‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 نوفمبر 2023

الأستاذة فاطمة عدلي في قراءة نقدية في رواية "أبراج من ورق" للكاتب المغربي الأستاذ سعيد رضواني.


 [ قراءة نقدية ] 


"أبراج من ورق" 

بناء سردي وفق هندسة خاصة.


الأستاذة فاطمة عدلي في قراءة رواية "أبراج من ورق " للكاتب المغربي"سعيد رضواني" الحائزة على "جائزة أسماء صديق المطوع" للرواية الأولى، عن منشورات دار الآداب.

 

متنقلاً بين القرية والمدينة يبني الكاتب أبراجه وفق نسق سردي خاص، يكسر البناء التقليدي، ليتبنى هندسة مختلفة تعتمد على التناظر السردي.

منذ الوهلة الأولى يصادفنا مفهوم البناء الذي تكشف عنه عتبة المتن الروائي من خلال العنوان الذي يحيل على الأبراج، بغض النظر عن مادة البناء، فالبرج كما نعرف هو كل بناء مرتفع، سواء بشكل دائري أو مستطيل.

ويتضح لنا نوع البناء عندما يتم إلصاق الأبراج بالورق، فنخلص إلى أن المقصود هو "أبراج من ورق"، 

هكذا يبدو لنا أن الكاتب ينحو إلى بناء خاص يختلف عن النمط المعهود الذي يعتمد على بداية، ووسط، ثم نهاية، بل يضع هندسة خاصة لبنائه السردي منذ البداية، يؤكد ذلك لجوؤه إلى تقنية التناظر السردي، حيث قسم روايته إلى جزئين متقابلين، يتكون كل جزء من مجموعة عناوين، لكل عنوان في الجزء الأول ما يقابله في الجزء الثاني. 

تتقابل أدراج البرج الأول وسلم البرج الثاني، ليتم التسلق عبرهما إلى بناء أبراج الرواية.

يفصح الكاتب نفسه عن لجوئه إلى مبدأ التناظر بقوله: "أقر الآن، أنا الذي اخترت تأليف هذا الكتاب وفق هندسة متناظرة الفصول، بما في هذا التناظر من تماثل وتباين وتقابل". 

لن أقتحم تفاصيل السرد، تفادياً لحرق مراحل التشويق لقارئ مفترض، فقط سأشير لبعض العناصر كإضاءات.

تتم أحداث الرواية من خلال التنقل بين القرية والمدينة، حيث يحاول الكاتب الربط بين الماضي والحاضر من خلال استحضار ثلاثة أجيال، انطلاقاً من الجد، مروراً بالأب والأم، إلى الحفيد الذي يعمل على حفظ ذاكرة الأسرة.

تبدأ الرواية على الشكل التالي:

 "لا أذكر من منا كان يمضي في ذلك الطريق المترع بسخونة يصرفها طاقة تكوي".

أتأمل هذا المدخل الذي يطاله التشويش فيحيلني للتو على ألبير كامي في روايته "الغريب" ومدخله العبثي الشهير: "اليوم ماتت أمي… أو لعلها ماتت أمس… لست أدري". 

يتكرر هذا التشويش وعدم اليقين في مقاطع أخرى من الرواية: "سأعرف بعد أن أدقق مرة أخرى... أنه هو وليس أنا من قطع المسافة الفاصلة... وأنني أنا وليس هو من قطع ما تبقى من الطريق". 

ويجعل الأم المتوفاة تنطق كما لو كانت على قيد الحياة: "هل أنا حية أم ميتة يا ابني؟". 

وعلى نفس المنوال نجده في الجزء الثاني يكرر مجموعة من الجمل، كما في الجزء الأول، فيما يشبه اللازمة. 

يبدأ الجزء الثاني بقوله: "لا أذكر من منا كان يمضي في ذلك الطريق المترع بصقيع ينعكس برودة على ما حوله". 

ويجعل الأب المتوفى يقول على غرار ما قالت الأم: "هل أنا حي أم ميت يا ابني؟".

هذه بعض النماذج من التكرار التي يلجأ إليها الكاتب كنوع من الانحرافات السردية، إذ يعمل على تحطيم التسلسل الزمني النمطي وفق انتقالات مقصودة تجعل من الصعب تلخيص الرواية من زاوية معينة، كما يلجأ بين الفينة والأخرى إلى تقنية "الفلاش باك" لاسترجاع بعض الأحداث خارج الخط الزمني بهدف إعطاء سرده شحنة أقوى، أو بغية تعميق شخوصه.

ويظل هاجس الكتابة والنشر حاضراً في الرواية، نلمسه في مجموعة من المحطات كقوله:

- أمضي لأكمل تأليف كتابي.

- بعد احتفال والدي بإصداره.

- خوض مغامرة الكتابة.

- أراجع مخطوط كتابي.

كما يلاحظ حضور الذاكرة البيضاوية بوضوح بين ثنايا السطور من قبيل:

(شارع الفدا - ساحة السراغنة - معرض الكتاب المستعمل). 

وينهي الكاتب روايته بتمجيد القراءة والكتابة: "بإدماني القراءة والكتابة، تفوقت على ظروفي وعلى نفسي". 

وبالعودة إلى هندسة الأبراج، وكيف جعل الكاتب روايته تبنى وفق جزئين متناظرين، يتكون الجزء الأول من 26 عنواناً، والجزء الثاني من 27 عنواناً، نلاحظ أن الجزء الثاني الذي ينتصر للحرف مقابل الإسمنت ترجح كفته لتكون الغلبة للورق، ويظل "الورق أقوى من الإسمنت".

بعد أن أنهيت قراءة الرواية عادت بي الذاكرة إلى استحضار المخزون من المقروء، فمرت بي عبر رائعة غابرييل غارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة"، فاستحضرت بلدة ماكوندو الصغيرة وتعاقب مجموعة من الأجيال، والقتيل الذي لا ينفك يظهر باستمرار.

وتبقى لرواية "أبراج من ورق" خصوصيتها النوعية التي تشد القارئ إليها من خلال بنيتها السردية المختلفة وهندستها التي لا تنسج على منوال معين.


فاطمة عدلي

المغرب

الجمعة، 9 يونيو 2023

عين على قصيدة / الزجال محمد النواوي يغني للمحبة / الناقد نور الدين حنيف أبو شامة.


{ عينٌ على قصيدة } 

* الحلقة الثالثة * 

[ الشاعر المغربي الزجال محمد النووي يغني للمحبة ]

 

في زجلية ذكية بناءً ودلالة، قبل أن يحكمَ الزجليةَ موضوعُها المتناغم في تكريس مقولة المحبة، حكمها الميزان، فجاء البيتان الأولان إيذاناً بصوغٍ زجليٍّ جديد وجدير بالقراءة والعناية النقدية، وذلك لما يحملانه من شحنة إيقاعية تزفّ إلينا خبر المحبة على طبق صوتي وسمعي يغري بالمتابعة الواعية لزجال يتنامى قويّاً في بناء عالمه اللهجي بامتياز.

قال الزجال محمد النواوي:

"مناش اللي

تجيبني على هواك

مناش اللي

دّخلني سوق جواك"... 

وانظر معي أيها القارئ إلى التقسيم الذكي والماكر لمقاطع البيتين بتكرار وحدة لسنية مشحونة باليقين "مناش"، وتقابلها في اللغة العالمة عبارة (لستُ أنا منْ...)، وانظر معي أيضاً إلى اختزال اللهجة واقتصادها القويين لمجموع الدلالات الكامنة في نفيِ الشك وإثبات اليقين "مناشْ" تَجِدِ الزجالَ إذن في قوة البناء يختار من الزجل أنسبه، ومن فن الإبداع اللهجي أقواه لأنه يعلم علم اليقين أنه في خوض فن الزجل إما أن يكون أو لا يكون، على اعتبار أن ساحة الإبداع الزجلي أصبحت عامرة عماراً فاسداً بالردئ والضعيف والخاوي والمتطاول... وهو في هذا السياق أبى إلا أن يحمل رسالة الجودة معلناً بداية الفن في فن الزجل عبر بداية زجلية موفّقة في ترسيخ فعل المحبة في وعاء لهجي راقٍ ومسؤول.

يعلن الزجال عن هويته المفتوحة والمنفتحة على الآخر في غير سذاجة، وفي غير خديعة، لأنه ينفلت من قبضة الغدر بحزام السلامة العمري رضي الله عنه (لستُ بالخبّ ولا الخبّ يخدعني)، وهي المقولة التي دعمها ابن القيم في وصفه لعمر بن الخطاب (وكان عمر أعقلَ من أن يُخدع وأورعَ من أن يَخدع).

من هذه المشكاة اقتبس الزجال محمد النواوي سيرة المحبة وكرّسها في سياق لهجي مبدع يتبنى فكرة الاستقلالية التي تجعل الذات المتكلمة بعيدة عن شباك الآخر وكمائنه المُغرّرة والتي صاغها الشاعر في مفردتين دالتين "الهْوى والجْوى" بحمولتهما الشعبية المنغرسة في الوجدان المغربي، وقد صاغها في تناص مع المسكوكة الدارجة (ادخل سوق جْواك)، وفيها ما فيها من التلبس الدلالي الواخز والعميق في وخزه. 

إن الضامن لهذه المناعة القيمية هو امتلاك الذات المتكلمة لقلب عامر بكل الطاقة الإيجابية، وقد عبّر عنها بمفردة أكثر دلالة وهي تمتح من التعبير اللهجي السائر بين الناس. قال الزجال النواوي:

"إلا كان الݣلب عامر عطفة"، 

وهذه الطاقة هي العاطفة أو الوجدان أو الداخل المعتمل عبّر عنه بالحذف الدارج للألف (العطفة)، وهي مفردة تشي بالحمولة الدلالية الشعبية أكثر من المفردة العربية العالمية، وفيها دلالة على الانعطاف، كما فيها دلالة على العاطفة، وفي كلٍّ خير لمقولة المحبّة. خارج هذه المناعة، أي القلب العامر يمكن للذات أن تسقط في محظور الغواية التي يبني كمائنها الآخر المُغْرِضُ والمُبيّتُ شرّاً وحسداً وضغينة...

ولن تكتمل صورة المحبة في بناء أحادي منقوص، بل لابد من تواطؤ الذات والآخر في سيرورة قيمية تصنع التناغم، وتذهب بالعلاقات الإنسانية مذاهب العمار والخير والجمال إلى أقصى حدود المذهب... قال الزجال في هذا التناغم:

"نحلّو صدفة صدفة

نزطمو عل الشوك

ؤ لا بان لغدر

منّي ؤ لمنّك

نحفرو قبر

ؤنترمو فيه

حنايا بزوج". 

في قمة الوعي يتم صنع القرار في حالة النشاز، أي في حالة الغدر، وبمعنى أخر: نحن لا نستحق الحياة مادامت فلسفتنا مبنية على الغدر، وفي فائض المعنى يكاد يراع الشاعر أن يرسم نهاية كل العلاقات المبنية على الغدر وهي القبر بحمولته الترابية والتي تتناغم مع المسكوكة المغربية الشعبية (ما يعمّر عين بنادم عِ التْراب)...

تحياتي العاليات لك يا محمد على هذه التحفة الزجلية الخارجة من بهرجة القول إلى فعل القول وهي ترسم لنا معلماً واضحاً من معالم المحبة في غير سذاجة، بل في ذكاء العارفين، وهم الذين يسكتون على الإساءة لقوة منهم لا لضعف، وتحيات أعلى للبناء اللهجي الطريف والظريف والذي يؤسس لزجل نغمي حامل للموسيقى وللدلالة ولفائض المعنى لمن له قلب وسمع وذوق يمج الرداءة ويرحب ويرقص للجودة. أنت جيّدٌ يا محمد وأكتفي.


* نور أبوشامة حنيف. 


= المتن الزجلي: زجلية للشاعر محمد النواوي. 


مناش اللي تجيبني على هواك

مناش اللي دّخلني سوق جواك

إلَ كان الݣلب عامر عطفة

نحلّو صدفة صدفة

ؤ ندخلو بالسيف

قبل ما طّيح وراق لخريف

ؤ لكانت الطريق مسامية

نشݣوها ؤ يدينا مشابكة

ؤلكانت لمريرة نابثة

نزطمو علشوك

ؤ نمحيو ربيعها

بخطوات رجلينا حنايا بزوج

ؤ لَكان الزمان لَݣانا فالسما

نغزلو وقاتو صحبة

ونسرسبو اياماتو محبة

عمري ؤ عمرك

فوق الأرض نعيشوه بزوج

ؤ لا بان لغدر

منّي ؤ لمنّك

نحفرو قبر

ؤنترمو فيه

حنايا بزوج. 


* محمد النواوي.


 

الأربعاء، 7 يونيو 2023

رحال الإدريسي شاعر يحاور الماء في جلال التكوين / قراءة نقدية للناقد نور الدين حنيف أبو شامة.

 

[ عينٌ على قصيدة ]  
مع الزجال رحال الإدريسي. 

{ رحّال الإدريسي
شاعرٌ يُحاوِرُ الْماءَ فِي جلالِ التّكْوين } 

الماءُ مكوّنٌ فاعلٌ ومنْفعلٌ، لا يحضر في زجليّة الشّاعر "رحّال الإدريسي" بصفته الطبيعية المنسابة شكلاً سائلاً من السيولة، ولكنْ يحضر في القصيدِ كحقلٍ دلاليّ عامر الأبعاد، وصارخ بالرؤى، ومفعم بالرمز... يحضر إشكالاً سائلاً – من السّؤال – الْملحّ على الذّات بالتجلّي المتوتّر والْغاضب والْمترنّح بين وجودين: وجود الانحناء، ووجود الهامات.
"رحّال الإدريسي" مثقف من أبناء الصاخبة "البيضاء" سليلُ حيّ شعبي، أرضعهُ عشقَ المكان في امتداده الإنساني بدءاً بتخوم الدّرب، إلى حدود القرية "لْمرڭدْ"، إلى أفق الانتماء الكوني، في قناعة شعريّة جليلة بتبني شخصية الجمال في كلّ أشكَاله المُمكنة وغير الممكنة. 
نلتَقيهِ في زجليّة عامرة بكلّ شيء، ومزدحمة بالقوّة حتّى نسيتْ أن تسميَ نفْسَها في دثار عنْوانٍ يحاصِرُ امْتدادها الرّحب... لهذا بدأتِ الْقصيدَة بخطابٍ نوعيّ يُحاورُ "الْڭلّة"، بلْ يجسّ نبضَها كيْ يحظى بشرْبَة هنيئة في أزمنَةِ الصّهدِ المتغطْرِس.
وتصَوّرْ معي، أيّها الْقارئُ الْجميلُ، وضْعَ امْرئٍ يحْتوِيهِ الظّماُ، فَيمْسكُ بِعُنُقِ "الْڭلّة" / الْجرّة، يحرّكُها في تلْقائِية حركةٌ ميكانيكية تشِي بفرحةِ اللقاء بينَ الْعطشِ والْارْتواء، يرِيدُ أنْ ينْهَل فيخْرُجُ بَدَلَ الْماءِ كائِنٌ قَبيحٌ "بوجعْرانْ"... فمَا يكونُ ردّ فِعْلِك غيرَ الشّعور بالْغبْنِ في أقصى حدود الْقَسْوة الْهازِئَة في تشكيلٍ دلاليّ يمْتَح مادّتَهُ السّاخِرَة من الضّحِكِ الْأسودِ، كما سمّاهُ الرّوائي "إميل حبيبي". 
وفي ثنايَا ثنائِيّةٍ واخزَة، تجمعُ بينَ مقُولَتيْ "الصّهد" و "الْارْتواء " يتشكّلُ عالم هذه الزجليّة المْسومَة بالذّكاء ، وهيَ تَفْضَحُ شكْلَ النّضالِ الْخاوي المتخَفّي خلْفَ الصّراخِ الْأجوف، مجسّداً في إشارة لمّاحَة "الوادْ الْهرهورِي"... وفي الْمقابِل، هي تمْدَحُ أشكالَ النّضال الْعامِرِ بالصّمتِ القويّ "الوادْ السّاكتْ"... وبينَ الْإشارتينِ نبعَ عالَمٌ جميل من التشكّلاتِ الاسْتعاريّة، سيّدها هو عنصرُ الْماء في تجليّات متنوّعة غنيّة وماتِعَة:
كيْفَ ينْكسِرُ الْماءُ؟ هنا يخرجُ عليْنا السّي رحّال بانْزياحٍ جليلٍ يغْتَني بالْمجاز الْمرسل في اجْتِهادٍ بلاغيّ لا يُكرّرُ الْمقولات الْقديمَة، ويتوسّلُ عنصُرَ الْمُجاورَة بينَ الْمحتوى والْمُحتوي، بين الْماء والْجرّة، ليصّعّدَ بالصّورَة إلى مِخْيالٍ شعْبيّ يدْعو صاحِبَ "الْڭلّة" إلى ممارَسَةِ فعْلِ الْجبْر، في صورَة بدويّة تقليديّة جميلَة يرَتّقُ فيها الْبدويّ الْجرّة بسِلْكٍ زيادَةً في عُمْرِها... منْ هنا قدرَة الفاضل "رحّال الإدريسي" على استثْمارِ الْمخيالِ الشّعْبي للدّفعِ بجمالِيّة الزّجل إلى آفاق أوسع.
تخْرُجُ عمليّةُ الْجبْرِ من الْحسّي "الْڭلّة" إلى الْوظِيفي { آجِيوْ نْجَبْرُو لْما – يتْقَادْ صُوتُو } ... لا يُصْبِحُ الْماء ماءً في ترْكيبٍ يذْهَبُ بالْألقِ بعيداً عن التّشْييئِ الْخاوي، ويتحوّلُ الْماءُ إلى منْظُورٍ جمْعيّ لحركيّة النّضال المتطلّبَة لعمليّاتِ التصْحيحِ في زمنِ الصّراخ الصّاخِب الْفاتِكِ بشرْعِيّة النّقاء بدلَ الدّرن، والاسْتواء بدلَ الْعوَج { يتْقادْ } ... وهُو فعْلٌ حامِلٌ للضّوء في رمزِيّة قويّة تفضّلُ الماءَ أيْ النّضال، صامِتاً مستقِيماً على الْماءْ، أي النّضال الصّاخِب بغير جدوى.
اسْتِعارَة أخرى لا تقِلّ عنْ سابِقاتِها روعة، وترْتبِطُ بانْبِعاثِ الْفرَس الْحرّ منَ الْماء، في تشْكِيلٍ أسطوريّ يقابِلُ انبعاثَ العنقاء من الرّماد... { فاقْ عَوْدْ لْما مخْلُوعْ } ... وهو فرسٌ لم توقِظْهُ حركيّة الْماء عندما كان الوادي "هرهوريّاً" ... واسْتفاقَ في حالاتِ صمْتِ الْماء في انْثِيالٍ جميلٍ للصّور الْممكِنَة والْمُتناسِلَة من هذه الاسْتِعارَة الْأمّ، والّتي تتَغذّى دائماً منْ هذا الْمخيال الشّعبي الثّرّ.
قد أكون قارِئاً دونَ توهّجِ الْقصِيدَة، لكنْ ما يَشْفَعُ لي قراءَتي، أنّني أمْتلِكُ بعْضَ الضّوءِ في كفّي بمصيرِ الْخُفوتِ لولا وهَجُ حرفِ السّي رحّال الّذي أتاحَ ليراعي فرْصَة الْمقارَبَة في عالَمٍ لا تَكْفِيهِ جلْسَة... بلْ جلسات. 

نور الدين حنيف أبو شامة. 
المغرب. 
————————
* النصّ:

قلقلت ماكْ ياگلة
طلع بوجعران
تسلّيت بيك يا سلّة
ؤ هادا ما كان
هزّيتك نبرّد بْ ماكْ
تهرّس ماكْ
بحكم قاسي
بصهد لْحگرة طاب
ما بْقى گاسي
گالو طاحت ليد ف طّاس
نحسب شْحال من يد
و شْحال من طاس
يگول طاسي
و شحال من راسْ
يگول أنا راسي
آجيو نجبرو لْما
يتقادْ صوتو
يسكت خريرو لخريرْ
يدوز فْ وادو صامت
الحملة الحملة
تفيّق نعاسي
يسكت لما ف وادو
يشربوه صامت
يبرد جوف
جوف كل مناضل قاسي
سالات الحملة
والراس راس
كلها يگول انا راسي
فاق عَوْد لْما مخلوع
واخّا ماهْ ساكت
لعجينة لْخامرة
دارت بومزوي

رحال الإدريسي. 
المغرب.


الأحد، 4 يونيو 2023

الإبداع في الرواية بين الألم والخيال / د. أمال بوحرب / الإمارات العربية المتحدة.


[ مختارات نادي رؤى النقد والمسابقات ]

                  * مقالة نقدية *

- الإبداع في الرواية بين الألم والخيال.

- د. أمال بوحرب / الإمارات العربية المتحدة.

——————————————————

يقول "ثيودور أدورنو" (بالنسبة للإنسان الذي لم يعد لديه وطن تصبح الكتابة مكاناً له ليعيش فيه).

الكتابة... من منا لم يسأل نفسه ذات يوم لم أكتب؟

ولم يستهويني هذا القلم؟

 لعل الكتابة تتدحرج إلىأقاصي المحن الوجودية بكشف التباسات الحياة وتقنّعات الموت الذي يُعَدّ ظِلًّا للحياة في لوحة يكتمل فيها التمثل يشبّه كينونتنا بوجود الليل والنهار، وأنها تكمن فقط في ذلك الشفق الغامض الوهمي والهارب بين ذكرى النهار وتوق الظلام نهاية الشمس واقتراب الشمس من النهاية، وأن اكتشاف متعة اللانهائي في حلقة حلزونية تستبعد فكرة التحديد أو النهاية، إذ إن السارد يحلم دومًا بالحصول على موطئ قدم شيء ثابت، و تنتابه كلّ تلك الكرب عندما يعي سجنه في الحياة بؤس الـمنفى في أسوأ معنى مـمكن له هو ما يدعو السارد إلى ألَّا يتوقّف أبدًا في أن يكون هناك حيث لا يتحقّق وجوده في مكان محدَّد، أو في أماكن أخرى نوع من الطوباوية في سعيه إلى التهرب من منفى العيش وقلق الحياة، لذلك تستتبّ فكرة الـموت عند “بلانشو” (لتكتمل الصورة الناقصة للوجود، وهذا شكل من أشكال الألم، فكيف به أن ينتج فكرة إبداعية في هذه العلاقة الجدلية بين المشاعر والواقع؟). 

يشكل "الألم" في نظرية الإبداع الأدبي القيمة الأشد توترًا تجربة ورؤيا لدى المبدع، وأداة إمتاع ومؤانسة لدى المتلقي، ويتضاعف تبئير "الألم" في الأعمال السردية والرواية خاصة من حيث إن لها طولًا معلوماً وزواياً نظر مختلفة، بيد أن تجربة هذا "الألم" وإن كانت منطلقًا لسرد الأحداث وتنامي مقومات المتون الروائية سرعان ما تزداد عمقًا، أو تخفت حسب كل تجربة إبداعية، لاسيما عندما يتناغم الكون التخيلي للروائي مع الأحداث الواقعية، وبالتالي تتعمق إشكالات التلقي وفواصله بين حدود إمتاع القارئ وممكنات عيش الألم.

إن القول أنه بالإمكان إمتاع القارئ بالحديث عن الألم نفسه تتفاوت فيه الرؤى، فالإبداع فضاء رحب يحتمل كل ما فيه من انزياح أو عدول، حتى لو تعلق الأمر بالألم ذاته، وعلى سبيل المثال لا الحصر فروايات فيكتور هوغو — وخاصة "البؤساء" — ما تزال تمتع القارئ رغم سوداويتها ومأساويتها.

كما أن الروائي الأميركي المشهور "ستيفن كينغ" ألف أروع روايات الرعب  وأوقعت المتعة لدى القارئ بالرغم من أنها مؤلمة ومخيفة، وكل من قرأ رواياته لن ينساها أبدًا، بل إنها تغري بإعادة قراءتها مرات ومرات، ذلك أن روايته "صمت الحملان" خير دليل على إمتاع ملايين القراء وبعدهم ملايين المشاهدين عقب تحويلها إلى فيلم رعب، والشيء نفسه ينطبق على روايات "دان براون" مثل "شفرة دافنشي"، و"الحصان الرقمي"، و"ملائكة وشياطين"، و"الرمز المفقود" واقعية، و"الجحيم"، وغيرها... لذا فالكاتب الحذق هو الذي يحول الواقع المؤلم إلى أعمال روائية تخيلية تجعل فعل القراءة مدخلًا ممتعًا لخلق الدهشة والغرابة لدى المتلقي.

إلا أن كل كاتب يؤمن بلحظة ولادة إنسان جديد شديدة الألم ومنتجة للحياة مع كل كتابة، وهو أيضًا جزء من مسار حياة لا ينفصل عنها، لذا فالأهم لديه ليس الألم في حد ذاته، وإنما المستويات السردية وتنوع صيغ الحكاية، فعندما تحضر مواضيع معينة في الرواية، مثل سلب الحرية أو الموت أو العنف، فإنما يتم استحضارها كقيمة جمالية وأنثولوجية خلال الكتابة.

إن ذات الروائي واعية ومدركة تتأثر وتؤثر في محيطها الاجتماعي، وهو بالتالي حامل ومعبر عن مشاعره أو مشاعر المجتمع الذي يعيش داخله، سواء أكانت مشاعر الحب أم الألم أم اللذة أم الوجع أم غيرها من المشاعر الحاملة لهموم الفضاء المعبر عنه.

 سأقول، ولأول مرة سأطرح نظرتي بكل تجرد وواقعية وتصريح، إن الرواية ليست هذيانًا كما قد يتوهم البعض، فأصالة الروائي أنه صاحب صنعة بديعة يوجه عبر آليات تواصلية معلومة رسالته إلى المتلقي قصد تطهيره والتأثير عليه بصفته كاتبًا مسؤولًا وواعيًا بما يكتب في ظرف معين هو زمن الكتابة، نحو قارئ واع ومسؤول في ظرف معين هو زمن القراءة، وتفاعل هذه الأزمنة داخل الرواية يجعل منها خطابًا ملتزمًا بمسؤولية ممكنات فعل الكتابة.


د. امال بوحرب

الإمارات العربية المتحدة.

 

الخميس، 1 يونيو 2023

قراءة نقدية / تخطيط الفوضى في قصيدة النثر: قصيدة "لو" للشاعر عبد الرحمن بكري نموذجاً.



* تخطيط الفوضى في قصيدة النثر: 

قصيدة "ماذا لو" للشاعر المغربي عبد الرحمن بكري نموذجاً *


في سيمياء السؤال "ماذا" تتيه لحظاتنا القارئة وهي تحاول القبض على المعنى… ثم تأتي الأداة الشرطية (لوْ) متواطئةً لتردم ما بيننا وبين هذا المعنى… فنضيع مثل أيتام في مأدبة الكرام، حيث تنهال علينا أصانيف الطعام من كل حدب وصوب، وليس الطعام إلا ما ينثال علينا في متن هذه النثيرة الموسومة بالإدهاشِ، من خبايا المعنى وخفايا الدلالة ووصايا الأبعاد.

لننظر… حتى لا نشطّ بعيداً خارج النظر.

بين التحليق (المنطاد – الغيمات) والانشداد إلى (الدوائر - الاحتواء - النهدان) تقرر الذات في غير إرادة، أن تنتج العلامة الآبقة عن كل قبض قاموسي يحتجز الدلالة في أقفاص الاستيعاب المجاني. تقرر أن تنسلخ عن جاذبية التراب، لتحلق بعيداً، لا في سماوات أخرى تتيح أقوى فرص التحليق فحسب، وإنما، وأساساً، تتيح فرصةَ معاندة الريح ومجاراتها في مروقها القويّ (لتحاكي أسرار اصفرار الريح).

تحتكم هذه النثيرة في آليات اشتغالها وانبثاقها إلى ما يلي:

1 - تخطيط الفوضى:

لا نقصد بهذا المكوّن تنظيماً للفوضى، فهذا يتنافى شديداً مع خصائص قصيدة النثر، ويكون التخطيط أقرب إلى حقولها الدلالية أكثر من صرامة التنظيم. ونقصد بذلك أن الشاعر يمتلك تصوّراً خاصاً للموجودات التي لا يعكسها في مرايا التخييل، وإنما يصنعها في مرايا التخييل كائنات أخرى تمتلك حضورها النوعي المشكَّل من مادة الانحراف والانزياح الفني.

تتناسل القصيدةُ (البكريةُ) في نزوعٍ فوضويٍّ، يهدم أولاً الإيقاع التقليدي، في انقلابٍ مشروعٍ على قبضة الخليل الفيزيائية الصوتية، وعلى الأطر الإيقاعيّة الثابتة المستقرّة، لتغذّيَ ذاتها من موسيقاها الداخلية النابعة من تجربة الشاعر الفنية والوجودية معاً. وحيث تغيب سلطة الروي والقافية، تحضر قوّة البناء اللغوي بديلاً، وهو بناءٌ لا يستغيث حتى بمفاهيم التوازي مثلاً أو التكرار أو ما شابه، وإن حضرا في المتن الشعري هنا… وإنما يستمد إيقاعه من القوّة البنائية المتوافقة مع مبدإ الانتظام في القصيدة على حدّ تعبير الناقدة (سارة برنار)، نلمس ذلك لا في مظاهر الاتساق التركيبي، فحسب وإنما في تلكم الوحدة العضوية البانية لكل أنساق القصيدة الظاهر منها والمضمر.


2 - تشييد الهوية:

وهي هنا هويتان: الأولى وجودية ترتبط بذات الشاعر، وتتعلق برغبة فلسفية في إعادة بناء هذا الوجود. ضمنياً يستبين لنا أن الذات المتكلمة غير راضية على حضورها الراهن (ماذا لو)، ويفضح ذلك هذا السؤالُ الماكر المشحون أولاً بمكر المساءلة (ماذا)، وهي مساءلة لا تروم أجوبة، وثانياً بمكر العدم، خاصة إذا عزلنا، —تجريباً إجرائياً — مكون (ماذا) عن سياق (لو) انطلاقاً من افتراض هذا العدم الرابض في السؤال المعزول تأتي ملامح الهوية الثانية، وهي المتعلقة بفن القصيد، حيث تتناسل هوية النثيرة تدرجا من افتراض العدم إلى الرغبة في التفسخ، إلى التحليق، إلى التعالي، إلى السؤال مجدداً… وبين السؤال الأول والسؤال الأخير تتناسل الأسئلة تباعاً لتفتح أمام الذات إمكاناً واسعاً جدّاً لممارسة هذا التشييد. 

(ماذا لو – يحضنني سؤال الانتماء)… ومن العدم، التسطير الافتراضي، المبدإ، ينبجس السؤال الأخير المتعلق بالانتماء، وهو السؤال المفتوح على أنساق مضمرة غنية وجديرة بالكشف: 

(يحضنني سؤال الانتماء – أتمطط هنا خلف أبجديتي – كلما انبجست من جوفي)، إذ لا معنى للسؤال خارج شرطين: شرط الوجود (جوفي)، وشرط الكتابة (أبجديتي). 

وحيث إن القراءة هنا في مجال القصيد النثير يعدّ مغامرة، فإن الحسم في عمليات التأويل ينبغي أن يأخذ طابع قوة الاقتراح لا قوة الحق، لأن الانطلاق من التأويل كحق يشي بالرغبة الدفينة في بسط وصايته على التأويلات الأخرى الممكنة، من هنا فتأويلاتنا اقتراحات ليس إلا… أقول هذا لأن علامات مثل (الجوف)، و(الأبجدية) في سياق مثل هذا، لا يمكن أن تمرّ عابرة كريمة، وهي تحمل كل هذه الشحن الدلالية، فالجوف موصوف هنا باتساقٍ مع فعل الانبجاس، باعتباره مصدراً لانبثاق الكتابة… وهي الكتابة ذاتُها التي تتحول إلى متاريس للاحتماء خشية اندثار هذه الهوية المشيّدة في عوالم قصيدة النثر التي لا تعرف استقراراً أبداً.


3 -  هندسة الصورة الشعرية:

تعتبر الصورة أساساً في بناء القصيدة، وخاصة القصيدة النثرية التي تستغني عن كثير من أسس البناء الموروث مما يعطي انطباعاً خاطئاً بهشاشتها. من هنا يصبح للصورة الشعرية في نسغ النثيرة دور رئيس في حضورها الفنّي.

تختزن الصورة كثيراً من الدلالات التي يروم الشاعر فضحها، ويترك للقارئ شرف هذا الفضح، بحيث لا يبيح لنفسه كل القول، ويكتفي بالإشارة… ونحن سنقتنص الإشارة من العبارة المفتاح، حيث تتناسل بعد ذلك آليات الإنتاج، ففي قصيدة (ماذا لو) تبدأ رحلة الصوغ بداية غريبة وهي ترسم محسوسين: (التفسخ والغيمات)، حيث التفسخ فعل مرتبط في اعتقالات المعجم ب (الانفصال والتطاير والتساقط) مسنداً إلى مكون (الغيمات) غير القابلة لاحتضان خصائص هذا الفعل إلا في المتخيل الشعري، وحيث إن الإسناد النحوي لم يزد الصورة الشعرية إلا انغلاقاً وانغماضاً، تأتي القصيدة برديف عضوي في السطر الثاني (من دوائر الاحتواء – وصارت منطادا) لتبشر بأن هذا التفسخ ليس مجانيا يفيد رغبة الشاعر في بسط عضلات صوغه وتمكنه من خلق بؤر التصوير… وإنما لتشكيل الانسجام بين أطراف الصورة، وهي ليست صورة تقليدية تنتهي بانتهاء الصدر والعجز، وإنما تمتد إلى أكثر من سطر في اتجاه احترام وحدة القصيدة العضوية، من جهة، وثانياً لممارسة حقّها في إنتاج الدلالة الممكنة. 

من هنا، يهندس الشاعر ممكنات الصورة الشعرية، لتصبح تركيباً منحرفاً منزاحاً عن فن القول المباشر إلى فن القول المُلغِز والملغوم، وتصبح الصورة وظيفية ترسل ذاتها سديماً رقيقاً، يقولُ بتحوّل الغيمات إلى منطاد وتحويل المنطاد إلى صهوة، وتحويل الصهوة إلى تحليق معاند للريح، حيث إمكان السفر النوعي داخل الوعي واللاوعي لمباشرة القراءة الآثمة لوجودٍ موسوم بالتحول والتغير والرفض لكل ما هو ثابت، وهو ما تفضحه أيضاً تركيبات من قبيل (يحملني فوق ربوة النهدين – أجنحة البطش – محبرة الصمت…) كل هذا في إطار ما يمكن تسميته، مجازاً، بالتعبير التقليدي الذي لازال يمتدّ فينا جميلاً وفاعلاً، أو ما يمكن تسميته بفيض المعنى القابع في تلاوين البناء النحوي، والحامل لممكنات الدلالات البعيدة.

أكتفي بهذا القدر الممكن في تحويل مجرى القصيدة من نوايا الشاعر عبد الرحمن بكري إلى نوايايَ المقترِحة لا الفارضة، في إطار التعريف بالشاعر فقط، ليس في إطار الممارسة النقدية العالمة. 

وحسبي من هذا أنني، لا محالة، مصيب في بعضي ومخطئ في كثير من بعضي.


* المتن الشعري:

قصيدة للشاعر عبد الرحمان بكري بعنوان

"ماذا لو":


[ ماذا لو تفسخت غيماتي

من دوائر الاحتواء

وصارت منطادا

يحملني فوق ربوة النهدين

لتحاكي أسرار اصفرار الريح

ببللها المارق

يلفني ذاك يقيني الماكر

ترتعد فرائص اللات

في تعويذة كتبت بلا تحقيق

تقوت تحت أجنحة البطش

عندما يتراءى لها ضياء الشمس

وأنا عالق بين الأقفاص

تأتي إلى متعالية

تلك قوافل النوارس

في بحيرات اليأس

تهادن في مهب الريح على سبيل التنقيح

وجعها في محبرة الصمت

ويرتكن على هامش الحراك

مدادي الحارق

يحضنني سؤال الانتماء

أتمطط هنا خلف أبجديتي

كلما انبجست من جوفي ] 


نور أبوشامة حنيف

المغرب

الثلاثاء، 23 مايو 2023

قراءة نقدية في ديوان "فيه اللي فينا للزجالة المغربية سناء سكوكي مطر / الناقد المغربي الأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة.

 


مقاربة في ديوان ( فيهْ اللّي فِينا ) للزجالة سناء مطر ،  بقلم نورالدين حنيف ابوشامة

...

مقدمة :

1 – بين يدي الديوان :

تقدم الشاعرة الزجالة ( سناء سكوكي \ سناء مطر ) ديوانها الأول في مسيرتها الإبداعية المفتوحة على المزيد من العطاء  ، مطرّزاً بجمالية البناء الزجلي القائم على اختيار المفردة اللهجية بدقّة متناهية توخّياً لرفع منسوب إستيطيقا الزجل إلى أعلى ،  حتى لا تسقط الشاعرة ( سناء ) في متاهات الشبه المقيت الذي يعربد في ساحة الزجل المغربية و يتنطّع بوجهٍ قبيحٍ و صفيقٍ عارٍ من كل ملمحٍ للإبداع .

و تقدّم ديوانها مؤثّتاً داخل عشرين زجلية هي في الأصل عشرون لوحة . و تضم كل لوحة صرخاتٍ في وجه العدم و القبح و الفساد . و هي مفردةٌ تتشكل داخل علامة سيميائية هي ( اللُّوحَة ) بضمّ اللام المشددة عوض فتحها داخل العلامة العالمة ( اللَّوْحَة ) . توخيّا لاستنبات الفكرة الزجلية داخل الوجدان الشعبي الذي يتعامل مع ( اللُّوحَة ) بنسقية صوتية خاصة تختزن عمقا تراثياً أشدّ خصوصية .

عشرون زجلية تبنّتْ الصدق الفني في الصوغ الزجلي المتجاوز لخطاب اللهجة التواصلي داخل شرنقات اليومي الفاتك بشعرية النص . عشرونَ زجليةً توخّت فيها صاحبتُها اللمزَ و الغمزَ وفنّ  التلميح . كما صدحتْ فيها عبرَ أصواتِ الفضح و الشجْبِ و التصريح . و عزّزت جمالِيات قولها بالإشارة لمن له قبضٌ سريعٌ تنفع فيه اللّمحة قبل العبارة .

هكذا تنشد الشاعرة الزجالة ( سناء ) على خشبة الواقع برقصاتٍ لهجية تميدُ بوجدانِ القارئِ ميدا ، و تميس بخياله ميساً رُويداً رُويدا . و هكذا ارتأى مخيالُها أن تجرفنا إلى ضفاف نهرها الهادرِ بالإدهاش حتى نستجمّ بفيضِ شمس حروفها برهاتٍ من الزمن قبل أن تستفزّ عقلنا كي نلتفتَ إلى ما في الواقع من تغوّل يزحف إلى وجداننا كي يفسده بفعل تغوّل المفسدين . و من ثمّة وجب القول مسبقاً إن الديوان صرخة نقدية اجتماعية و إن لم تخلُ من همسٍ عاطفي لا يمسّ البعد الرسالي الزجلي في شيء بقدر ما يعضده و يُقوّيه و يمجّد فيه كل همس و كل صراخ و كل نقد .

تبدأ الزجالة ( سناء ) مشروعَ صوغِها الفنيّ و الهادف بلوحة ( الروح ) التي لم نُؤْتَ من علمها إلا قليلا . ثم ينثالُ مهرجان اللوحات تباعاً بما يلي : الليل – الدّقْ – حتالينْ – تْوامْ – نْواح الروح – الزّْهرْ – هِيَ – القلب – السّعدْ – امْرايْتِي – النية – فيهْ اللّي فِينا – المعڭاز – المضلوم – ما سوقيشْ – البحر – فرْنَسْ – شْكونْ يقدرْ – نْسيتي ) . و هي في هذه المسيرة الفنية لا تكتب زجلا بل تنشد روحاً و تُغنّيها في مواجهة الماحول المتغوّل ، قابضةً على مقولات الضوء ضد العتمة الكاسحة لرؤانا المنهزمة . و هي بهذا التوق المشعّ تريد أن تنتصر على الإعتام بكل ما أوتيت من حروف تتجاوز وجودها القاموسي الضيق إلى وجود فني يعبق بالجمال اللهجي كما يعبق بروح الرسالة .

2 – بعض الموسيقى :

و أول الغيث موسيقى . إن الزجالة ( سناء ) لا تقول زجلا كي تعجن اللهجة في ضباب الشعر كما يفعل الكثير ممّن تطاولوا على الإبداع و هو ينقلون خطابهم اليومي بين دفّتي كتاب ثم يصرخون بالزجل و ما هو بالزجل . الزجالة ( سناء ) تراهن على المعنى و الدلالة و المبنى و الموسيقى . إنها تؤمن أن الزجل إبداعٌ لهجيٌّ ينبغي أن يتخطّى مسامع المتلقي اليومية إلى عمليات التشنيف و الإمتاع و الإقناع . لهذا اختارت أن تسم زجلياتها بميسم الإيقاع الباعث على الانشداد إلى المحكي عبر الموسيقى أولا ثم المعنى ثانيا ثم الدلالة ثالثا ثم التأويل رابعا . و هي في هذا المنحى تلمّ كل طاقتها الصوتية لتضعها على ورق المقروء لأنها تدرك أن الإنشاد هو الشعر و هو الزجل . من ثمّة نفهم ميلها الكبير إلى ترتيب روحها في كل زجلية بناء على ما تمليه الزجلية من قرار فونيتيكي .

لنضرب على ذلك مثالاً من خلال الزجلية الأولى و الموسومة ب ( الروح ) . فهي اختارت أن ترتب أذهاننا داخل روي حرف ( الڭاف ) بتكراره في نسقية صوتية تبني توقعات المتلقي بناء ماكراً لأنها تستبدل صوت ( الڭاف ) بصوت ( الكاف ) و هو من جنسه حتّى لا تدخل ذائقة المستمع في رتابة الزجل و لتبقى حالمة بإدهاش الزجل . و الجميل في مستوى القصيدة الصوتي هو ختم كل مقطع بحرف دلالي و معبر و حامل لمعنى القفلة ، و يتعلق الأمر بهاء ضمير الغائب الماتحة بعض صواتَتِها من هاء السّكْتِ ، و ذلك في سياق قافية أمكر ، و هي متجلية على النسق الآتي (عسّي عليه - ما اتْڭدي عْليه - اتْراري بيه ) .

و المثال الثاني اخترتُه من الزجلية الأخيرة في الديوان ، و فيها لعبت الزجالة لعبة التنويع الصوتي تبعا لطبيعة الموضوع و الدلالات القائمة فيه . و الباعث على ذلك طبيعة السخرية الماضية في فضح الواقع القائم . من هنا جاءت الأروية و القوافي ساخرة في تنوع بائن يشد المتلقي إلى مفهوم الضحك الأسود من خلال تشاكلات صوتية واخزة . و مثال ذلك (اشْحيط الكلمة اللّي ،  تحكو بالتومة ، اللِّي تجمع ف رزمة - التخراش لي تَتْخم ، و الحق لي تزمْ - نسيتي الجوف ، نهار طاح مكروف - فمُّو يڭفض ، ف ندامة عض - رجعتي تسول ، ارْجع اتْسَكْوَلْ ) و كم هو ملاحظٌ هذا التنويع في الأروية بطريقة زجلية تبني الموسيقى داخل نسق صوتي مستفز و معالج و ناقد في نفس الآن .


3 – في سيمياء الخير و الشر :

أرى أن الديوان في كله و جلّه طرحٌ لهجيٌّ لكينونة الخير و الشر . و من منظور الزجالة سناء فالأمر يتعلق بثنائية وجودية لا بالمفهوم الفلسفي العدمي و لكن بمفهوم الحضور و الغياب الذي يلقي بظلاله على روحين : روح المبدعة و روح المتلقي .

من هنا نفهم لِمَ افْتتحتِ الزجالة سناء مهرجان قولها بزجلية ( الروح ) و كأنّها تروم بذلك فتحاً لمفهوم الشهادة بأن تكون الروح عالمة و شاهدة على كل المواقف التي ستتبنّاها الشاعرة بخصوص صراع طرفيْ الثنائية ( الخير و الشر ) . قالت الزجالة سناء : (جيتك يا روح بْ زوڭة ) و الزوڭة مفردة لهجية من قاع اللسان المغربي و تفيد الصراخ أو الإعلان ، و قد استأنسنا في ذلك التخريج بمفردة ( الزواڭة أو الزواكة ) بحرف الڭاف أو بحرف الكاف . 

و أول تجلٍّ لهذه الثنائية ترسمه الشاعرة في عبارة واخزة تفضح ما في الكائن الحيّ من تناقض صارخ ، في تعبير لهجي يتّسم بالإيجاز القويّ ، و يُغني عن كثير من الإسهاب المجاني .  قالت : ( فْعايلو مسرارة - جغديد مدلوكة ) ... و العبارة اللهجية هنا في هذا المثال جمعت في فنّ الزجل بين طرفيْ نقيض ، أي بين مقولة الجمال مشخّصةً في ( مسرارة ) و بين مقولة القبح مجسّدةً في ( جغديد ) . و لا أجمل و لا أدقّ و لا أوجز من هذا الصوغ الزجلي الذاهب بالمتلقي مذاهب الإقناع قبل الإمتاع عبر ثنائية متضادة حاملة لأكثر من دلالة ، نستسيغها مع الشاعرة في سياق عاميّ يربط مفردة ( الجغديد ) بشيءٍ قبيح في وجداننا الشعبي هو السمّ أو الإفراط في الملوحة . من هنا قولهم في الدارجة المغربية ( تاكلْ فيهْ جغْديد ) .

و هذا مجرد مدخل لاستيعاب هذه الثنائية التي تقضّ مضجع الشاعرة سناء و تدفعها إلى القول عبر فن الزجل كي تفضح تغولات هذا الواقع من منظور زجلي شعري يُشرّح بعضَ أوصال المجتمع للكشف عن بعض حالاته المرضِية . و من تجليات هذه الثنائية الكثيرة في الديوان نذكر التوتّر البائن بين الظلام و الضوء اللذين عبّرتْ عنهما الشاعرة داخل انزياحات بليغة بلاغةً شعبية تمتحُ بعضَ انسيابها  من البلاغة العالمة ، في مثل ربطها لمقولة الليل بالطول و العراء و الصمت المُطبِق . في حين لوّحتِ الشاعرة للضوء بمفردة إيحائية شديدة الإيحاء ، و هي القمر في حضور محتشم جعلته الشاعرة يستجدي النجمات كي يقلّص من جبروت الظلام .

ناهيك عن أطراف أخرى فاضحة لأمراض هذا المجتمع ، و ذلك من قبيل ثنائية الظلم و العدل ، الحق و الباطل ، الرحمة و الجبروت ، الكرامة و الرعونة ، الخضرة و الجفاف ، الغدر و الأمان ، الحظ الجميل و النحس ، الحب و الكراهية ، الوطنية و اللاوطنية ، و غيرها مما دلّ على وعيِ الزجالة سناء الفنيّ بكل أشكال الخلل القائمة في المجتمع و العاملة باجتهادٍ مقيتٍ على نخر الذات المغربية في صميم جوهرها حتى يتسنّى لمسلسل الفساد بسط إرادته الغاشمة على مشاريع الخير و الجمال و النقاء .

إن الشاعرة سناء لا تقف بمشروعها الزجلي عند حافات التشخيص المجاني لهذه الثنائيات العاجّة بالتناقض و العدمية و السلب . و لا عند حدود التسجيل المرآتي القائم على الوصف المنفلت أو على المقولة الهاربة ( قلْ كلمتكَ و امْش ) بقدر ما تقدّم رؤياها الفنية عبر بوابة الزجل ، تقول فيها ما ينبغي قوله من باب الاستنكار أولاً و الشّجبِ ثانيا و إرادة التغيير ثالثا . هي تبصر الواقع من خلال الفن ، و تروم طرح رؤياها المغيرة لحساسية استقبال تغولات الواقع داخل طاقة إيجابية لا تنحني لرياح الفساد و لا يفزعها حبروته . لأنها تعلم أن ما بين جوانحها حرفٌ قويٌّ و بعيدٌ و ماضٍ في تشريحه و تفكيكه و تحليله للظواهر الفارضة سلطتها على الوجدان الفردي و الجمعي معا . و لهذا اختارت ألّا يكون حرفها طيعاً لفكرة الانهزامية و لا مستجيباً للعدمية الخاوية و لا راكعاً لسطان التغوّل الاجتماعي . إنها اختارتْ حرفا قويّاً قالت في توصيفه ( أنظر اللّوحة 13 ) :

يمكن لغايا 

يجيك تزنزين

يمكن حرفي 

ما شبعان ادْهين

و ليني دقتو ف الجبين

ترسم حفرة الزين

و توشم ف القلب منويين

و شحيطو بلا سواك 

يعمر العين.

إنه حرف يتعامل مع الثنائيات المتناقضة من باب الوعي بالذات التي لا تلين لمساومة و التي تملك كل إمكانيات الضرب على أيدي الفساد بطريقة تترك أثرا إيجابيا في الموضوع . ( و ليني دقتو ف الجبين – ترسم حفرة الزين ) . هكذا تؤسس الشاعرة لحرفها ، أي لفن زجلها داخل وظيفتين : واحدةٌ تشريحية و ثانية جمالية .

4 – جماليات الصوغ الزجلي في الديوان :

لا نستطيع أن نحاصر هذه الجمالية لا في المعنى و لا في المبنى لأن هذا الحصار من شأنه أن يفتك بالرؤية الفنية للديوان . و من ثمّة يجرنا إلى تفكيكية غير عادلة . لهذا يكون من الأنسب أن نقرأ الديوان في معناه و في مبناه و في ددلالاته داخل أفق واسع هو استحضار المتلقي في عمليات تذوقه أولا و تأويله ثانيا . و لكي نقترب من هذا الهدف الجمالي لابدّ أن نستوعب جيّداً أننا إزاء مشكلة فنية ترتبط بأداة التعبير . إن البحث في جمالية الشعر العربي الفصيح أمر مألوف و ميسّر لأننا نقرأ الفصيح داخل أداة اللغة العربية المعربة و الفصيحة و الماتحة ماهيتها من ضوابط و قواعد نحوية و صرفية دقيقة تمثل المرجعية التي نحتكم إليها في كل نشاز . و لكننا في مضمار الزجل لا نمتلك هذه القدرة لأننا نتعامل من شعر يستعمل اللهجة ، و هي المتعددة في ربوع الوطن ، و هي المشكّلة تبعا لوجدان الحزام الجغرافي الذي ولدتْ فيه و ترعرعتْ .

 ناهيك عن استعمال هذه اللهجة في التخاطب اليومي مما يوهم البعض ممّن يدّعون زجلا أن الزجل أمر سهل الإبداع مادام قد صيغ بالعامية . بل العكس هو الصحيح و السليم . فالإبداع داخل لغة التخاطب اليومي يملي على المبدع نباهة متفردة و حرصا شديدا على إحداث القطيعة داخل المألوف حتى يتسنى للمتلقي إدراك أن الزجال فلان قد أمتعنا بابتعاده عن تكرار لغة التخاطب اليومي في ديوانه ، و أدهشنا بصناعة المسافات الممكنة بين لهجته المشتركة و بين زجله المتميّز .

و الشاعرة سناء استطاعت أن تتملّص من هذه الإشكالية بأن عانقت مشروع الإدهاش الفنيّ في الزجل و عدم السقوط في تكرار مفردات التخاطب اليومي كما يصنع كثير ممّن حُسِبوا ظلماً على محاريب الزجل المغربي .

و تقدّم لنا الشاعرة ديوانها معجوناً في لغةٍ ... أو بالأحرى ... لهجةٍ تعيشُها في حياتيْن استطاعتْ أن تفصل بينهما : حياتها الخاصة حيث اللهجة وسيلة و حياتها الفنية حيث اللهجة إبداع . و هنا مربط الفرس . فقد صاغت الزجالة لوحاتها خارج سلطة العامية بأن صنعتْ لهجة فنّها الخاصّة حتى لا يختلط حابلُ اليومي مع نابل الفنيّ . ثمّ أخذت ملامح الماحول و عجنتها في بؤرة روحها المحلّقة ، و حرصت أن تطبع كل مفردة بكل الممكن من الطاقة الإيحائية حتى يخرج زجلها ماضياً مضاءَ الترياق في الجسد . و هي في هذا المشروع الفنيّ استدعت اللهجة في جناحها الدينامي القادر على محاورة المتلقي حتى لا يتمّ عزله داخل برج الاستمتاع فحسب .

و لا أدلّ على هذه الجمالية من اللوحة الرابعة ( حتالين ) حيث المساءلة سيدة الموقف ، و الغلاف المؤطر لها وخزٌ جميلٌ بلدغ أمكر . و لا يكون أمر المتلقي إلا تبنّياً لموقف الشاعرة أو تعاطفاً في أضعف الإيمان . قالت الزجالة سناء :

حتالين

وسادنا حجر

سعدنا شمر

مشطون يتعافر

لداوير الزمان يجر

احلامنا سكنتوها لمقابر

نزفت بالخناجر

مرشوڭة ف الصبر

 و السؤال هنا مصوغٌ في ذكاء العبارة المسكوكة داخل الوجدان المغربي بحمولة مكتظّة بالمضاضة و القرف من هذا الماحول المتجبّر . ( حتالين ) سؤال لهجي فني أخرجته الشاعرة من بداهة الدارجة البسيطة إلى قلق السؤال الوجودي الواضع لكينونة المتكلمة و لكينونة المتلقي في أتون المساءلة المقلقة و الباعثة على المزيد من تناسل الاسئلة الذاهبة مذاهب الحفر في أركيولوجيا الفساد ، لا المتبخرة في ضباب الامتصاص و كأنها أقراص مهدّئة أو منوّمة .

إن جمالية النص الزجلي هنا لا تؤمن بدغدغة الوجدان في المتلقي من أجل استحسان المقول . و إنما تؤمن بضرورة نقل المتلقي من حالات الصمت إلى حالات الكلام ، و من وضعيات الفرجة الخاوية إلى وضعيات المشاركة ، و من لغة الاستسلام إلى لغات الشجب و الاحتجاج . 

إنها جمالية القول في شقين : شقّ الوخز و شق التنبيه . 

 و لنمضِ قدما في استكناه ملامح هذه الجمالية و هي كثيرة و غزيرة في الديوان ، و نستشهد لها تمثيلا لا حصرا . و نذكر من قبيل ذلك اللوحة 16 ( ما سُوقِيشْ ) :

ما سوقيش

الى الخاطر راب

والحق ف اللْسان 

اتْعابْ ...


ما سوقيش

الى اللّْغى خسر

و الدم  حجر

و الصح ف لخلا 

اتْوضر

...

و قد تكررت مفردة ( ما سوقيش ) عشر مرات في لبوسٍ زجلي فنيّ لادغ يقدّم الموقف الوجودي للذات المتكلمة داخل الوعي المضاد للفكر السائد . كيف ذلك ؟ نحن نعلم أن مفردة أو عبارة ( ما سوقيش ) هي في الاصل عبارة استسلامية تمتح مادتها الانهزامية من ثقافة متجذرة تقول ( المصيبة إذا عمّتْ هانتْ ) على مستوى الثقافة العالمة ... كما تقول بلسان الثقافة الشعبية و بلسان الوجدان الجمعي ( دير راسك بين الروس ؤ عيطْ آ قطّاع الريوس ) و هذا كله يندرج في مسلسل تجويف الذات المغربية و إفراغها من ثقافة الموقف إلى ثقافة الاستسلام و العبثية و اللامبالاة و الأنانية ( أنا ، و من بعدي الطوفان ) .

لكن الشاعرة وظّفت جمالية الموقف داخل جمالية التعبير . فموقفها إيجابي و واعٍ بالمسؤولية ، و هي لا تزجّ بالعبارة ( ما سوقيش ) في تكرار الانهزامية المقيتة بقدر ما تحول العبارة إلى سلاح مضاد عبر مسلسل التداعيات الواصفة و الموصوفة في القصيدة لحالات العدمية و التي تختمها الشاعرة بموقف نقدي قوي . قالت بعد أن شخصتْ حالات الخرق و السلب :

ما سوقيش

إيهْ ... ما سوقيش

ؤُ بالسّيف غنعبر 

و نبني عشيش

و للصبر نرش بقشيش

نعتق النية من النهيش

و العطفة من لَقْميش

و اللّي من كلامي زعفان

احسن لِيهْ

يِعيش هربان

را عضة لمعڭور 

تريّبْ الشان

هكذا تحول الشاعرة الهزيمة إلى نصر ، و الخواء إلى عمار و الضعف إلى قوة ... بعد أن تستدرج المتلقي إلى خطاب الهزيمة ، لتعلن في وجهه صرخة القيام و النهوض بدل الاستسلام . إنها جماليات الموقف حين يستدعي اللغة\ اللهجة في مكرها الأدبي ، و هي تستفز القارئ و تحرّك مكامنه في أبعاد إنسانية عامرة بالخير و الجق و الجمال .

- ختم :

هذا غيض من فيض ، لم يسعفنا مقام التقديم كي نلمّ بكل شروط الكتابة الزجلية لدى الشاعرة و الزجالة المختلفة سناء سكوكي . و حسبنا من هذا و ذاك أننا استنفرنا بعض مكونات الديوان فتحاً لشهية الكلام فيه في لاحق الإيام . و حسبنا أيضا أننا علمنا أننا إزاء شاعرة بكل القوة الممكنة لشابّة تبحث عن شكل فني لزجلها خارج الشبه القبيح و التكرار الأقبح . و إنما هي الباحثة في تحدٍّ جميل و جليل عن الأجمل في لهجتنا المغربية الحمّالة لكثير من أوجه الجمال . و لا يسعنا في هذا المقام الطيب إلا أن نتمنّى لها مسارا إبداعيا متصاعد العروج لا يعرف للتراجع في الإدهاش معنى ، حتى يتسنى لها أن تبصم الساحة الزجلية المغربية بميسمها الخاص و الجميل و المدهش .

...

نورالدين حنيف أبوشامة

المقدمة موجودة في مدونة ( تزرورت ) و في مجلة الرؤى


https://nourhanifabouchama.blogspot.com/2023/05/blog-post.html

الأربعاء، 26 أبريل 2023

من هامش المغرب، أصغر كاتبة عربية تبدع شمياً بحجم الكف / قراءة في رواية "شمس بحجم الكف" للكاتبة الواعدة "عبير عزيم" / أصغر روائية في العالم العربي / بقلم الأستاذة زهرة العسلي. .



* من هامش المغرب، أصغر كاتبة عربية تبدع شمساً بحجم الكف *


قراءة في رواية "شمس بحجم الكف" للكاتبة الواعدة "عبير عزيم"، أصغر روائية في العالم العربي. 

* بقلم الأستاذة زهرة العسلي. 


جاءت إلى عالم الحكاية مكتملة النضج، بلغة شفيفة، وأسلوب مبهج في الكتابة، وتأملات 

فلسفية، برغم طفوليتها تلامس القضايا الحيوية للوجود، ألا يقال في الفلسفة خذ الحكمة من أفواه الأطفال والحمقى.

شخوص يبدون أشبه بكائنات من دم ولحم تمرح وتتعذب، تتألم وتحلم مثلنا، نكاد نراهم في واقعنا اليومي بصفاتهم وأسمائهم، رؤية مبهجة تذهب نحو أفق عالم رحب مطروح على كل 

الاحتمالات... ندى فتاة صغيرة من هامش مقصي، لها أخ جاء إلى الوجود بعلة مستدامة، ظل يعاني من متلازمة داون، وأورث أمه عطب الحياة، حيث نصادفها في رواية "شمس بحجم الكف" بلا صوت، بلا أثر يدل عليها سوى أنها جثمان حي في سرير غرفة مظلمة، 

دوماً في شبه غيبوبة عن العالم، تحيلنا على "باتريك زوسكيند" بطل رواية "العطر" الشهيرة لجان باتيست غرنوي الذي أنجبته أمه تحت عربة بيع السمك وسط السوق، بين تلك الروائح العطنة، حيث أرادت التخلص منه بحكم أنه ابن غير شرعي كما فعلت مع سابقيه، يوم صرخة ميلاده ماتت الأم التي وهبت الابن بذرة الحياة، تلك الصرخة جلبت العار لأمه، فتم إعدامها. كيف تهب الطبيعة روحاً وحياة لطفل، يكون سبباً في قتل أمه وسرقة بهجة 

الحياة منها؟ ولكن "غرنوي" لم يمت برغم شنق أمه، فيما "مراد* سيظل معتلاً هناك، وأم ندى إلى جانبه في غرفتها الأخرى يتبادلان الحزن والأنين، كيف اعتل كل واحد بالآخر؟

يهجر الأب العائلة بحثاً عن مساره الشخصي، فتبدأ الطفلة ندى سلسلة كفاح منقطع النظير، بين الألم والأمل، بين الإحباط وروح التحدي في البحث عن سبيل لإعادة التوازن لوجود مختل، وأثناء رحلة البحث المضنية عن علاج للأخ الصغير والأم المعتلة، تبدأ الأسئلة الكبرى حول معنى الحياة، القدر والإرادة في تغيير العالم، النظرة المتخلفة للإنسان في مجتمع يبحث عن مسار تشكله في ظل كوابح ثقافية وتقاليد متخلفة تعيق معانقة الإنساني في الإنسان، يقول السارد: "لكن الصغيرة مع ذلك أصرت على المقاومة، وعاودتها وساوسها وأحلامها في شد وجذب، من يُردي الآخر، كانت ذاتها مثل ساحة معركة، طرفاها المتصارعان هما اليأس والأمل، الحزن والفرح، الانكسار والانتصار... سئمت خوفها من كل آت، ملت تلك الأحزان التي ما أن توشك على الانتهاء حتى تلد أحزاناً جديدة، تطلعت إلى المرآة، مررت أصابعها النحيلة على تلك الفتاة الشاحبة التي تطل من بحر الزجاج، أفزعها ذلك الوجوم العابس في وجهها، ذلك الشحوب الذي اكتسح بشرتها، نسيت نفسها، أحلامها، مستقبلها، كل شيء جميل صار موؤوداً في هذا المثوى الذي كم تمنت لو هُدمت أسواره الإسمنتية وتصدعت أعمدته وانصهرت قضبانه الحديدية التي تحميه، لتبكي على أطلاله، أو ربما يبكون على جثتها المطمورة تحت أنقاضه"... لكنها في لحظة إشراقة جوانية تعود إلى لغة التحدي الذي لازم الإنسان في صراعه التاريخي ضد كل عوامل اليأس والحزن والإحباط لتقول على لسانها كبطلة لرواية "شمس بحجم الكف": "أنا عائدة الآن، ومعي زخم وافر من جذوة الأمل المتقدة التي اكتشفت المنفذ السري إليها لأهزم العبوس والتشاؤم... لقد انتصرت على جبروت اليأس ومزقت نسيج الأفكار الحزينة التي اتخذت من جمجمتي ملاذاً لها، ومن حسي البليد الأحمق حرزاً حصيناً يأويها... لن يغريني الضعف والجمود، لن يهزمني الخمول والاستكانة! فقد دفنت كل الذوات المعتلة والمعاقة التي كانت تستوطنني... أحسني الآن أني قوية".

وتنتهي الرواية بأمل، مهما بدا ضعيفاً يظل نافذة على الوجود الصاخب. 

كل ذلك ترويه عبير عزيم بلغة سردية ماتعة ومبهجة، فيها الكثير من التأمل والمونولوج الداخلي الذي يعكس روح شخصيات قلقة مما تواجهه في الحياة، لتصدح في الأخير بصوت إيليا أبي ماضي: 

[ كن جميلا تر الكون جميلاً، وابتسم يكفيك التجهم في السماء].


زهرة العسلي

المغرب

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...