الأربعاء، 21 يونيو 2023

عطفات روضة الشعرية / وجع / الشاعرة السورية روضة الدّخيل، والشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب.



[ عطفات روضة الشعرية ]

* تناغم حروف قصائد نثر حداثية. 

بين الشاعرة السورية الأستاذة روضة الدّخيل، والشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب. 

——————————————————

1/ النص الشعري.

{ وجع }

قصيدة نثر حداثية. 

توقيع الشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب. 


[ وفي طريق منك إليك فيك يا وطني أحلام

           هيام

                     قليل من كلام

هو الليل

                أشجان

                وبغيض من ظلام

       يا وجع سنين حنين

سهاد يشد بخناق سهاد

                  وأنين وتين

باخوس كسر الخابيات

وتلك الدنان منه لا تستكين

             أيا سندباد

قف

       تمهل

هذي فينوس ترقب الرجال

      أواه يا وجع الوطن

          يا وطن الوجع

أشباه رجال

    ولا رجال

عند المنحنى فيك يا جب الحب انثنى غصن بيمامة الدوح

ناحت

         ما صاحت

دمعة من العين سقطت

وسقطت من دفاترك القديمة أوراق

         أدونيس

         هل ترحل والقمر الأحمر

بك الأغصان لا تميس

هذي الصبايا ما لهن رقص

                ما لهن دفوف

ما لهن... رجال

            رحل الذين...

وذي ساحات كانت عامرات قد منك فيك إليك يا وطني خلت

تساقطت أوراق

مالت انزياحات

تهشمت استعارات

وذاك الرمز كان أحمر قد بهت

أيا حلقة الشعراء كنتم ثائرين

وها الصمت اليوم الليلة رعاف

وما على الرصيف رفيق

ما في الدرب غير سراب وحريق

هو الوجع

                  يا وجع الوطن

                  يا وطن الوجع

     وطني

                  وتين حنيني ]

——————————————————

2/ العطفة الشعرية:

{ وجع } 

قصيدة نثر حداثية. 

توقيع الشاعرة السورية الأستاذة روضة الدّخيل 


[ لا أحلام في وطني

والحبُّ الخجولُ

في قلبي

يقينٌ متيّمٌ بك

فكفرت بالإيمان


ما بيننا ليلٌ طويل

يستأسدُ فيه الأرق

يكشّرُ عن أنياب الوجع

فينزفُ القلبُ زفرات  ٍ

كلُّ ما فيك يا وطنُ

أطلالٌ

وخيباتُ عاشقةٍ رسمت صورة فارسها

فوق رمال الذّاكرة

على شاطئ مجهول

حيثُ سقط غصنُ الزّيتون من منقار حمامة

فابتلعه الحوت

وسجعت بدمعها اليمامة


وطني

ما عاد يخفقُ برتابة الوتين

بل يرقصُ كعجوزٍ فقد الحماس

فإليك

ولكلّ من دقّ مسماراً في نعش القصيد

صمتي الحداد

فبماذا يفيد العتاب

والبرايا في براري البؤس يرتعون

وصوت المهرّج يعلو

ونحن العابرون على الإضم

 لنهزم الظّلم

ونرفع العلم

والصّدى في الكواليس يردّد

هتاف ببغاء

هيهات... هيهات ] 


Rawda Aldakhil 

Abdou Bout

الأحد، 11 يونيو 2023

كل شيء لزوال / الشاعر المغربي الأستاذ إبراهيم موساوي.



{ كل شيء لزوال } 

كلُّ شيءٍ كل شيءٍ كلُّ شيْ
لزوالٍ وسيبقى الله حيْ

كلُّ ما في الكونِ يجري راحلًا
وقطار الموت يطوي العمرَ طيْ

وصروفُ الدهر تغتالُ المُنى
وتُسيم الخسف أحلاماً بِحيْ

لا تقل ليتَ لماذا ومتى
كل شيء بقضاءٍ يا بُنيْ

أين ما مرَّ تلاشى وانتهى
أين عمرٌو أين ليلى وقُصيْ

أين "بشَّارُ"و"إخوانُ الصفا" 
 أين "شوقي" أين "جبران"و"ميْ"

كم تمادى من شقيٍّ في الدُّنا
فمضى بعد جناياتٍ وغَيْ

وتداعى حيثُ أبقى ذكرَه
قابعاً في الُّلؤم مثلَ "ابْن أبيْ"

هذه الدنيا امْتحانٌ غامضٌ
قلَّما يجتازهُ من فيه عَيْ 

فتأفَّفْ عن مساويها تجدْ 
نفحةً تعلو مُحياك برَيْ

وتعفَّفْ واتركنها واغْنمنْ  
للَّتي لابد منها يا أُخَيْ  

وارْحلنْ منها بذكرٍ طيبٍ 
تلق خيراً إن تودِْعها بُنيْ

إبراهيم موساوي.
المغرب.

المسافر / قصيدة نثرية / جميلة بلطي عطوي / تونس.



{ المسافر } 

الأديبة التونسية الشاعرة المتعددة الأستاذة جميلة بلطي عطوي. 


عندما تحاصرني  الوحشة  

أشتهي  منادمة البوح

في المداد  المهووس بالضّياء 

أصبّ سلاماً معتّقا

أهديه للغيمة العابرة 

أوصيها أن تسقي الوردة البريّة 

تلك التي تعانق  وجع المغتربين 

بين الأحياء. 


على مشارف الرّغبة  

أحضن الورقة ملء الشّغف

أخربش عليها بعض ذهولي 

تتمطّى الخطوط كما أفعوان

تخطفني من بؤرة الضّجر

تسرح بي في  المداءات العجيبة 

أو تغوص في يمّ الأساطير 

فتتداخل في عيني  المشاهد 

موج ، محار ، جمان

وأراني في صخب الهدير 

أكرع من اللهفة السّاكنة في الكيان

 أمسك بتلابيب البياض 

أدفع الخطوط المتشابكة 

أبحث عنّي في الخضمّ

والحنين يشحنني 

كطائر مهاجر يروم عشّه القديم 

يتوق إلى الأمان. 


في عمق المدى 

على ضفاف مدن الماء 

ترميني الصّدفة 

يا للدّهشة 

ووجهي على الأسوار

يبتسم 

يغمز بالعينين 

أن تعالي يا هاوية القمر 

إليك مني باقة نجوم 

إليك جلسة  في الخلوة المثلى 

إليك الرّحلة دون تذاكر 

إليك المدى والسّفر 

أنت المضيفة والطيّار 

وأنت المسافر 

حقيبته حلم 

ونديمه حفنة أشعار


جميلة بلطي عطوي

تونس: 6 / 6 / 2023.



الجمعة، 9 يونيو 2023

عين على قصيدة / الزجال محمد النواوي يغني للمحبة / الناقد نور الدين حنيف أبو شامة.


{ عينٌ على قصيدة } 

* الحلقة الثالثة * 

[ الشاعر المغربي الزجال محمد النووي يغني للمحبة ]

 

في زجلية ذكية بناءً ودلالة، قبل أن يحكمَ الزجليةَ موضوعُها المتناغم في تكريس مقولة المحبة، حكمها الميزان، فجاء البيتان الأولان إيذاناً بصوغٍ زجليٍّ جديد وجدير بالقراءة والعناية النقدية، وذلك لما يحملانه من شحنة إيقاعية تزفّ إلينا خبر المحبة على طبق صوتي وسمعي يغري بالمتابعة الواعية لزجال يتنامى قويّاً في بناء عالمه اللهجي بامتياز.

قال الزجال محمد النواوي:

"مناش اللي

تجيبني على هواك

مناش اللي

دّخلني سوق جواك"... 

وانظر معي أيها القارئ إلى التقسيم الذكي والماكر لمقاطع البيتين بتكرار وحدة لسنية مشحونة باليقين "مناش"، وتقابلها في اللغة العالمة عبارة (لستُ أنا منْ...)، وانظر معي أيضاً إلى اختزال اللهجة واقتصادها القويين لمجموع الدلالات الكامنة في نفيِ الشك وإثبات اليقين "مناشْ" تَجِدِ الزجالَ إذن في قوة البناء يختار من الزجل أنسبه، ومن فن الإبداع اللهجي أقواه لأنه يعلم علم اليقين أنه في خوض فن الزجل إما أن يكون أو لا يكون، على اعتبار أن ساحة الإبداع الزجلي أصبحت عامرة عماراً فاسداً بالردئ والضعيف والخاوي والمتطاول... وهو في هذا السياق أبى إلا أن يحمل رسالة الجودة معلناً بداية الفن في فن الزجل عبر بداية زجلية موفّقة في ترسيخ فعل المحبة في وعاء لهجي راقٍ ومسؤول.

يعلن الزجال عن هويته المفتوحة والمنفتحة على الآخر في غير سذاجة، وفي غير خديعة، لأنه ينفلت من قبضة الغدر بحزام السلامة العمري رضي الله عنه (لستُ بالخبّ ولا الخبّ يخدعني)، وهي المقولة التي دعمها ابن القيم في وصفه لعمر بن الخطاب (وكان عمر أعقلَ من أن يُخدع وأورعَ من أن يَخدع).

من هذه المشكاة اقتبس الزجال محمد النواوي سيرة المحبة وكرّسها في سياق لهجي مبدع يتبنى فكرة الاستقلالية التي تجعل الذات المتكلمة بعيدة عن شباك الآخر وكمائنه المُغرّرة والتي صاغها الشاعر في مفردتين دالتين "الهْوى والجْوى" بحمولتهما الشعبية المنغرسة في الوجدان المغربي، وقد صاغها في تناص مع المسكوكة الدارجة (ادخل سوق جْواك)، وفيها ما فيها من التلبس الدلالي الواخز والعميق في وخزه. 

إن الضامن لهذه المناعة القيمية هو امتلاك الذات المتكلمة لقلب عامر بكل الطاقة الإيجابية، وقد عبّر عنها بمفردة أكثر دلالة وهي تمتح من التعبير اللهجي السائر بين الناس. قال الزجال النواوي:

"إلا كان الݣلب عامر عطفة"، 

وهذه الطاقة هي العاطفة أو الوجدان أو الداخل المعتمل عبّر عنه بالحذف الدارج للألف (العطفة)، وهي مفردة تشي بالحمولة الدلالية الشعبية أكثر من المفردة العربية العالمية، وفيها دلالة على الانعطاف، كما فيها دلالة على العاطفة، وفي كلٍّ خير لمقولة المحبّة. خارج هذه المناعة، أي القلب العامر يمكن للذات أن تسقط في محظور الغواية التي يبني كمائنها الآخر المُغْرِضُ والمُبيّتُ شرّاً وحسداً وضغينة...

ولن تكتمل صورة المحبة في بناء أحادي منقوص، بل لابد من تواطؤ الذات والآخر في سيرورة قيمية تصنع التناغم، وتذهب بالعلاقات الإنسانية مذاهب العمار والخير والجمال إلى أقصى حدود المذهب... قال الزجال في هذا التناغم:

"نحلّو صدفة صدفة

نزطمو عل الشوك

ؤ لا بان لغدر

منّي ؤ لمنّك

نحفرو قبر

ؤنترمو فيه

حنايا بزوج". 

في قمة الوعي يتم صنع القرار في حالة النشاز، أي في حالة الغدر، وبمعنى أخر: نحن لا نستحق الحياة مادامت فلسفتنا مبنية على الغدر، وفي فائض المعنى يكاد يراع الشاعر أن يرسم نهاية كل العلاقات المبنية على الغدر وهي القبر بحمولته الترابية والتي تتناغم مع المسكوكة المغربية الشعبية (ما يعمّر عين بنادم عِ التْراب)...

تحياتي العاليات لك يا محمد على هذه التحفة الزجلية الخارجة من بهرجة القول إلى فعل القول وهي ترسم لنا معلماً واضحاً من معالم المحبة في غير سذاجة، بل في ذكاء العارفين، وهم الذين يسكتون على الإساءة لقوة منهم لا لضعف، وتحيات أعلى للبناء اللهجي الطريف والظريف والذي يؤسس لزجل نغمي حامل للموسيقى وللدلالة ولفائض المعنى لمن له قلب وسمع وذوق يمج الرداءة ويرحب ويرقص للجودة. أنت جيّدٌ يا محمد وأكتفي.


* نور أبوشامة حنيف. 


= المتن الزجلي: زجلية للشاعر محمد النواوي. 


مناش اللي تجيبني على هواك

مناش اللي دّخلني سوق جواك

إلَ كان الݣلب عامر عطفة

نحلّو صدفة صدفة

ؤ ندخلو بالسيف

قبل ما طّيح وراق لخريف

ؤ لكانت الطريق مسامية

نشݣوها ؤ يدينا مشابكة

ؤلكانت لمريرة نابثة

نزطمو علشوك

ؤ نمحيو ربيعها

بخطوات رجلينا حنايا بزوج

ؤ لَكان الزمان لَݣانا فالسما

نغزلو وقاتو صحبة

ونسرسبو اياماتو محبة

عمري ؤ عمرك

فوق الأرض نعيشوه بزوج

ؤ لا بان لغدر

منّي ؤ لمنّك

نحفرو قبر

ؤنترمو فيه

حنايا بزوج. 


* محمد النواوي.


 

الخميس، 8 يونيو 2023

هل وحدي / قصيدة نثرية / فاطمة البسريني / المغرب


[ هل وحدي ] 

قصيدة نثرية. 


هذا الصباح 

شعرت أنه السبت 

هذا المساء

شعرت أنه الأحد

وغداً، كأنه الاثنين

وأشعر بالضيق

في صدري 

لأنك قد تجعلني فرحة 

وقد تجعلني حزينة 

فأنا لا أريد نباتات عشوائية 

لأنها حائرة بئيسة 

كما قلب عشوائي حزين 

يمر به الزمان

دون أن يحب 

دون أن يتحرك 

دون أن يكون محبوبا

كما الأعشاب المجنونة 

لا شيء لها 

لا شغف

كل شيء متوقف 

سطحي 

لا يتغير 

يبكي حد الموت 

ذلك القلب 

دون أن يستطيع الموت 

كما تلك الأعشاب

تعيش مجبرة على الحياة 

في فوضاها الأبدية 

دون أن تلمسها يد 

دون أن تقترب منها

خطوات 

دون أن تشعر بأنفاس

بعض الأحيان 

تفقد الأعشاب المجنونة

كل المشاعر داخلها 

ويسكنها فراغ هائل 

هل وحدي

من أترك نظراتي

تمر عليها بحب وسلام 

هل وحدي أعرف

أنها تحتاج إلى

الحب والاهتمام 

الدموع والابتسام 

إلى الصمت والأحلام ؟


فاطمة البسريني

المغرب

 


الأربعاء، 7 يونيو 2023

رحال الإدريسي شاعر يحاور الماء في جلال التكوين / قراءة نقدية للناقد نور الدين حنيف أبو شامة.

 

[ عينٌ على قصيدة ]  
مع الزجال رحال الإدريسي. 

{ رحّال الإدريسي
شاعرٌ يُحاوِرُ الْماءَ فِي جلالِ التّكْوين } 

الماءُ مكوّنٌ فاعلٌ ومنْفعلٌ، لا يحضر في زجليّة الشّاعر "رحّال الإدريسي" بصفته الطبيعية المنسابة شكلاً سائلاً من السيولة، ولكنْ يحضر في القصيدِ كحقلٍ دلاليّ عامر الأبعاد، وصارخ بالرؤى، ومفعم بالرمز... يحضر إشكالاً سائلاً – من السّؤال – الْملحّ على الذّات بالتجلّي المتوتّر والْغاضب والْمترنّح بين وجودين: وجود الانحناء، ووجود الهامات.
"رحّال الإدريسي" مثقف من أبناء الصاخبة "البيضاء" سليلُ حيّ شعبي، أرضعهُ عشقَ المكان في امتداده الإنساني بدءاً بتخوم الدّرب، إلى حدود القرية "لْمرڭدْ"، إلى أفق الانتماء الكوني، في قناعة شعريّة جليلة بتبني شخصية الجمال في كلّ أشكَاله المُمكنة وغير الممكنة. 
نلتَقيهِ في زجليّة عامرة بكلّ شيء، ومزدحمة بالقوّة حتّى نسيتْ أن تسميَ نفْسَها في دثار عنْوانٍ يحاصِرُ امْتدادها الرّحب... لهذا بدأتِ الْقصيدَة بخطابٍ نوعيّ يُحاورُ "الْڭلّة"، بلْ يجسّ نبضَها كيْ يحظى بشرْبَة هنيئة في أزمنَةِ الصّهدِ المتغطْرِس.
وتصَوّرْ معي، أيّها الْقارئُ الْجميلُ، وضْعَ امْرئٍ يحْتوِيهِ الظّماُ، فَيمْسكُ بِعُنُقِ "الْڭلّة" / الْجرّة، يحرّكُها في تلْقائِية حركةٌ ميكانيكية تشِي بفرحةِ اللقاء بينَ الْعطشِ والْارْتواء، يرِيدُ أنْ ينْهَل فيخْرُجُ بَدَلَ الْماءِ كائِنٌ قَبيحٌ "بوجعْرانْ"... فمَا يكونُ ردّ فِعْلِك غيرَ الشّعور بالْغبْنِ في أقصى حدود الْقَسْوة الْهازِئَة في تشكيلٍ دلاليّ يمْتَح مادّتَهُ السّاخِرَة من الضّحِكِ الْأسودِ، كما سمّاهُ الرّوائي "إميل حبيبي". 
وفي ثنايَا ثنائِيّةٍ واخزَة، تجمعُ بينَ مقُولَتيْ "الصّهد" و "الْارْتواء " يتشكّلُ عالم هذه الزجليّة المْسومَة بالذّكاء ، وهيَ تَفْضَحُ شكْلَ النّضالِ الْخاوي المتخَفّي خلْفَ الصّراخِ الْأجوف، مجسّداً في إشارة لمّاحَة "الوادْ الْهرهورِي"... وفي الْمقابِل، هي تمْدَحُ أشكالَ النّضال الْعامِرِ بالصّمتِ القويّ "الوادْ السّاكتْ"... وبينَ الْإشارتينِ نبعَ عالَمٌ جميل من التشكّلاتِ الاسْتعاريّة، سيّدها هو عنصرُ الْماء في تجليّات متنوّعة غنيّة وماتِعَة:
كيْفَ ينْكسِرُ الْماءُ؟ هنا يخرجُ عليْنا السّي رحّال بانْزياحٍ جليلٍ يغْتَني بالْمجاز الْمرسل في اجْتِهادٍ بلاغيّ لا يُكرّرُ الْمقولات الْقديمَة، ويتوسّلُ عنصُرَ الْمُجاورَة بينَ الْمحتوى والْمُحتوي، بين الْماء والْجرّة، ليصّعّدَ بالصّورَة إلى مِخْيالٍ شعْبيّ يدْعو صاحِبَ "الْڭلّة" إلى ممارَسَةِ فعْلِ الْجبْر، في صورَة بدويّة تقليديّة جميلَة يرَتّقُ فيها الْبدويّ الْجرّة بسِلْكٍ زيادَةً في عُمْرِها... منْ هنا قدرَة الفاضل "رحّال الإدريسي" على استثْمارِ الْمخيالِ الشّعْبي للدّفعِ بجمالِيّة الزّجل إلى آفاق أوسع.
تخْرُجُ عمليّةُ الْجبْرِ من الْحسّي "الْڭلّة" إلى الْوظِيفي { آجِيوْ نْجَبْرُو لْما – يتْقَادْ صُوتُو } ... لا يُصْبِحُ الْماء ماءً في ترْكيبٍ يذْهَبُ بالْألقِ بعيداً عن التّشْييئِ الْخاوي، ويتحوّلُ الْماءُ إلى منْظُورٍ جمْعيّ لحركيّة النّضال المتطلّبَة لعمليّاتِ التصْحيحِ في زمنِ الصّراخ الصّاخِب الْفاتِكِ بشرْعِيّة النّقاء بدلَ الدّرن، والاسْتواء بدلَ الْعوَج { يتْقادْ } ... وهُو فعْلٌ حامِلٌ للضّوء في رمزِيّة قويّة تفضّلُ الماءَ أيْ النّضال، صامِتاً مستقِيماً على الْماءْ، أي النّضال الصّاخِب بغير جدوى.
اسْتِعارَة أخرى لا تقِلّ عنْ سابِقاتِها روعة، وترْتبِطُ بانْبِعاثِ الْفرَس الْحرّ منَ الْماء، في تشْكِيلٍ أسطوريّ يقابِلُ انبعاثَ العنقاء من الرّماد... { فاقْ عَوْدْ لْما مخْلُوعْ } ... وهو فرسٌ لم توقِظْهُ حركيّة الْماء عندما كان الوادي "هرهوريّاً" ... واسْتفاقَ في حالاتِ صمْتِ الْماء في انْثِيالٍ جميلٍ للصّور الْممكِنَة والْمُتناسِلَة من هذه الاسْتِعارَة الْأمّ، والّتي تتَغذّى دائماً منْ هذا الْمخيال الشّعبي الثّرّ.
قد أكون قارِئاً دونَ توهّجِ الْقصِيدَة، لكنْ ما يَشْفَعُ لي قراءَتي، أنّني أمْتلِكُ بعْضَ الضّوءِ في كفّي بمصيرِ الْخُفوتِ لولا وهَجُ حرفِ السّي رحّال الّذي أتاحَ ليراعي فرْصَة الْمقارَبَة في عالَمٍ لا تَكْفِيهِ جلْسَة... بلْ جلسات. 

نور الدين حنيف أبو شامة. 
المغرب. 
————————
* النصّ:

قلقلت ماكْ ياگلة
طلع بوجعران
تسلّيت بيك يا سلّة
ؤ هادا ما كان
هزّيتك نبرّد بْ ماكْ
تهرّس ماكْ
بحكم قاسي
بصهد لْحگرة طاب
ما بْقى گاسي
گالو طاحت ليد ف طّاس
نحسب شْحال من يد
و شْحال من طاس
يگول طاسي
و شحال من راسْ
يگول أنا راسي
آجيو نجبرو لْما
يتقادْ صوتو
يسكت خريرو لخريرْ
يدوز فْ وادو صامت
الحملة الحملة
تفيّق نعاسي
يسكت لما ف وادو
يشربوه صامت
يبرد جوف
جوف كل مناضل قاسي
سالات الحملة
والراس راس
كلها يگول انا راسي
فاق عَوْد لْما مخلوع
واخّا ماهْ ساكت
لعجينة لْخامرة
دارت بومزوي

رحال الإدريسي. 
المغرب.


الاثنين، 5 يونيو 2023

امرأة تلبس البحر / قصيدة نثرية / الشاعرة المغربية الأستاذة زهراء الأزهر.


[ امرأة تلبس البحر ] 

الشاعرة المغربية الأستاذة زهراء الأزهر 



خذني إليك 

أيها البحر

إلغ المسافات بيننا

في هذا المدى

الذي تخطه رمال شاطئك

وصفحة مائك الزرقاء

فلا أحد سيعاتبك

على تقاطع المد والجزر فيك

شدني من خيوط روحي

من ضفائر الليل

لعمق أحلامي

دع سفينتي

تغطس بهدوء

دون جلبة للأمواج

حيث ترقد أصداف

العشق الخجولة

بين زبد الكلام

الحلو.... المر...

أرسم لي أخدودا في قلبي

لأعبر منه آمنة

راقصة على مائك

سابحة

نحوي... نحوك... نحونا

في مواسم الإنتفاضات

مرحة..

مشاكسة

صاخبة

هادئة

جذف بي حيث شئت

على أزرق قلبك

على بياض موجك

فليس سواك

يجيد العوم

على شفتي الماء


زهراء الأزهر

المملكة المغربية

 


الأحد، 4 يونيو 2023

الإبداع في الرواية بين الألم والخيال / د. أمال بوحرب / الإمارات العربية المتحدة.


[ مختارات نادي رؤى النقد والمسابقات ]

                  * مقالة نقدية *

- الإبداع في الرواية بين الألم والخيال.

- د. أمال بوحرب / الإمارات العربية المتحدة.

——————————————————

يقول "ثيودور أدورنو" (بالنسبة للإنسان الذي لم يعد لديه وطن تصبح الكتابة مكاناً له ليعيش فيه).

الكتابة... من منا لم يسأل نفسه ذات يوم لم أكتب؟

ولم يستهويني هذا القلم؟

 لعل الكتابة تتدحرج إلىأقاصي المحن الوجودية بكشف التباسات الحياة وتقنّعات الموت الذي يُعَدّ ظِلًّا للحياة في لوحة يكتمل فيها التمثل يشبّه كينونتنا بوجود الليل والنهار، وأنها تكمن فقط في ذلك الشفق الغامض الوهمي والهارب بين ذكرى النهار وتوق الظلام نهاية الشمس واقتراب الشمس من النهاية، وأن اكتشاف متعة اللانهائي في حلقة حلزونية تستبعد فكرة التحديد أو النهاية، إذ إن السارد يحلم دومًا بالحصول على موطئ قدم شيء ثابت، و تنتابه كلّ تلك الكرب عندما يعي سجنه في الحياة بؤس الـمنفى في أسوأ معنى مـمكن له هو ما يدعو السارد إلى ألَّا يتوقّف أبدًا في أن يكون هناك حيث لا يتحقّق وجوده في مكان محدَّد، أو في أماكن أخرى نوع من الطوباوية في سعيه إلى التهرب من منفى العيش وقلق الحياة، لذلك تستتبّ فكرة الـموت عند “بلانشو” (لتكتمل الصورة الناقصة للوجود، وهذا شكل من أشكال الألم، فكيف به أن ينتج فكرة إبداعية في هذه العلاقة الجدلية بين المشاعر والواقع؟). 

يشكل "الألم" في نظرية الإبداع الأدبي القيمة الأشد توترًا تجربة ورؤيا لدى المبدع، وأداة إمتاع ومؤانسة لدى المتلقي، ويتضاعف تبئير "الألم" في الأعمال السردية والرواية خاصة من حيث إن لها طولًا معلوماً وزواياً نظر مختلفة، بيد أن تجربة هذا "الألم" وإن كانت منطلقًا لسرد الأحداث وتنامي مقومات المتون الروائية سرعان ما تزداد عمقًا، أو تخفت حسب كل تجربة إبداعية، لاسيما عندما يتناغم الكون التخيلي للروائي مع الأحداث الواقعية، وبالتالي تتعمق إشكالات التلقي وفواصله بين حدود إمتاع القارئ وممكنات عيش الألم.

إن القول أنه بالإمكان إمتاع القارئ بالحديث عن الألم نفسه تتفاوت فيه الرؤى، فالإبداع فضاء رحب يحتمل كل ما فيه من انزياح أو عدول، حتى لو تعلق الأمر بالألم ذاته، وعلى سبيل المثال لا الحصر فروايات فيكتور هوغو — وخاصة "البؤساء" — ما تزال تمتع القارئ رغم سوداويتها ومأساويتها.

كما أن الروائي الأميركي المشهور "ستيفن كينغ" ألف أروع روايات الرعب  وأوقعت المتعة لدى القارئ بالرغم من أنها مؤلمة ومخيفة، وكل من قرأ رواياته لن ينساها أبدًا، بل إنها تغري بإعادة قراءتها مرات ومرات، ذلك أن روايته "صمت الحملان" خير دليل على إمتاع ملايين القراء وبعدهم ملايين المشاهدين عقب تحويلها إلى فيلم رعب، والشيء نفسه ينطبق على روايات "دان براون" مثل "شفرة دافنشي"، و"الحصان الرقمي"، و"ملائكة وشياطين"، و"الرمز المفقود" واقعية، و"الجحيم"، وغيرها... لذا فالكاتب الحذق هو الذي يحول الواقع المؤلم إلى أعمال روائية تخيلية تجعل فعل القراءة مدخلًا ممتعًا لخلق الدهشة والغرابة لدى المتلقي.

إلا أن كل كاتب يؤمن بلحظة ولادة إنسان جديد شديدة الألم ومنتجة للحياة مع كل كتابة، وهو أيضًا جزء من مسار حياة لا ينفصل عنها، لذا فالأهم لديه ليس الألم في حد ذاته، وإنما المستويات السردية وتنوع صيغ الحكاية، فعندما تحضر مواضيع معينة في الرواية، مثل سلب الحرية أو الموت أو العنف، فإنما يتم استحضارها كقيمة جمالية وأنثولوجية خلال الكتابة.

إن ذات الروائي واعية ومدركة تتأثر وتؤثر في محيطها الاجتماعي، وهو بالتالي حامل ومعبر عن مشاعره أو مشاعر المجتمع الذي يعيش داخله، سواء أكانت مشاعر الحب أم الألم أم اللذة أم الوجع أم غيرها من المشاعر الحاملة لهموم الفضاء المعبر عنه.

 سأقول، ولأول مرة سأطرح نظرتي بكل تجرد وواقعية وتصريح، إن الرواية ليست هذيانًا كما قد يتوهم البعض، فأصالة الروائي أنه صاحب صنعة بديعة يوجه عبر آليات تواصلية معلومة رسالته إلى المتلقي قصد تطهيره والتأثير عليه بصفته كاتبًا مسؤولًا وواعيًا بما يكتب في ظرف معين هو زمن الكتابة، نحو قارئ واع ومسؤول في ظرف معين هو زمن القراءة، وتفاعل هذه الأزمنة داخل الرواية يجعل منها خطابًا ملتزمًا بمسؤولية ممكنات فعل الكتابة.


د. امال بوحرب

الإمارات العربية المتحدة.

 

الجمعة، 2 يونيو 2023

بصيغة الحنين / الشاعرة المغربية الأستاذة مالكة حبرشيد.


[ بصيغة الحنين ] 


بصيغةِ الحنينِ أناديك

عَلّكَ تَحلُّ ضَيفاً على القصيدة

هذا المَساء

جَالسنَا العِتابَ طَويلا

حَاصرَنا الصُّلحُ من كُل الجِهات

اَلخِصام يَسْعى للغروب

هكذا انهزَمنا معاً في حوارٍ غِنائي

في مَواويلَ طاعِنة في العِشقِ

بأثَرٍ رِجعي 

تُقَاضينا

عَلى حافَةِ شعرٍ لا يَستضيفُ الأكاذيبَ

ولا يَقبلُ الخِداعَ قارِئاً قد يَقودُ القصائدَ

إلى مِحْرقةِ الشعَراء

يَحتاجُ دَمي إلى فُسحةٍ

يَستريحُ فيها قليلاً

من وُجوبٍ آيِلٍ للسّقوط

مِن مَجاز عليهِ أتّكيءُ

وَأنا على حَافةِ حُب

حولَ ذاتِه يَدورُ

والعِشقُ مَسافاتٍ يَتهَجاها الصّدى

 بِصيغةِ الصمتِ أَقصُّ حِكايةً للنّهرِ

في حَضرةِ الليل والفَراشُ نِيام

عنِ الوردِ كَمْ غازلَهُ العابِرون

حتى أذْبَلتهُ العُيون

لمْ يَخذُلْ يَوماً مَنْ تَأفَّفَ من عِطرِه

كُلما فَتحتْ وردةٌ عَبقها

أغْلقَتْها المَشاعرُ المُستعارَة

ناسِيةً أَنّ ثَمَّةَ مُتسَعاً لِلانْتِشاءِ

مُتسَعاً لِلنُّبوءَةِ فِي قَلبِ الطبيعَة

لاَ تَدوسُهُ الخُيولُ العَمياء

هَذا كَلامٌ على حَافةِ الشعرِ

اِنْتِصاراً لِلفَرحِ انْهِزاماً لِلحزْن

قَبلَ انْكِسارِ الدُّجى في صَوتِ العَصافير

وقَبلَ أنْ تَذْرِفَ الأبْجدِيةُ الدَّمعَ

وَتَمْضي في النَّحيب

 بِصيغَةِ الشُّرودِ أقرَأُ

هَاجسَ الجُدران

وخُيولُ النبضِ

في بَيداءِ الانْتظارِ تَركض

حَوافِرُها تَنخُرُ صَدرَ الشوقِ حتى صارَ الشعرُ أوشاماً على جَسدي

الحُروفُ تَفضَحُني حين تَكفِنُني

في ثَوبِ القصيدة

القصيدةُ أُنْثى تَلُم الفَجرَ في قَلبِها

من جُنونِ الليْلِ تَسْتَعيرُ قَبساً

لِيَبدَأ من عَرصاتِ العِشقِ الصَّهِيل

ذاكَ أولُ السّطْرِ مُنْعطَفُ الحَنين

وآخرُ التّوَهانِ في مَكاتيبِ حُلمٍ

يَبحثُ عن صَداهُ 

وَلاَ صَدى


مالكة حبرشيد

المغرب

 


الخميس، 1 يونيو 2023

قراءة نقدية / تخطيط الفوضى في قصيدة النثر: قصيدة "لو" للشاعر عبد الرحمن بكري نموذجاً.



* تخطيط الفوضى في قصيدة النثر: 

قصيدة "ماذا لو" للشاعر المغربي عبد الرحمن بكري نموذجاً *


في سيمياء السؤال "ماذا" تتيه لحظاتنا القارئة وهي تحاول القبض على المعنى… ثم تأتي الأداة الشرطية (لوْ) متواطئةً لتردم ما بيننا وبين هذا المعنى… فنضيع مثل أيتام في مأدبة الكرام، حيث تنهال علينا أصانيف الطعام من كل حدب وصوب، وليس الطعام إلا ما ينثال علينا في متن هذه النثيرة الموسومة بالإدهاشِ، من خبايا المعنى وخفايا الدلالة ووصايا الأبعاد.

لننظر… حتى لا نشطّ بعيداً خارج النظر.

بين التحليق (المنطاد – الغيمات) والانشداد إلى (الدوائر - الاحتواء - النهدان) تقرر الذات في غير إرادة، أن تنتج العلامة الآبقة عن كل قبض قاموسي يحتجز الدلالة في أقفاص الاستيعاب المجاني. تقرر أن تنسلخ عن جاذبية التراب، لتحلق بعيداً، لا في سماوات أخرى تتيح أقوى فرص التحليق فحسب، وإنما، وأساساً، تتيح فرصةَ معاندة الريح ومجاراتها في مروقها القويّ (لتحاكي أسرار اصفرار الريح).

تحتكم هذه النثيرة في آليات اشتغالها وانبثاقها إلى ما يلي:

1 - تخطيط الفوضى:

لا نقصد بهذا المكوّن تنظيماً للفوضى، فهذا يتنافى شديداً مع خصائص قصيدة النثر، ويكون التخطيط أقرب إلى حقولها الدلالية أكثر من صرامة التنظيم. ونقصد بذلك أن الشاعر يمتلك تصوّراً خاصاً للموجودات التي لا يعكسها في مرايا التخييل، وإنما يصنعها في مرايا التخييل كائنات أخرى تمتلك حضورها النوعي المشكَّل من مادة الانحراف والانزياح الفني.

تتناسل القصيدةُ (البكريةُ) في نزوعٍ فوضويٍّ، يهدم أولاً الإيقاع التقليدي، في انقلابٍ مشروعٍ على قبضة الخليل الفيزيائية الصوتية، وعلى الأطر الإيقاعيّة الثابتة المستقرّة، لتغذّيَ ذاتها من موسيقاها الداخلية النابعة من تجربة الشاعر الفنية والوجودية معاً. وحيث تغيب سلطة الروي والقافية، تحضر قوّة البناء اللغوي بديلاً، وهو بناءٌ لا يستغيث حتى بمفاهيم التوازي مثلاً أو التكرار أو ما شابه، وإن حضرا في المتن الشعري هنا… وإنما يستمد إيقاعه من القوّة البنائية المتوافقة مع مبدإ الانتظام في القصيدة على حدّ تعبير الناقدة (سارة برنار)، نلمس ذلك لا في مظاهر الاتساق التركيبي، فحسب وإنما في تلكم الوحدة العضوية البانية لكل أنساق القصيدة الظاهر منها والمضمر.


2 - تشييد الهوية:

وهي هنا هويتان: الأولى وجودية ترتبط بذات الشاعر، وتتعلق برغبة فلسفية في إعادة بناء هذا الوجود. ضمنياً يستبين لنا أن الذات المتكلمة غير راضية على حضورها الراهن (ماذا لو)، ويفضح ذلك هذا السؤالُ الماكر المشحون أولاً بمكر المساءلة (ماذا)، وهي مساءلة لا تروم أجوبة، وثانياً بمكر العدم، خاصة إذا عزلنا، —تجريباً إجرائياً — مكون (ماذا) عن سياق (لو) انطلاقاً من افتراض هذا العدم الرابض في السؤال المعزول تأتي ملامح الهوية الثانية، وهي المتعلقة بفن القصيد، حيث تتناسل هوية النثيرة تدرجا من افتراض العدم إلى الرغبة في التفسخ، إلى التحليق، إلى التعالي، إلى السؤال مجدداً… وبين السؤال الأول والسؤال الأخير تتناسل الأسئلة تباعاً لتفتح أمام الذات إمكاناً واسعاً جدّاً لممارسة هذا التشييد. 

(ماذا لو – يحضنني سؤال الانتماء)… ومن العدم، التسطير الافتراضي، المبدإ، ينبجس السؤال الأخير المتعلق بالانتماء، وهو السؤال المفتوح على أنساق مضمرة غنية وجديرة بالكشف: 

(يحضنني سؤال الانتماء – أتمطط هنا خلف أبجديتي – كلما انبجست من جوفي)، إذ لا معنى للسؤال خارج شرطين: شرط الوجود (جوفي)، وشرط الكتابة (أبجديتي). 

وحيث إن القراءة هنا في مجال القصيد النثير يعدّ مغامرة، فإن الحسم في عمليات التأويل ينبغي أن يأخذ طابع قوة الاقتراح لا قوة الحق، لأن الانطلاق من التأويل كحق يشي بالرغبة الدفينة في بسط وصايته على التأويلات الأخرى الممكنة، من هنا فتأويلاتنا اقتراحات ليس إلا… أقول هذا لأن علامات مثل (الجوف)، و(الأبجدية) في سياق مثل هذا، لا يمكن أن تمرّ عابرة كريمة، وهي تحمل كل هذه الشحن الدلالية، فالجوف موصوف هنا باتساقٍ مع فعل الانبجاس، باعتباره مصدراً لانبثاق الكتابة… وهي الكتابة ذاتُها التي تتحول إلى متاريس للاحتماء خشية اندثار هذه الهوية المشيّدة في عوالم قصيدة النثر التي لا تعرف استقراراً أبداً.


3 -  هندسة الصورة الشعرية:

تعتبر الصورة أساساً في بناء القصيدة، وخاصة القصيدة النثرية التي تستغني عن كثير من أسس البناء الموروث مما يعطي انطباعاً خاطئاً بهشاشتها. من هنا يصبح للصورة الشعرية في نسغ النثيرة دور رئيس في حضورها الفنّي.

تختزن الصورة كثيراً من الدلالات التي يروم الشاعر فضحها، ويترك للقارئ شرف هذا الفضح، بحيث لا يبيح لنفسه كل القول، ويكتفي بالإشارة… ونحن سنقتنص الإشارة من العبارة المفتاح، حيث تتناسل بعد ذلك آليات الإنتاج، ففي قصيدة (ماذا لو) تبدأ رحلة الصوغ بداية غريبة وهي ترسم محسوسين: (التفسخ والغيمات)، حيث التفسخ فعل مرتبط في اعتقالات المعجم ب (الانفصال والتطاير والتساقط) مسنداً إلى مكون (الغيمات) غير القابلة لاحتضان خصائص هذا الفعل إلا في المتخيل الشعري، وحيث إن الإسناد النحوي لم يزد الصورة الشعرية إلا انغلاقاً وانغماضاً، تأتي القصيدة برديف عضوي في السطر الثاني (من دوائر الاحتواء – وصارت منطادا) لتبشر بأن هذا التفسخ ليس مجانيا يفيد رغبة الشاعر في بسط عضلات صوغه وتمكنه من خلق بؤر التصوير… وإنما لتشكيل الانسجام بين أطراف الصورة، وهي ليست صورة تقليدية تنتهي بانتهاء الصدر والعجز، وإنما تمتد إلى أكثر من سطر في اتجاه احترام وحدة القصيدة العضوية، من جهة، وثانياً لممارسة حقّها في إنتاج الدلالة الممكنة. 

من هنا، يهندس الشاعر ممكنات الصورة الشعرية، لتصبح تركيباً منحرفاً منزاحاً عن فن القول المباشر إلى فن القول المُلغِز والملغوم، وتصبح الصورة وظيفية ترسل ذاتها سديماً رقيقاً، يقولُ بتحوّل الغيمات إلى منطاد وتحويل المنطاد إلى صهوة، وتحويل الصهوة إلى تحليق معاند للريح، حيث إمكان السفر النوعي داخل الوعي واللاوعي لمباشرة القراءة الآثمة لوجودٍ موسوم بالتحول والتغير والرفض لكل ما هو ثابت، وهو ما تفضحه أيضاً تركيبات من قبيل (يحملني فوق ربوة النهدين – أجنحة البطش – محبرة الصمت…) كل هذا في إطار ما يمكن تسميته، مجازاً، بالتعبير التقليدي الذي لازال يمتدّ فينا جميلاً وفاعلاً، أو ما يمكن تسميته بفيض المعنى القابع في تلاوين البناء النحوي، والحامل لممكنات الدلالات البعيدة.

أكتفي بهذا القدر الممكن في تحويل مجرى القصيدة من نوايا الشاعر عبد الرحمن بكري إلى نوايايَ المقترِحة لا الفارضة، في إطار التعريف بالشاعر فقط، ليس في إطار الممارسة النقدية العالمة. 

وحسبي من هذا أنني، لا محالة، مصيب في بعضي ومخطئ في كثير من بعضي.


* المتن الشعري:

قصيدة للشاعر عبد الرحمان بكري بعنوان

"ماذا لو":


[ ماذا لو تفسخت غيماتي

من دوائر الاحتواء

وصارت منطادا

يحملني فوق ربوة النهدين

لتحاكي أسرار اصفرار الريح

ببللها المارق

يلفني ذاك يقيني الماكر

ترتعد فرائص اللات

في تعويذة كتبت بلا تحقيق

تقوت تحت أجنحة البطش

عندما يتراءى لها ضياء الشمس

وأنا عالق بين الأقفاص

تأتي إلى متعالية

تلك قوافل النوارس

في بحيرات اليأس

تهادن في مهب الريح على سبيل التنقيح

وجعها في محبرة الصمت

ويرتكن على هامش الحراك

مدادي الحارق

يحضنني سؤال الانتماء

أتمطط هنا خلف أبجديتي

كلما انبجست من جوفي ] 


نور أبوشامة حنيف

المغرب

هذا الكذب... الحقيقة / تفكير خارج صندوق / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.



«هذا الكذب... الحقيقة».

* تفكير خارج صندوق *

{ لحظة تفكير في ما وجب في حقه تفكير } 


1/ إشكالية:

أ — عَتَبَات / مقدمات:

"أنا أُعبّر، إذن أنا موجود".

"وُجُودِي تعبيرٌ، تَعْبيري وجودٌ".

"أنا حقيقة، أنا كذبة".

"طَفْوٌ على تقديس سطح ظاهر معنى، غَوْصٌ في عمق نَسْفِ مقتضى حال... هو أنا السؤال".


ب — طرح / صياغة:

هل الإنسانُ / التعبيرُ صِدْقٌ أم هو كذب، أم هو غيرُ ذلك في منزلة بين منزلتين؟

هل الوعيُ / الإدراكُ امتلاكٌ لحقيقة حَقَّةٍ، أم هل هو شتات بين مطلق ونسبية؟

ج — هل أعذبُ الشعر أكذبُه؟


2/ مغامرة:

كيان أنت أيها الإنسان / الفنان... إنسانٌ أنت مراوغ.

تتحقق فيك "الحقيقة" وجوداً بالقوة؛

تتجلى فيك "الكذبة" بالفعل.

بين "حقيقتك" و"كذبتك" مسافةُ تمدُّدِ جَسدٍ / نَفسٍ بين موضوع وذات.

أنت محكوم أيها المراوغ بشروط "موضوع"، أنت وجود بالقوة في الموجود، يصنعك، يشكلك، يرسم لك صورةً بملامحَ لا تضيع بها / معها بين شظايا متفرقات من بني جنسك... 

أنت إنسان موجود دون إرادتك، لَوَّنَكَ محيطٌ، أنتجك، وتهرب منه يا مراوغ، وما كل شظية تشبهك.

أنت أيها المراوغ الجميل، المزعج، الشارد، الهارب منك إليك... تتحقق منك "الذات"، أنت وجود بالفعل في موجود.

تتقن اللعبةَ أنت أيها المراوغ.

تبحث عن "حقيقة"، تقبض على بعض حروف منها، تفرح بامتلاك العالم...

تنهار "حقيقتك" بفعل منك مهووس "بالكذب"...

أنت فنان أيها المراوغ؛

لكن،

لك وجهان... منك شظيتان:

شظية أولى منك تعانق "الموضوع" ترحل في دروب نضال، تحلم بتغيير عالم مقلوب يمشي على رأسه، يسحرك صاحبك بلحية ماركسية كثة... أنت الملحمة، تصرخ بالحقيقة، تبدع، تَصْدُقُ القول.

شظية ثانية منك تعشق "الذات" ترحل في دروب خيال، تحلم بعوالم غاب، يسحرك الطير في وادي عبقر، تسبح بين دجلة والفرات، تتغنى بليلاك، تصنع الدهشة، وتكذب.

ومنك شظية ثالثة نشاز؛

أنت الذات / الموضوع؛

تهرب من حقيقة إلى كذبة، تفر من كذبة إلى حقيقة، تغتال الموضوع، تسرق الذات...

ترسم لك، لعالمك، ترسم لنا، لعالمنا... صورة.

تخلق من المستحيل مستحيلاً... وأكثر.

تقلّصُ المسافة بين جسد منك ونفس،

وما كان منك وجودُ فنانٍ خالصِ التِّبْرِ موجودٍ بالقوة إلى يومنا هذا...

فأين أنت؟


عبد الرحمن بوطيب.

المغرب: 2019.

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...