الخميس، 28 أكتوبر 2021

لا أحد يريدني / قصيدة نثر حداثية / الشاعر منقذ رضوي / العراق.


 * لا أحد يريدني *
قصيدة نثر حداثية. 
(مجنون يكتب للوطن). 

لا أحد يريدني
لا أحد يبحث عني
براءة خارطتي في كف جبرائيل
طلاسم الحقل للفقراء خرساء
أهل الله نائمون
طفل رضيع
لن يرتدي ثياب العرس
طعنات كلكامش
خالدة في كتف انكيدو
في ذاكرة النمل
عمياء طرق الرؤيا لإكليل الحمامة
ترى
من يصفع البحر في جوف الكؤوس
ليروي عطشي
الشمس طبولها همجية
ولادة الموت في نبوءة المجانين
لا أحد يحتفل لولادتي
من يقترب من أشجار الليمون
لا الثعابين ولا النساء
من عطش العسل لسرير القطن
كركرة الكناري في المهد
ذنبي
عاهرة فارسية تسكن جنبي
يرافقها اللصوص
السكاكين مباحة لقتلي
صفاء السراي
من رسمك الكل يمنعني
الرثاء فيك محرم
لا شيء في هويتي
من ثرثرة العشائر والمساجد
وهرهرة المآذن
إلا قصائد المتنبي ويتيمة ابن زريق البغدادي
صحف الله ملبدة بالسخط
على مكياج زبيدة ومجونها الملائكي
أسرار السماء في رحمي مخبأة
مجزرة الحفاة في الليل ينتظرها الشعب
الدماء
مداد أوراق بغداد حبيبتي المسكينة
مابين النهرين تاج الله
فريد في عزاء الشهداء
لو مشكاة بابل من مذبحة الأنبياء 
لقرأ جبرائيل لغة الآلهة القديمة
ولا أجهض أكذوبة العربية
إرث حريتي نبض المجانين
أعيدوا لي خرخشة الطبشور
هنا كرنفال تسابيح الكون
وميض كأس كهرمانة
شرفات النجوم الراقصات. 

منقذ رضوي.
العراق.


السبت، 23 أكتوبر 2021

شعر تفعيلة / الأديبة الشاعرة السورية الأستاذة أميمة الشعراني.


شعر تفعيلة

اميمة الشعراني 

سوريا

      

  


     انفصال

          ١

يغريني عالمنا السفلي:

وراء الأفق يوتوبيا

أسرجتُ الحلم للسفر ،قهوتي ساخنة تنتظر

رأسي لازال في النوم .أتسلل هاربة منه

أتسلق خيط الفجر مظلة٠٠تعلو بي

فوق الليت ،تجتاز تحولات الحلم

حبة قمح كيف صارت سنبلة!!

                ٢

هناك أراني خلف الحُجب

        أبكي     

            أضحل

               أصرخ

                   أجري

كالوحدي في عرس الطرق    

       لا أقنعة٠٠٠٠لا دموع تهدى في العلب

لاظلال تغتال مداي

وتحكم  عشتار القمر    

                 ٣

القلب يراقص قهوته،وقع الفنجان من التعب

والفكر يصحو بي :عودي 

ياقلب كُفَّ عن الأمل٠٠٠سراب التائه في البيد

ما كانت إلا تعميدا٠٠٠

أخيل في ماء الخلد

الشمس تبدو ساخرة

مظلة فجري تحترق

نصفي مع نصفي يتفق ٠٠ونعود تسير بناالدرب

في غيهب عالم منسي

نحن هذي الأرواح!!!!؟ أم

قبح التكوين المخفي!!!!

يتلبسنا٠٠٠٠نتقمصه٠٠٠٠٠نفق مظلم 

يُدخلنا عصر الكهف

تاريخ الثرثرة الفجّة

هيقات فينا منتصرة٠٠٠٠٠في الأعماق أنين

من أنتم؟؟؟؟؟!

          نحن!!!؟

                     ٣

نفتش ٠٠٠عنا في

البطاقات الشخصية

في السجلات الرسمية

في الدعوات٠٠٠٠في النعوات

وعلى شاهدة القبر

كم تشكو مرايا من القبح٠٠نستبدلها

ويظل الشك يطاردنا٠٠٠٠٠

ذاك النور فينا انكفأ

نمضي في الدرب سفلاً،نغرق في عمق الكهف

      نفتقد عالمنا المنسي٠


الجمعة، 22 أكتوبر 2021

أمي / اعتراف / الأديبة التونسية سعاد رحومة. .


 * أمي *

 كلي رغبة للبوح  والاعتراف، ليس هناك يوم معين لحب الأم، إلا أنني أردت إهداء التحية لكل أم،  وتحية خاصة لأمهاتي.
أمهاتي مغايرات مثلي ومتناقضات كتركيبتي، 
فكيف بدأت القصة، وما هو لغز الحكاية؟
زمان، ومن زمن بعيد كانتا امرأتان، لا تعرف الواحدة منهما  الأخرى، لم تتقابلوا،  ولم تظنا أني سوف أكون قاسمهما المشترك. 
واحدة لا ذكرى لها  عندي، غابت عني دون رجعة،  والثانية قضيت معها أكثر من نصف عمري، ناديتها "أمي" منذ نطقت بالكلام، هي أول من ضمني وأشعرني الدفء والحنان. 
حياتان في كياني متضادتان، لكنهما وللأسف حياتي: 
إحداهما كانت بمثابة  نجم هوى، بحثت عنه، تعبت لأجده، كلفني كل الشقاء، لكن لم تهتم  وبالعراقيل تعللت،. منافقة أو خائفة، أعذرها أو لا، أنا نفسي لا أجد الجواب.
الأخرى، هي الشمس  التي أضاءت طريقي،  والقمر الذي أنارني، سهرت على رعايتي  لحد كتابة هذا الاعتراف.
الأولى وهبتي الحياة،  أعطتني جذوراً جينية مبتورة بلا قيمة، خلقت لي رغبة التحدي.
والثانية علمتني كيف أعيش بكرامة، وجهتني، غمرتني بحنانها، وهبتني أصلها  وحبها اللامشروط،  ومهدت هدفي في الحياة. 
واحدة لم تمنحني إلا مقاومة ما أختارته،  وأورثتني جمالاً أوقعها، بينما الأخرى. أذابت كل أحاسيسها حباً لي، تلملم جراحي، وهي وهبتني الحياة وأن أكون  نفسي هدية تمنتها.
الأولى، رغم لهفتي، قررت إلغائي من حياتها. 
الأخرى كانت معي، ومهما تمردت، ومهما  أخطأت لم تخذلني. 
للأولى احترام الإنجاب، فهي حملتني وأنا في رحمها كنت، أتفهم شقاءها، لكنها قتلت معنى أنها أم أردتها. 
والثانية هي رمز الإيثار، و لا تقدر على دموعي، ولو أكون سبباً في تألمها. 
واليوم، وأنا أبكي أطرح السؤال الأبدي  أيهما أفضل؟
فهل هو الميراث  البيولوجية، أو التربية، وثمرة من أكون؟ 
أنا نبعت من نموذجين  مختلفين، من جذور  رفضتني، ومن مجهول  صدفة دخلت حياته. 
كل له ماضيه، ولكل اختيارات، وكل مسؤول عن قراراته، 
فكيف أكون وأنا لم أختر، بل فرضت على الكون؟
فحين تسأل معنى "أم"  حقيقة، لا يسعني إلا  هذا الجواب:
أمي من ضمتني وقتني من الشدائد، ومن أعطتني دون مقابل. 
أمي من  تصفح   وتسامح الأخطاء،. فالعمر الذي ضاع، والجذور المتجاهلة لا أكرهها، ورغم الصد   أجد لها الأعذار.
أحبك أمي، فمنذ. حملتني في حضنك ومضة حب خلقت بيننا، وبسمة رقراقة أفهمتني أني كل شيء  في حياتك، فأنت من أرضعتني الحنان، ومن علمتني كيف أخطو أول الخطوات، فكم  قرأت لي حكايات، أفهمتني معنى  الاحترام والتمييز بين  الصح والخطأ، دربتني التحليق عالياً، والشموخ وتحدي الصعاب. 
أمي من تابعتني وأنا  أكبر... فكل ذكرياتي،  وكل ماضي مع  من "ولدت في الحياة"، وخلقت مني كائناً مستقلاً. 
أتوجه لكل أمهات  العالم، شكراً على  تواجدك... والحياة هدية أجمل ما فيها وجود الأم. 
فاغتنموا حبهن، لكن لا   تنسوا أن الحب والتربية تفوقان بكثير  حب من أنجب  وتخلى.
ففي كل لحظة  أقول:  أنت أمي الحقيقية، وأنت الوحيدة التي أحبها... "سيدة" الكون  هي أمي، علمتني كيف أسبح في معترك الحياة.
أحبك، ولا غيرك أحب، وأبي "هادي" الطباع  كريم وجواد معطاء.

سعاد  رحومة. 
تونس.


سياط الصمت / نثرية / الأديب التونسي الأستاذ خليفة دربالة.


* سياط الصمت *


يهمس الموج الهادئ

لرمل الشاطىء

للأصداف المرمية

متناثرة هنا وهناك 

كأيامي الرتيبة

وحدي هناك

أتطلّع إلى اللاشيء

يرافقني صمتي

أحدّق في الأفق البعيد

هناك تكون النهاية 

أم تكون هناك البداية من جديد؟ 

نحو أفق آخر بعيد

بداخلي كلام كثير

وحكايات

يخونني صوتي

يملأ صمتي المكان

ويملأ صدري

تخنقني العبرات

من تراه يجيد فنّ الإنصات؟ 

من يسمعني 

حين تتكلم البراكين في عيوني 

وتخذلني الكلمات

وتتلاشى كل الأصوات

حين تهتزّ الصورة

تتداخل كل الألوان

حتى النوارس تحلق في صمت 

وحفيف أوراق الشجر 

لماذا كل الأحياء تعانق الصمت 

تعانق الموت؟ 

تحدثني ذاكرتي الخرساء 

كلاماً لا أذكر حتى ملامحه

ملفوف في السحب الداكنة

والضباب

تزداد سياط الصمت

تحدث آثاراً على سطح الذاكرة

و ندوبا 

حتى الذاكرة الملعونة 

تنزف في صمت

تبكي بلا صوت.


خليفة دربالة. 

تونس: 20 أكتوبر 2021.


السبت، 16 أكتوبر 2021

تهويمات في الساعة الهامدة من الليل / البذرة الأمينة / الشاعر الفلسطيني المغترب الأستاذ فايز حميدي.


تَهويماتٌ في السَّاعةِ الهامِدةِ من الليلِ 

* البذرةُ الأَمينةُ * 


أَيّها الغَريبُ 

أيُّها الضوءُ القادِمُ من الجُذورِ

أَمْلَد الخُطى

إلى أينَ يُشرِدكَ الرحيلُ؟

الدُّروبُ مُقفرةٌ مُظلمةٌ يَخنُقها الصَمت

وأنتَ المُسافِرُ الظامئُ 

يا سِيدَ الحُزنِ السَّامِقِ 

لَفَظتكَ عباءة الصَحراءِ وتواطَأت 

وأنكَرتكَ الشموسُ وَظِلالِها الجَريحةُ. 

 

أيُّها الغَريبُ 

أيحضُنكَ الصَّمتُ ورِداؤُه الكَئيبِ؟! 

أيَغمُركَ الحَنينُ وليلهُ المَنذورُ للزَفيرِ؟! 

خُطاك تَدقُ في العَتمةِ 

كَمعولٍ في بَطنِ مِنجمٍ عَميق 

صَدرُكَ وأنفاسُكَ تَهتزُّ

كَشهيقِ سَمكةٍ لفَظهاالمدُّ

كَموقدِ جمرٍ عَبرتهُ الرّيحِ.


أيُّها الشَّاهدُ الأبَدي 

الوهمُ أوَّلُ مَظاهرِ الحَقيقةِ

لا تُصدقُهم عِندما قالوا:

(إنّها النِهايةُ) 

إنَّ الكمالَ هوَ المَوتُ 

وإن النَقصَ هوَ استمرار الحياةِ 

حينَ يوَلّي كُل شيءٍ

فإن بَعضاً مِنهُ يَبقى

هيَ البذرةُ الأَمينةُ

تَأَبى الغَلبةَ وَتَهبُّ حُرة 

مُتَجذِرة كَشَجرةِ التنوبِ الفَتية 

مثلَ ابتسامةٍ سَعيدةٍ

في لهفةِ المُعذبينَ تَخْتَبئ 

في الفَجرِ المُتهيءِ للانبِلاجِ 

غَداً نُواري ضُحَانا القَتيل 

ففي دِمائِنا عَواصِفُ الثُّلوج 

وما تَبقى مِن ليلِ الخَريف 

هي الحَقيقةُ العارية. 

 

الكأسُ قد أُفرِغتْ 

والمَطرُ المَجنونُ يُطارِدُ الرّيحَ 

وَوراءنا يُومضُ السَّاحلُ للمرةِ الأخيرةِ 

تُنعقُ الغربانُ ويَرتفعُ العَويل 

وَباءُ الجّوعِ والقتلُ والتشريد 

والجَحيمُ بِنكهاتٍ مُميزةٍ

أيُّها الوَطنُ المَريض

هي الأرضُ هَيكلٌ يَتداعى 

وَغربةٌ عَديمة المَلامحِ 

يا زَمنَ الخَرابِ 

َكَرِهَ الحقُّ وبالبغيِ أفتَتن 

نَحنُ القفرُ يا أُماهُ ولا غَيمَ لَنا 

يَتامى حُب وَثَكالى وَطنٍ. 


(القدس الموحدة عاصمة فلسطين الأبدية).

فايز حميدي.

فلسطيني مغترب.


أسير الصمت / قصيدة نثرية / الشاعرة زهرة السوسن / تونس.



* أسير الصمت *


مجداف سفينتي

ولجج البحر متلاطمة

أي موج نازف

يجرح رمل الشاطيء 

ضربات متتالية

مكررة آلاف المرات

عما يبحث الموج

في الرمال

ربما حبيبة موؤدة

من زمن البدايات

بأرض مقفرة

 نكل برفاتها

ربما هوية زائر

ظلت روحه هائمة

ربما أرض مسلوبة

بغزوة مغول متوحشة

عله إرث ماء

أو حلاوة رمل

مل الموج البلل

عشق ممنوع

أمواج تسترق

القبلات

تحتضن الهمسات

وتحكي للمارين

عذابات الانتظار

وما يزال

 مجداف سفينتي

يرقب في صمت

عناق الأمواج والرمل

قصة عشق مبهمة

أو عداوة برتبة ثأر. 


زهرة السوسن. 

تونس.

الجمعة، 15 أكتوبر 2021

المدينة / قصيدة نثرية / الشاعر معاد كريفش / المغرب.


"المدينة"

قصيدة نثرية. 


صمت  الأحجار 

أعشاش إسفلت

غابة من ضجيج

عوالم مهجورة

براكين تنضج

تحت الكرام. 


تجثم المدينة

على قلبي

حزينة... رمادية

كالدخان. 


تكبر... وتتكبر

ثقيلة... مثقلة

ولاَّدة... قاتلة

تتبختر وتتنكر

وأنا أمام هولها

نملة لا تُذكر

على هوامشها أتذكر

ماذا أضيف أو انقص الآن

من خريطة الزمان والمكان

ماذا أضيف الآن أو أنقص 

من شبح ينقض... ويتمدد

وكم أشرب من ضباب لا يتبدد؟! 


هذا المساء

تتنهد المدينة

جميلة جريئة.


لا أحب امرأة

لا تتذكر

لا أحب امرأة

تدير ظهرها للبحر.


أصرخ من على صخرة

وداخلي بركان

وقلبي صرخة أوبرا.


أين اليخضور؟

أين العصفور ؟

أنَّى نور هذا الظلام؟

وأنى طهر هذا السخام؟


قاسية

تكبرين وتعبرين

شوارع النكران

وأزقة النسيان

هائمة

خائنة... وفية في آن. 


جمالك أسوار

وسوادك أنهار. 


من أنت لولاي

لولا ملايين

مني... غيري

ومن أنا

في هذا الزحام !


على الشارع القديم

كنت شاعرة

تذكرين ؟! 

كنت آسرة

ليتك تعودين 

أين الماضي

وأين الحاضر؟

كل الخاطر

مات الشعر

وانتحر الشاعر !


لكن هل ماتت المدينة؟


أتمشى هذا السحر

على الطرقات اللولبية

حاملا إياك

نعشاً على كتفي

من اغتال غزالة؟! 


متاهة... باهتة

تمحيني المدينة

تلقيني نقطة ضوء بعيدة

في عتمة المكان

تشربني قطرة ماء

في صحراء من عمران. 


ولادة... قاتلة

كم أرسلت من دموع

وكم خنقت من شموع؟


باهتة منهوكة متآكلة

تجترني المدينة

تمحيني المدينة

تحيلني

على هوامشها

ذرة من غبار

تخرسني 

صمتاً لا ينتهي

في الأحجار. 


أمشي في شوارعها

شبحاً يصرخ

"كان كأن لم يكن" 

منفياً في صمته

هائماً تمتصه غيمة

تحت مطر أسود مدرار

هارباً كمن كسر ذراع العفريت

"أنا المدينة... والمدينة أنا".


أبحث عن مربع عشب

عن كوة إلى شساعة

عن نافذة

إلى شمس لاتغيب.


هذا المساء 

كانت المدينة تتراجع

تحت غيمها القرمزي

تشرب ظلها

وفي صمت مهيب

تطوي آخر خطواتها

نحو الشرق. 


هذا المساء

تبكي المدينة

دمعاً على كتفي

وتغتالني بدم بارد

وتمحو ذاكرة للنسيان. 


معاد كريفش. 

المغرب.


الأربعاء، 13 أكتوبر 2021

نصوص مائزة في سهرة السبت الكبرى الخاصة بالمرأة في الشعر العربي المعاصر بين احترام خصوصية،واقتحام حرمة جسد.











دراجة أبي / حنين ذكريات / الأديب الشاعر والقاص والمسرحي الأستاذ محمد علي عفارة / سوريا.


 * دراجة أبي *
 حنين ذكريات.
                      M-Ali Afara 

تغتالنا ضفائر الحنين بعبقها، فنغدو نزلاء لصور تدثرت بأحضان الماضي.
حين تتجمد في ذاكرتنا لحظات الزمن المنساب نحو الأفق البعيد، لا يعود لنا ملاذ إلا ظلالها. 
قطارنا المحمل. بصفحاتنا الزمنية عبر بنا ثم غفا على ضفاف عفرتها جدائل الجوري بطعم الفرح.
يدرك أبي تماماً المسافة الشاسعة التي تفصل بين دراجته القديمة الآلية الملقبة ب (أم الغرة) ودراجة ولده حمدي الحديثة ذات اللونين الأسود والكحلي متداخلين مع خطين أحدهما عسلي
 والأخر سماوي، والتي اسمها يشابه اسم أختي الوسطى مع أداة النداء (يا مها).
الفرق بين الاثنتين كبير جداً، فسرعة الأولى، التي كنا نلقبها بأم الديناصورات، كانت كسلحفاة بين شتلات الخرنوب.
أما الجديدة فكانت كالسهم، كالشهاب حين يعبر فضاءات السماء، وهي مدللة كلَّ الدلال، فالاقتراب منها كان ضرباً من ضروب المخاطرة، فالمقترب من مضاربها ربما تلحق به موجة من الشتم، ويتبعها أخي بقذيفةٍ من كندرة أو فردة قبقاب.  
أما "أم الغرة" فكان بيننا وبينها صحبة طويلة ومساحات للود، ولا مشكلة إن اقتربنا منها أو ركبنا على ظهرها، فهي من حملت همومنا بصمت دون تذمر أو تأفف، كانت تحملنا إلى مدارسنا أيام البرد والحر، وتصحبنا في مشاورينا إلى الغابة التي تحتضن الكتف الغربي لمدينتنا... أفراد العائلة كلهم يتذكرون جيداً حين ارتفعت درجة حرارة أخي الصغير ذات ليلة زارتها القذائف والصواريخ مشطت كلّ الأحياء. 
سيارات الإسعاف كانت منشغلة، ولا راداً لاستغاثة أو طلب نجدة، وحدها "أم الغرة" كانت على عهد الوفاء. 
على عجل  تم نقل أخي إلى المشفى، وأنقذ من حمى التهاب القشرة المغلفة للدماغ
 السحايا والتي غالباً ما تكون نتائجها كارثية كفقدان السمع أو النطق، أو الكثير من القدرات العقلية (الجنون)، لكن ما بال البشر يركنون للجديد ويتعففون من القديم.
فناء دارنا كان يحتضن الكثير من لقاءاتنا الجماعية، وفي كلَّ مرة كنا نلتقي لا نترك فرصة من فرص غياب والدي إلا وركبنا صهوات اغتيابه ورحنا نتقاذف الأسئلة عن سر تمسكه بأم الغرة ذات اللون الزيتي المخضرم، والتي سكنها التعب ولم تعد كما كانت في ريعان شبابها؟
قال أحمد ذات، مرة بعد أن ارتسمت على وجهه علامات السخرية والمزح، هي تذكره بالأيام الخوالي حين كان يضع أمكم وراءه ويذهبان إلى دوار المنشية لتناول صحنين من البوظة الشهية، وبعدها يطوفان الكورنيش عدّة مرات، يا جماعة والله أيام الرومانسية لا تنسى، ولها في القلب مكان، ومن ثمّ يغط في موجة من الضحك. 
أما أختنا الكبرى خلود، وبعد أن عدلت نظاراتها، راحت تشرح لنا الأمر فلسفياً على أنّه أعمق بكثير مما نعتقد أو نظن، فهي حالة مرتبطة بالإحساس الوجداني للفرد والمناخات العاطفية التي تربط الإنسان بالأشياء، وما ينشأ من حالة ود بينهما، يصعب جداً تمزيق هذه العلاقة، وضربت لنا مثل جارنا رمزي. 
أنتم تعلمون جيداً أن جارنا كان يربي عصفوراً كنارياً جذري اللون، كأنه فرد من أفراد العائلة، وكانت بينهما علاقة وجدانية أدهشت الجميع، حين توفي جارنا قبيل الفجر بقليل وجدوا أن الطائر هو أيضاً فارق الحياة مع خيوط الشمس الأولى.
هزّت رأسها مها بإعجاب وأتبعت: تصوروا يا جماعة بأن صديقتي هيام قالت لي إن جدها جاءته أزمة القلبية على أثرها فارق الحياة بعد يومين من نزوله المشفى حين تيقن بأن أولاده باعوا الجرار الفرسان الأحمر.
أما والدتي فكانت تقتنص أغلب الفرص للانقضاض على والدي والهجوم على ضرتها أم الغرة، فصوتها المجلجل ما زال يتردد صداه في أذاننا: خذ هذه الكركوبة من بيتي، وأرم بها على أقرب مكب للخردوات، انظر، ألا ترى أنها تحتل مكاناً كبيراً في غرفة المؤونة، ألا ترى الستائر العنكبوتية التي تلفها من أولها لآخرها... وبعد هذه الرشقات الكلامية من والدتي كان والدي يطلق تنهدات تملؤها الزفرات والأثنين، ثم يلتقط لفافة تبغ من النوع طويل القامة يشعلها بعود ثقاب، ثم يرمي به إلى أحد أصص النباتات التي تزين فناء الدار، بعدها يترك إشارات الحزن ويودع المكان. 
كانت والدتنا تمني النفس أن تسطر انتصاراً ولو وهمياً، كانت تلحق به وتعاود الرشق:
— يا سلام على هذا الحل، اشعل سيجارته ومضى، ثمّ تركني التظى بنيران الغيظ.  تعال، عد إلى هنا وخلصني منها.
يلتفت والدي نصف التفاتة، بعدها يضم لفافة تبغه بين أصابعه ويشير بسبابته لأمي: تذكري جيداً قول الأولين (يلي مالو قديم مالو جديد). 
كبركان هائج، والغضب يفور من خلية من خلاياها، كانت ترد عليه:
أنا أم البنين والبنات تقارنني بتلك الملعونة؟ يا حيف على العشرة، أنا التي أفنيت عمري وأمضيت حياتي كلها خدمةً لك ولأولاك، ولكن ماذا أفعل، هذا حظي التعس، سامحنا يا ربي. 
ثم تقفل عائدةً إلى المطبخ، وغالباً ما تكون النهاية تحطم صحن زجاجي، أو زعيق طنجرة هوت من أحد الرفوف لتقبل وجه الأرض، وهذه جولة من جولات لم تسجل فيها أي تقدم على التخلص من ضرتها. 
في صباح يوم نيساني، الشمس راحت تقبل الحائط الغربي لفناء الدارة، وريقات الدالية تتراقص ترنماً بوشوشات الدوري ونسمات الصباح.
استيقظ أهل البيت على صوت همهمات وحشرجات عميقة، زغرودة انطلقت من فم أمي. بطول نهر العاصي حين لاح لنا جسد والدي وهو يجر وليفته أم الغرة إلى الخارج.
ثم أتبعتها بتنهدة وقالت: 
الحمد لله، جبل وانزاح عن صدري، لك الحمد يا ربي سمعت دعائي. الفتت نحونا ووجهها الباسم قالت:
اليوم أنا عازمتكم على مثلجات عند المنشية.
قال حمدي: مثلجات فقط؟ ألا ترين أن الحالة تتطلب أكثر من ذلك؟
ضربته أمي على كتفه ضربة خفيفة وقالت:
لا تكن طماعاً يا ولد.
لم يذرف أحد الدمع حين رأوها تغادر باب البيت، هي لحظات وتربعت على الرصيف أمام الباب، دار والدي حولها عدة دروات، جلس القرفصاء قالتها، أشعل لفافة تبغ، ومن وراء دخانها الكثيف راح يتأملها بعمق شديد وكأنه يراها للمرة الأولى.
رمى الثلث الأخير من لفافة تبغه، وهب مسرعاً إلى داخل البيت ثمّ عاد، كان يحمل بيده دلواً من الماء وإسفنجة وصابوناً، همس مبتسماً: ما رأيك بحمام يبعد عن كاهلك تعب وعناء السنين العجاف، ستعودين مثل الفرس الأصيلة، ستكونين كحمامة بيضاء.
 كان يرد تحيات الجيران الذين مروا به دون اكتراث لأنه منهمك ومنشغل جداً لدرجة الاستغراق الكامل في حالته. 
حبات العرق كانت تتزاحم على جبينه كحبات اللؤلؤ. 
صبّ الماء عليها بعد الصابون، وراح يلتقط الماء بمنشفة رمادية اللون، وأخيرا انتهى... ها هي ذي بكامل أناقتها.
كنا نحن أولاده نتبادل السؤال: ما الهدف من هذه العملية، وما النتيجة المرجوة منها؟
هناك من قال إنها استعداد للبيع، فمن غير المعقول أن يبيعها والغبار يسكنها، هكذا تصبح أكثر جاذبية ويكون سعرها جيداً. 
رأي أخر قال: قلبي يحدثني أنه بعد الحمام سيعيدها إلى مكانها، وكأن أفعى لدغتها، صرخت أمي: لا وألف لا، لن أسمح بدخولها البيت ثانية، والله ثم والله إن أراد إعادتها سأغادر لبيت أهلي، وليحدث ما يحدث، خلاص طفح الكيل بي.    
عاد ليتأملها بإعجاب شديد، منسوب الأمل بأعلى مستوياته يأخذه بحيويته ليعيد صديقته للحياة مرة أخرى، و بذلك يدفنون أيام المواجع والفرقة إلى الأبد.
لكن لحظات الفرح والسعادة سرعان ما تذروها الرياح إلى عوالم الغيب، وتلقي بها إلى بحور لا قرار لها.
حاول تشغيلها، لكنها لم تستجب، رمى بكل توسلاته أمام الأنبياء والصالحين، لكن كل ذلك لم يجعلها تقتنع بالدوران، بيديه المرتجفتين سحب خاصرتها، علبة بلاستيكية شفافة، اقتلعها، دق بها على كفه ثم نفخ بها، ثمّ أعادها إلى مكانها، تفقد البنزين فوجده وافراً، لا أحد يستطيع أن يخمن مقدار الفرحة التي اجتاحته حين سمع صوت دوران محركها الذي كان يشبه صوت الجاروشة... راحت عيون الجيران تستطلع مصدر الصوت، كانت ترمقه بنظرات الانزعاج وعدم الارتياح.
ليذهبوا إلى الجحيم في خاطرهم، المهم أن صديقته عادت للحياة، وتنتصب أمامه كصبية في يوم العيد... كبهلوانٍ امتطى صهوات المغامرة واندفع ليسابق الريح.
نسمات الهواء ملأت جوارحه بالنشوة، تترك لذاكرته أن تتقح أبواها ونوافذها حنيناَ لأيام الماضي حين كان أطفاله يركبون أمامه، وخلفه، وهم يصرخون ويغنون: أسرع أكثر  كان النسيم يداعب ضفائر شعرهم الحريري.
راحت مركبته تشق الزمن، وتقضي على كلِّ تلال الحرمان.
في آخر الشارع ولدت حفرة عميقة لصيانة أنابيب المياه، فتح الفارس عينه، ارتبك، طلب المساعدة من الفرامل، لكن للأسف كانوا بعيدين عن رد لهفته.
لحظة بلمح البصر غاب العاشقان في غياهب هاوية لا مستقر لها.
التأم الجيران، حاولوا إخراجهما من تحت التراب المتهدم من رطوبة المياه المتخلخلة به.
كلُّ محاولاتنا لإخراجهما باءت بالفشل، وكأن أبي وصديقته تعاهدا على الرحيل معاً.
جلست على الرصيف، أسندت جسدي إلى شجرة الكينوا، وراحت كلمات أختي تنقر ذاكرتي و ثنايا مخيلتي، نعم هناك أشياء لا يمكن تصديقها، خصوصاً العلاقات التي يكون منبعها الوجدان الإنساني.
التم عدد آخر من الجيران، جاءت سيارات الإسعاف والإنقاذ، ولكن حضورهم كان متأخراً لسنين عديدة.

محمد علي اعفارة. 
سوريا.


أختلس فرحة / قصيدة نثرية / الشاعر رحال الإدريسي / المغرب.



أختلس فرحة

من عمق الظل

ثناياك سلام من جرح

اختلس نظرة

من جفن متعب

أعياه السهاد

دمعتك خير مهاد

و الفرحة المسروقة

شعاع من بعاد

يعكس الوميض

في قلب و الموجات حب

كشمس باردة 

و الطيف منتظر 

سراب شمس 

تخترق غابات الثلج 

و الجبال مرايا تعكس الشعاع

أختلس نسماتك 

من ريح عابرة

أعياها طول الطريق

أعياها الالتواء 

نعم... أنا المختلس 

لسنوات من عمرك

نعم... أنا الباكي 

و هاته الحرقة من شمعك

كم تضيئين زوايا قلبي

و كم أغيب بين طياته

و كم أجوب أزقته متسكعا 

لعلي ألقاك... 

أتحسس دروب عطرك

بين الفجج 

أتحسس رعشات نبضك

بين المهج

مختلس أنا طيفك

مختلس أنا طرفك الخفي

لا تظلمي نظراتي

و قد باح الصمت

لا تظلمي جفنا مطبقا

لم يقاوم 

و لا صبرا أبديا

لم يساوم

على صفائح دم رسل

و على بوابة قلب تصل

تنبض كل ذكرى 

ترسم كل حلم انفلت

في حضرة القبض

في حضرة البسط

لا تظلمي زمنا

ينتظر عقارب رسمك

على خرائط قلب أحبك

لا تظلمي قلبا

خاط دقائق الزمن دما

نفث الأنفاس 

ليعانق روحك

و هذا حبر يمزق الدفق

لملامسة رهفك

لملامسة قلبك

فاكتبيني بالحب قصيدة


الإدريسي رحال.

المغرب.

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...