطراً، وأن يفصلها عن سياقها، ويوقف حركتها، ليقوم  بتأويلها، وأن هذه الرغبة في إسناد الأحذية إلى شخص ما سواء عند هيدجر أو شابيرو، ليست سوى تعبير عن محاولة إرجاعه إلى من يعتبر نفسه كاشفاً لذلك، وبالتالي فليست سوى رغبة مقنعة في الاستحواذ على شيء وتملكه.

من الواضح أن دريدا إنما يوظف آليات التحليل النفسي الفرويدي في ربطه بين إسناد الأحذية إلى شخص، والرغبة في الاستحواذ والتملك، وفي نظرنا أن الأحذية، من حيث هي أداة، لا بد أن تحيل بالضرورة إلى الإنسان صانعها ومستخدمها، ولا علاقة بين إسناد شيء لشخص والرغبة في الاستحواذ عليه أو تملكه.

في نقده لهيدجر، يرى أنه لم يستطع التحرر من الذاتية التي سعى إلى التحرر منها، وأنه في سعيه إلى التخلص من تحليل الأثر الفني وفق المقولات الجمالية الميتافيزيقية التقليدية، ومنها  تنائيه الذات / الموضوع، فإنه مع ذلك قد وقع في فخ إحداها، وأن خطابه غير منسجم مع نفسه، غير متكافئ في صيغته البدوية،  وإحالته إلى الأرض وللعمل الشاق للفلاحة، فهو إنما يستجيب لاستثمارات وجدانية، خيالية، إيديولوجية، وسياسية، يقول: "وضع حقيقة الانكشاف محل المطابقة، مهما كانت ضرورتها وقوتها النقدية، يمكن أن تبقى بدون سلاح أمام الساذج، والما قبل نقدي، والدوغمائي، أمام كل توظيف  وهمي إيديولوجي"  3. 

والواقع أن تفكيكه ونقده إنما يبتغي منه في الأخير تأكيد أطروحته الما بعد حداثية، وهي أن الأثر الفني البلاستيكي والأدبي يظل مستقلاً، إنه جملة من الآثار traces أو العلامات، معطى لإسقاطات من كل نوع، لكنها لا يمكن أن تستنفذه، وإن حضور الأثر الفني هو في اختلافه différence ، في انفتاحه على كل التأويلات والإسقاطات، بحيث لا يمكن أن ننسب إليه معنى واحداً قاراً، فهو يظل خارج كل ما يقال عنه، صامت، مكتف بذاته، وإن العودة إلى" الشيء" الفني لا يمكن أن تعني سوى تركه في لا مبالاته ولا معناه، وإسكات رغبتنا في تملكه. فحضور الأثر الفني في الأخير ليس سوى حضور للاختلاف، موضوع يأبى أن يختزل في هوية السؤال ما هو؟ 

يبدو واضحاً أن التساؤلات عن القصد والمعنى في كل قراءة للآثار الفنية هي التي تشكل خصوصية الأثر الفني، وهي تكشف لنا أن التأويل هو ما يحدد انتماء موضوع ما إلى الفن، وليس خصائصه الحسية أو الجمالية، وذلك ما أكده الفيلسوف والناقد الأمريكي أرثور دانتو  Danto الذي يرى أن للتأويل وظيفة مؤسسة للأثر الفني، وهو بالضبط ما يسمح  بتحول موضوع ما إلى أثر فني، وبالتالي التمييز بين ما ينتمي إلى الفن وما يوجد خارجه.

السؤال الذي انطلق منه دانتو في بناء نظريته عن الفن، هو "كيف أصبح من الممكن في الفن المعاصر النظر إلى بعض الموضوعات objects التي تعتبر مجرد موضوعات للاستعمال بوصفها آثاراً فنية"، وقد تبلور تساؤله ذاك في البداية بعد زيارته لمعرض اندي وارهول  ANDY WARHOL بنيويورك سنة 1964،لقد عرض فيه وارهول مجموعة من العلب تحت اسم brillo box ، لا تختلف عن علب "بريو" التجارية في السوق، كان ذلك منطلقاً لقول أرثور دانتو في مقالة له "أي شيء يمكن أن يكون فناً، ولكن ليس كل شيء فناً". 

ففي كتابه "تبدل المبتذل" transfiguration of commonplace الذي صدر سنة 1981 يتعلق الأمر بفهم التبدل الذي أحدثته الريدي ميد ready meads   لديشان Duchamp وعلب كامبل les boites campbell  وبريو brillo  لوارهول warhol ، في تحديد ماهية الأثر الفني، ومن ثم انصب  تفكيره في فهم التحول الحاسم الذي عرفه الفن في الحقبة المعاصرة، وطرح سؤال ماهية الأثر الفني في تميزه عن الشيء والأداة، عن كل موضوع  طبيعي أو صناعي، من زاوية جديدة معاصرة تكشف خصوصية الأثر الفني سواء في ماضيه أو حاضره .

على عكس التصور الذي يعتبر استعمال المفهوم هو الذي يحدد دلالته، أكد دانتو  أن الاستعمال لا يقول كل شيء، وأنه من غير الممكن تحديد هوية   identification ،  أثر  œuvre  كأثر فني  œuvre d art دون خلفية نظرية ، وثقافي، ف"رؤية شيء ما كما يقول دانتو كفن، يتطلب شيئاً لا يمكن إدراكه بحاسة البصر، كمعرفة مناخ النظرية الفنية، تاريخ الفن وعالم الفن" 4.   

وما يقصده دانتو ب"عالم الفن" ليس هو المؤسسات الفنية، كما تحدده المقاربة السوسيولوجية للفن، بل يعني به الأفق الثقافي والنظري الذي على أساسه يمكن النظرإلى أثر ما باعتباره أثراً فنياً، إنه مركب من المعارف والقيم والتصورات التي تشكل الحساسية النظرية لحقبة ما، فلقد كان من غير المستساغ أن تقدم علب بريو boites de brillo  لوارهول Warhol  كآثار فنية في نهاية القرن التاسع عشر.

فتحديد هوية identification أثر كأثر فني يعني عند دانتو تأويله، وليس ذلك ممكناً إلا بالنسبة لمن يكون متمكناً من ثقافة عالم الفن، وفعل التأويل هو الذي يحول العمل المألوف إلى عمل فني، وهو يوجد في قلب عملية التحديد أو التعريف "الموضوع لا يكون أثراً قبل هذه العملية، التأويل هو إجراء تبديل" 5.  

فخصوصية الأثر الفني لا تتوقف على خصائصه المادية أو الحسية، ونعني بذلك  جمالته أو ما قد يثيره في المتلقي من لذة استطيقية كما قد يعتقد، بل على كونه قبل كل شيء  تمثيلاً  représentation ذا بنية قصدية، إنه يكون دائماً "بصدد شيء ما" ، فما يجعل من شيء ما أثراً فنياً يميزه عن شيء مادي صناعي أو طبيعي، هو أساساً قصديته intentionnalité  وتأويله interprétation ، ويعنى ذلك أن كل إبداع فني يكون كذلك عندما يضفي على موضوع ما قصداً ودلالة ورؤية معينة للأشياء، بل إنه يعتبر أن التأويل يكون سابقاً عن الوصف description  ، لأنه يشكل الشرط، الوظيفة، التي تحدد أولاً الانتماء إلى الفن، وأن وصف أثر  œuvre   بوصفه أثراً فنياً، لا يستقيم إلا على ضوء تأويل، فالتأويل هو الوظيفة التي بفضلها يصبح موضوع ما متبدلاً transfiguré إلى أثر فني، 

والتأويل الفني يختلف عن كل التأويلات الهرمنوطيقية، بفعل وظيفته التكوينية، إذ يقتضي الرجوع إلى قصد الفنان intention ، لكن ليس بمعنى إعادة رسم  مسيرته الذهنية، بل بالوقوف عند العناصر التي لها علاقة بقصده التي تمكن من فهم عمله على ضوء نظرية الفن في حقبة معينة، فهوية الأثر الفني ذات طبيعة تاريخية، وفي علاقة حميمية مع المناخ النظري  الخاص بكل حقبة.

ف"مجرفة الثلج " pelle de neige  التي عرضها مارسيل ديشان بعنوان "قبل الدراع المكسورة In Advance of the Broken Arm" كأثر فني، ظلت هي هي في ماديتها، عندما حولها ديشان من مجرد مجرفة إلى أثر فني، وهذا يعنى أنها في ماديتها في شيئيتها لا يمكن أن تكون سوى جزء من الأثر،  ولما كانت المجرفة والأثر شيئان مختلفان، فذلك يعني أن ديشان قد أضاف شيئاً جديداً للمجرفة لتحويلها إلى أُثر فني، فإذا نزعنا المجرفة من الأثر يظهر أن ما يتبقى هو العنصر الحاسم  في عملية تبدلها أو تحولها إلى أثر فني، وهذا الباقي كما يقول دانتو هو التأويل، وهو الذي يشكل العمل الفني. 

فعملية تحويل شيء مألوف إلى أثر فني، كما هو في الفن المعاصر، تكشف المسافة الموجودة بين المجرفة كصورة والمجرفة كموتيف، وعلب بريو لوارهول بدلت العلب التجارية إلى موضوعات فني، فهي تجلي خاصية جوهرية للآثار الفنية، وهي وضع شيء للرؤية من زاوية معينة، إنها تفتح أفقاً جديداً لرؤية الأشياء.

ولما كان الأثر الفني تمثيلاً رمزياً لشيء ما، ذي بنية قصدية تأويلية، فإنه لا يخلو من عتمة، ومن ثم قابليته لتعدد التأويلات، أليس ذلك ما يمكن استنتاجه من تعدد تأويلات لوحة الأحذية لفان جوخ !  ألا يجوز القول إن قيمة وقوة الأثر الفني هي في انفتاحه على عدة تأويلات؟

 

= الهوامش:

1/ هيدجر" منبع الأثر الفني" ترجمة إسماعيل المصدق / منشورات المشروع القومي للترجمة / المجلس الأعلى للثقافة / القاهرة 2003 ص: 82.

2/Derrida  la vérité en peinture  Flammarion  1987  p  314 _ 315          

 3/ نفس المرجع ص: 362.

44/ "الجمالية المعاصرة" / مارك جيمنز / ترجمة كمال بونمير / منشورات ضفاف، ومنشورات الاختلاف 2012 ص: 135.

55/Arthur Danto   la transfiguration du banal une philosophie de l art   tra de l anglais par Claude Hary Schaffer   édition le seuil  1989    p 218.


كمال فهمي.

المغرب.

Kamal Fahmi


* التدقيق اللغوي: الأستاذ عبد الرحمن بوطيب.

المغرب.

لأول مرة أنام / قصة / الأديبة المغربية الأستاذة سلوى الإدريسي



{ لأول مرة أنام }

قصة. 


عادة ما تستفيق تلك المشاعر الدفينة فجأة وفي مكانها غير المناسب، لقد بقي ذاك البركان الخامد حبيس كينونته دون انفجار. 

كان يوماً من هذه الحياة، لكنه لا يتكرر، ولن يتكرر... صرخت في وجهه بأعلى صوتي، نعته بما هو عليه، لم أكثرت للحضور المجتمعين في القاعة. 

لم يجبني بكلمة، كان كاللوح الذي يطفو فوق الأمواج... كان يظن أنني لست قادرة على هذا التصرف، فلطلما نعتني بالجبانة، كنت بين يديه طوال السنوات العشر الماضية، ولم يكف عن فعلته يوماً واحداً... 

يتنفس الناس عبر شهيق وزفير، وأتنفس أنا بالأنين... لم يرحم طفولتي ولا ضعف قوتي، كان كالوحوش لا تمتثل إلا لرغباتها، انفجرت وانتهى الأمر... أحسست لأول مرة معنى أن تطير خارج القفص، حتى لو لم تكن تعلم أين وجهتك، ولا ماذا ينتظرك في ذاك الأفق الواسع... المهم أنك تطير دون قيود.

لم تكتمل حريتي في ذاك اليوم، حيث تفاجأت بصفعة على خدي من أقرب الناس  إلى... كانت "أمي" تنعتني بالكاذبة...

نسيت الكلام وقتها، كأن لساني أصابه الخرس، ثم نطق هو بعدما حصل على التأييد، وقتلني بكلماته المدوية: "فعلت هذا لكي لا أخبرهم عن صديقك الحميم، يا لك من شيطانة تحاولين تزوير الحقائق أمام العائلة"....

نظرت إلى أمي رأيت في عينيها دموع التأسف، كأنها تقول لي ليس المكان المناسب يا ابنتي، بدأت الوشوشات تملأ القاعة... بعضهم غادر، والبعض الآخر في حيرة من أمرهم، لم يعد لدي خيار سوى السكوت القاتل من جديد...

عدنا إلى المنزل نحن الثلاثة، كان مبالغاً في اللطف مع أمي، فاليوم كانت ذكرى زواجهما العاشرة، كأنه يقول لها لاتكثرتي إنها مجرد مراهقة. 

دخلا غرفتها، ودخلت عرفتي... كانت الليلة الأطول على الإطلاق، عند حلول الفجر دخل كعادته لغرفتي... هددني بأبشع التهديدات... توعد وصرخ بشكل هستيري... اقترب من الشرفة ليستنشق الهواء... تمنيت أن أدفعه ليسقط قتيلاً، لكنني تراجعت، فأنا لست بتلك الشجاعة. 

في اليوم التالي استيقظت وكأنني نمت دهراً، كنت أشعر براحة كبيرة... توجهت نحو المطبخ لأساعد أمي في تحضير الفطور... كان شكلها غريباً وترتدي ثياباً بيضاء، ولم تضع أية زينة على غير عادتها... استمرت على هذه الحال شهوراً طويلة... لم أعد أرى زوجها في المنزل... ربما تخاصما،أو ربما رحل دون عودة. 


سلوى الإدريسي

المغرب

الاثنين، 25 يوليو 2022

جدتي / نص سردي / الدكتورة سليمة فريندي / المغرب.



د.سليمة فريندي


                      { جدتي } 

دافئ جداً فراش جدتي، كنت في طفولتي أسحب نفسي كل ليلة لأنام إلى حانب جدتي في سريرها الواسع، وأحظى بحكاياتها العجيبة، وحرارة جسمها في ليالي الشتاء الباردة.

كنت أقترب منها، وأقبل جبينها المشرق، فتضيء روحي وتصفو نفسي، أتأمل وجهها الوضاء، وعينيها الصافيتين، وهي تحرك شفتيها بصوت كاتم، وتحرك سبابتها ممررة حبات التسبيح البيضاء اللامعة والبراقة كالنجمات في كبد السماء ليلاً.

امرأة سبعينية تشرف على شؤون بيتها وتعمل بدأب النمل دون تأفف أو تضجر، تطبخ طبيخها وتخبز خبزها دون ملح كل يوم، وتسقي وتعتني بأزهارها وورودها بكل حب ودعة، وأنا أرقبها من النافذة، كنت أزورها كل يوم، وأحيانا أنام عندها، أنتشي برؤيتها، وهي تتفقد مملكتها الصغيرة، أستمد منها الطاقة والقوة، وحب الحياة بكل تفاصيلها، وبساطتها. كنت أعشق جدتي الحنونة، روحها الطيبة، ونظرتها للحياة، كلامها وحكيها مع الناس، أشياءها، خزانتها المنقوشة، ملابسها المرتبة، عطرها الزكي، طبيخها الشهي، حتى خبزها رغم أنه كان معجونا بلا ملح، أحببت طعمه.

ولازالت جدتي رحمها الله، بطلة كل أحلامي، ومثلي الأعلى في الحياة... أناجيها وأحكي لها همومي وعذاباتي، وأبوح لها بأسراري، أعود إلى عالمها كلما صفت ذاكرتي وتملكني الحنين إلى ذلك الزمن الجميل، وتاقت روحي إلى فضاء ذلك البيت الآمن الهادئ إلا من صوت جدي وهو يشتم ويلطم و يصرخ في وجه ذلك الملاك الطاهر:

— "لماذا وضعت ملحاً زائداً في الطعام؟ 

كيف لك أن تهرقي الحليب على الأرض؟

لماذا لم تكو القميص الأبيض؟

لم تعودي صالحة لأي شيء أيتها العاجزة".

أذكر أنه في إحدى الليالي ضربها على ظهرها ضربة قوية لأنها نسيت الباب مفتوحاً ولم تغلقه، نظرت مشفقة إلى جدتي وقد تملكها الرعب والفزع، كتمت أنفاسها وابتلعت لسانها، لم أتمالك نفسي ونسيت حدودي ولم أر فيه إلا صورة رجل ظالم قاهر، صرخت في وجهه:

— "كفى ظالماً... كفى قهراً... كفى تجريحاً... كفى ضرباً... 

 لماذا تعامل جدتي هكذا؟". 

دخلت في حالة هستيرية من البكاء والصراخ، والعويل... صفعني جدي صفعة قوية أسقطتني أرضاً، ولم أعد أرى سوى هالات سوداء... ظلام أسود حالك كسواد ظلم جدي لجدتي يحيط بي ويدفعني إلى هوة سحيقة و عميقة.

صرخت  صرخة مدوية بكل مافي أعماقي من قوة... ثم دخلت في غيبوبة، و لم أعد أعِ بمن حولي، ولا بماذا حدث بالتفصيل بعدها.

استفقت بعد الحادث بثلاث ساعات، كنت مصدعة وجد مرهقة ومتعبة... صرت أبحث هنا وهناك عن ملاكي وأسأل عنه:

— "جدتي... جدتي...". 

 لقد كانت جدتي طوال الوقت جالسة بالقرب مني، تحرسني، وتدعو لي، وتراقب أنفاسي، نظرت إليها بعينين دامعتين وقلت لها في نفسي:

— "آه يا جدتي الغالية، كم أحبك وأقدرك وأقدر صبرك وتحملك.

كيف لك وأنت بهذه الطيبة والحنان أن تتحملي كل هذه القسوة والعنف وتستمري في الحياة والعطاء بتبسم وصبر، لا لشيء إلا لأنك تحرصين على سعادتنا نحن، ورؤية كل أولادك وأحفادك مجتمعين وتفرحين؟! 

كم أنت عظيمة يا جدتي! رحمك الله وأسكنك الفردوس الأعلى".


د. سليمة فريندي.

المغرب.


الجمعة، 22 يوليو 2022

لا فائدة / الأديب المصري سعيد إبراهيم زعلوك.


{ لا فائدة } 


لا فائدة 

رحيل كوى القلب

 بفقدان كل الأحبة

غمرتنا الأحزان

الأجواء كئيبة

 صارت باردة 

الزهور ذابلة

والبلابل كفت عن الغناء

والعصفور فوق الشجرة يبكي 

كل شيء تغير 

كل شيء تبدل 

تقريباً كل الأشياء

صارت مثل الجمادات قاسية 

وجامدة

الحزن فاض من القلب 

الأوجاع صارت زائدة

أشتهي أن أرجع كما كنت قبل عام 

يفيض قلبي بالحب 

وروحي بالغرام

ويرجع عن خرسه لساني 

ويفيض بالكلام

ترى هل يحدث هذا الأمر 

ربما يحدث

 الاحتمالات ممكنة 

وكل الأمور واردة 

ربما يضحك من جديد قلبي 

ربما تشرق شمس نفسي 

وربما تؤوب روحي الشاردة 

لكن حتى الآن

لا أرى فائدة 

كل ممكن حتى الآن مستحيل  

كل شيء ضاق 

صار ضحلاً 

وانسدت كل الطرق 

حتى روحي سدت 

وسدت الشرايين  

والأوردة.


سعيد إبراهيم زعلوك

مصر


حائط المبكى / نصوص هايكو / الأديبة الشاعرة والهايكيست الليبية الأستاذة نينة السرتاوي.



Haiku 


صدرك حائط المبكى 

اللهفات 

تخنقني جوعا 

ta poitrine est le mur des lamentations 

les ardeurs 

m'etouffent de faim 


صدرك حائط المبكى 

متعب جدا 

ينزلق التوق 

ta poitrine est le mur des lamentations 

très fatiguée 

l'aspiration s'enlise


صدرك حائط المبكى 

تتسع لي وللشوق 

ذراعاك

ta poitrine est le mur des lamentations 

m'acceuillent avec le désir 

tes bras 


صدرك حائط المبكى 

كالشغف أهطل 

بداخلك 

ta poitrine est le mur des lamentations 

comme la passion je coule 

en toi 


Nina Alsirtawi Libya©

Traduit par Olfa Kchouk Bouhadida

الخميس، 21 يوليو 2022

زمن... ولا زمن / الأديب التونسي الأستاذ لطفي الستي



{ زمن... ولا زمن } 


هل ترى الأفق واضحاً... جليا...

هل ما زال الطفل يركض في الحقول...

وجارتنا هل ما تزال تحول الطين جفونا...

والكحل... أما زال يغازل العيون...

والشمس... أما زالت تخترق الضلوع...

تجفف الأسى... الوجع... والدموع...

تأمل الزمن طويلا...

اختل به...

لا تجعل الكلمات ترتجف بين شفتيك في حلقك.

اخرج من خلوتك... حرك بيادق الرقعة...

فقد صدئ الملك على كرسي السلطة...

تجمد الحراس من الصقيع والبلل...

اسأل... ما لك يا زمن...

فما عدت أدرك بعضي... أدرك كلي...

تهت بين أجراس الكنائس وصدى المآذن

ضعت بين صمت البشر وضجيج المدن ...

انمحت عناوين المحطات...

تشعبت المسالك والسبل...

فانطلقت أعدو... أزحف...

أحلق بأجنحة مثنى وثلاث ورباع...

كملائكة احتارت بين سؤال وسؤال...

تردد صدى أمنيات... ذكريات... أحلام...

تبحث عن ملاذ قبل أن تنشر الصحف وتخط الأقلام 

تخترق المجرات... بين أساطير الوجود والعدم 

فلا تسمع سوى رجع أنفاس حائرة...

بين ارتدادات فناء... رحيل... سفر...

في مهب ريح مزق خيوط النجم والقمر...

فيكبر  السؤال بين أنقاض الأجساد والأرواح...

يتعاظم بين تيه وضياع...

ما لك يا زمن.


لطفي الستي

تونس

وجع المحاق / الأديب العراقي الأستاذ باسم جبار



{ وجع المحاق } 


حزن يخامر الطين

ظلمة وسواد

يشتكي سرابيل القلق

تستيقض الروح

تعتلي عرش إشراقها

تضيء مشاعل الوجد

في زوايا جسد

لايتشهق إلا نهيق الطين

ولا يعتلي إلا عروشا

من ورق

يتعالى صهيل أحرفي

تستبق أحلاما....

حبلى بأضغاث سراب

لا تلد إلا ليالي عضباء

تشتكي وجع المحاق


باسم جبار

العراق

رثاء ولد / خاطرة / الأديبة الشاعرة اللبنانية الأستاذة ريما خالد حلواني


{ رثاء ولد }

خاطرة. 


أرثيك يا محمّد 

وأنت في عز ّ الشباب الواعد، لو تعلم

 كم كان الفراق مؤلمًا! 

خرجت من بين ضلوعي

واليوم تخرج من أحشاء الكلمة،

تركت في فكري تراثًا عميقا   

وأخذت قلبي ولم تعد.

بقي المكان فارغًا،

لا يدخله أحد،

كيف للضلوع العودة لمكانها وهي

 بانتظار نبضك.  


أينما وجّهت نظري، أرى صورتك، أراك

 في نور الشّمس، وفي ماء الغمام،

 وفي كلّ  جميل… وينساب دمعي

 يروي حنينًا ينوء بعبئه، وألمًا ألمّ بهذا

 القلب، من كل حدَب وصوب. 

أبكرت بالرّحيل، وخلّفت وراءك جراحًا لا

 ينضب نزيفها، 

تركت أنهارًا من الدّموع...

وشلّالات حزنٍ... 

وعواصفَ في أعماق الرّوح

لا تهدأ ولا تستكين. 

سأظلّ رغم البعاد أناجيك: 

تعال يا فرحة عمري، 

وخذ من عمري ما يحلو لك، 

تعال يا قلبي وخذ نبضاته 

ولا تهدأ،

تعال يا أملي وأعد إليّ الأمل، 

تعال واترك الحزن جانبًا

لأعيش معك ما تبقّى 

لي من عمر أحضنك... 

لكنّ المنيّة كانت أقوى منّي ومنك، 

أخذَتك بقوّة واغتصبت أحلامي،

دعَتني إلى مائدة الأحزان، تركَتني

 أرتشف العلقم. 

وبعد، فليس لي رجاء سوى أن يتغمّدك

 اللّه بواسع رحمته، وأن يجمعني بك،٠

 في جنّة عرضها السّماوات والأرض.


ريما خالد حلواني

لبنان


ماذا بعد؟ / قصيدة نثرية / الشاعرة المغربية الأستاذة خديجة بوعلي.



{ ماذا بعد؟ }

قصيدة نثرية. 


ماذا بعد انتظار آتٍ

ما أتى... ولم يأت بعد

ماذا بعد أن تكسر المجداف

والصخر أحدث في المركب الثقب


كم غبي هذا الصبر !

يركننا  على رصيف

من بركة طمي

نأى عنها  الماء... 

غض عنها النقاء الطرف. 

نواصينا يُطعم قِرشَ الانتظار

يشرئب فينا من جديد ذاك القوس بلون الطيف 

نقترفه للمرة الألف 

عيناه جاحظتان

يحدق في المدى ملء اليقين / الوهم...

يتخيل السراب ندى

يغير لون عدساته اللاصقة...

 يرى ما لا يبدو ولا يُرى لعيون القلب المجردة... 

جوارب خطاه الممزقة يُرتِّق بعدَ رحلات  الدرب والمتاهة 

يلوح بوميض من اللاشيء

نعدو كالأطفال

فلا نلتحق إلا بالغثاء....

بالخواء

بالعناء

تفغر أفواها درداء 

 تسخر من الكبَد والضنى والركض 


ماذا بعد؟! 

ماذا بعد أن بلغ السيل كل الغرف المتواريات في الحشا

أسِرَّة الحلم فتَّتَ ريشها 

أغرقها في يم المحال واللاجدوى 


ماذا بعد ؟! 

بعد أن ابتلع  المدى كل أنوار الفجر

الشمس أحرقت ضفائرها

رمت برمادها في بؤبؤ القلب

أغرقت الغرف في  جب العتمة

 والصمت 

  

خديجة بوعلي

خنيفرة /  المغرب

شظايا من نص قديم: جرائم عمر / الأديب والفنان المغربي الأستاذ عبد الرحمان الغندور.



شظايا من نص قديم

جرائم عمر

هل تذكر  يا صاحبي؟؟؟

ونحن أطفال نلهو بأخطائنا...

نرممها بأخطاء أخرى، ونسير.

هل تذكر، أن الأيام نسجت لنا 

رداءَ عُمْرٍ لبسناه عشقا لهذا المصير؟؟؟

هل تذكر؟

حين كنا نستحلي نزق الشباب...

نصعد الجبال حفاة  

  ويسكننا جنون اقتراف الكبائرِ

ضد صناع الصغائر. 

هل تذكر كيف  سخرنا

من السجان والاستغفار وبيع الضمائر

وضاعفنا  نشوتنا

 بكل الذنوب، والخطايا، 

وقبلنا كل المصائر ؟؟


لا شك، أنك تذكر يا صاحبي...

كيف تعلمنا في الكهولة

 احتراف الجرائم...

نحرق الصبار والشوك والقتاد،

في بساتين التبن...وحدائق الكفارْ...

ننغص صلواتهم

و هم يتناوبون على الركوع للواحد القهارْ...

وهـا قد حـلَّ الخريفُ...

وابْـيَـضَّ الرأسُ يا صاحبي

ونحن وقوف نبصر الايامَ كلَّها...

من وراء السحاب

نتأبط  الكتاب بشمالنا...

والشعيرات البيض تقرأ ما  في صحيفتنا

وتخبر الناس في الملإ الأعلى

 أن الحب كان أكبر آثامنا

 والعشق كان أحلى الجرائم.

قال منكرٌ ونكير:

أخطاؤكم بعشر أمثالها...

الإثم الواحد بالقنطار...

جريمتكم  بقدر الزهور والورود 

وذرات الأمطار،

لا مَـحْـوَ اليوم، لا سماحَ، لا استغفار...

مثوى العاشقين خلود في فردوس السعير

و......نِــــعْــــمَ القرار....

متى... وحفيظتي على بندقية معلقة / قصيدة نثر حداثية / الشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بكري.


{ متى... وحفيظتي على بندقية معلقة }

"قصيدة نثر حداثية" 


متى...

أخذتني سفينة عينيك

إلى سدنة الأبدية 

كهارب من جزر حقيقتي  

أراود في صمت خائب

كعادتي 

دمعةَ قلب سجين

تسيحُ ردادا

من قبضة بَحَّار 

ترتعش نواياه على صخرة العدم 

حتى لا تخر قواه 

ويداه 

تعانق مجداف قدري 

وذاك على هدي خرير قيثارة  

ترقص على وترها

كلُّ حواسي 

وشهقات أنفاسي المتوترة 

تتحرك يمنة ويسرة 

كأنها تتعجل عمامة موتي

نمت في ركن قصي

من تمثلات مازالت لم تغادر 

مثلثات رأسي  


حتى... 

وإن رسمت وجهك

النائم في برواز ذاكرتي

نكسة على مر الجبين 

فوق قطعة نقدية قديمة 

وصقلت معدنها 

ببريق وجوديتي

لن أغير ميلاد موتي 

في رماد عمر 

أضناه 

شبح فزاعة 

تحرس شجرات عدمي 

خوفاً من قطاف 

قد تنتحر فيه شمسي   


وحفيظتي على بندقية معلقة

طلقتها موقوفة القدح

في مستودع الأموات

كنعش

تترقب أزيز رصاص 

محمول بدخان أصابعي 

ما زال يسري في جوف غيمات

لا سوداء ولا بيضاء 

هي اليوم مفرقعات أضحت 

في قداس فرح

يحتفي بسرب الأطيار 

في واضحة الليل والنهار 

ترددها معاجمي في وصلة كلمات

بلا معنى ولا إحساس

ضاقت فيها رحم الخليقة 

باسق يداي 

أراني كأني

على شرفات الفجر  

أقبض على فوتونات الضياء

فتبدو في عين الناظرين

 على شكل شرنقة 

مكبلة 

داخل قفص بلوري

تتمرن على الارتقاء

بخيوط

كانت عقد ألماس 

في موسم  أعراسي.


عبد الرحمن بكري.

المغرب.


الأربعاء، 20 يوليو 2022

قلب على شفق / قصيدة تقليدية / الشاعرة المغربية الأستاذة هند غزالي


 ...قلب على شفق...

يا قلبُ رويدا ، كفاك تلهفا
ما لعينك تمطر من الجفا؟

الشوق ناره تأجَّجت
وأَقسمتَ رغم ذلك بالوَفا

تطوفُ في الملكوت دون كَلٍّ
وتظل على الشفق معتكفا

سلاما عليك كلما أشرقت
شَمسُك زال حزنك واختفى

يا قلبُ تغوص بحرا جارفا
وتَرسُو على موج تعلوه عازفا

تَؤُمُّ سِربَ النوارس في السما
وتحط على ربوة الوهم مختلفا

لله درك فارسا على شطِّ العِدَى
تمتطي صهوة الحياة ،لست واجفا

بقلمي: هند غزالي 20/7/22


عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...