السبت، 18 نوفمبر 2023

حبيبها / قصيدة نثرية / الشاعرة المغربية الأستاذة زهراء الأزهر.


  {حبيبها} 


بعد ألف عام

وحين يصحو العالم

على طبول الليل

ستأتيك يا حبيبها

في ليل شتوي

ترقص مع هزيج الروح

مبتلة  بالندى

تستجيب ولن تتمنع

تسافر في أعماقها

ستهمس لك خوفا

من انجراف سيولها

ستمنحك جداول ظفائرها

ستغني لها سترقص لك

ستشدك إليها أكثر

لتولد شجرة ولود

يغني لها المطر

تتفرع تحت جلدك

تشهق من مسامك

تتنفس من رئتيك هواء نقيا

إمرأة لم تعرف بعد مقاس قدميها

مفتونة بالحياة

بالأوراق...والشجر

خلقت من نار القلم

على لسانها كتبت

ثورة التاريخ


بقلم: زهراء الأزهر

البلد: المملكة المغربية

 


الاثنين، 6 نوفمبر 2023

قصيدة "ميسَّة" للشاعرة والزجالة المغربية الأستاذة خديجة لحرار.



* ميسَّة *

* طمعت غير فالي شاط

بعدما لعبوا الروندا 

و دارو ميسة فالتكشاط


* خربقوا الرموز 

و تخلطت الارقام فالماط


* المعادلات شدها بزلوم 

حدرت الرأس و تواطات


* زيادة فالاسعار

الناقص فالصندوق والابار

الضرب فالجيوب 

بنهار و بلا سمسار

القسمة بينهم 

و انت والله لا دقتيه 

و خا تكون 

من الأهل و الجار


* مشكل هاذا 

مشكل و مشكووول


* سولت قطعة الشكل

و مالك كتقطعينا تقاطع

قطاع الطرق و تجبري 

احاسيسنا بالترقاع


و بجميع حروف النداء 

ناديتها و رميت عليها العار


خبري الخبر بخبرنا

مال الحال 

كثر فيه النصب و الاحتيال


خبري الخبر يخبرنا

مال الفاعل مرفوع 

وفبحر الظلمات 

يغرق الأبطال


خبري الخبر يخبرنا

مال الجار و المجرور 

كسر نسور و عمر لقبور

فوق سما و فوق لبحور

طيارة و بابور

و فوق الارض 

حديد بقوة النمور

و الراحة ف افخم ديور


خبري الخبر يخبرنا

مال شبه الجملة  

قرصت بقريص النحلة 

و بجريد النخلة 

ساست كتاف 

صبح همها 

واضح يتشاف


خبري الخبر يخبرنا

مال حروف العطف

ما عطفت 

ما ساعدت 

ما حنت 

و خا غير بصرخة 

وااااااااااا الضمير 

فين غابر

 و علاش ضاسر

و مع من سهران

حي و ميت مبنج

تسلب و تامر

ما همك 

جيعان و لا عطشان 

ولا صرخة خرجت 

من جوف عامر


ياك الضمير 

مرة ضاهر 

و مرة مستور 

تحث ضس من رخام و غابر

خاصك نغزة من مجهول 

يخرجك من سبات 

بابو حديد مطرق بمسامر


ياك المبني للمجهول 

تعفس ترفس بحال الغول

على الاقل

عمي الغول كان حنين 

يزورنا فالاحلام

و فاليقضة 

بالنخوة و بلا شماتة 

يلبسنا سلهام


خديجة لحرار.

المغرب.




السبت، 4 نوفمبر 2023

الأديبة الشاعرة والمترجمة المغربية الأستاذة خديجة الحمراني في ترجمة أدبية لنص "قهر" للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب.



 ترجمة أدبية مع الأديبة الشاعرة والمترجمة المغربية 

الأستاذة خديجة الحمراني 


ترجمة نص { قهر }

للشاعر المغربي 

عبد الرحمن بوطيب

 

1/ النص العربي المترجم:

* قهر *


هَيَا ثديَ أمي

رسمتُ على وجهكَ خريطة

 وطني

رضعتُ حليبك 

ارتخى منك الأديم 

ضاعت معالم وطن 

بين شروخ أخاديد 

أرضك النازفة


عبد الرحمن بوطيب.

المغرب.

Abdou Bout 

——————————————————

2/ الترجمة الأدبية إلى اللغة الفرنسية:

{ Oppression}


Ô sein maternel 

J'ai dessiné sur

 ta surface la carte

 de ma patrie 

Quand j'ai tété ton lait 

Ta peau s'est affaissée

Les repères de ma patrie 

se sont perdus 

Dans les fissures 

des sillons de ta terre

 saignante


Khadija Elhamrani





الخميس، 2 نوفمبر 2023

الأستاذة فاطمة عدلي في قراءة نقدية في رواية "أبراج من ورق" للكاتب المغربي الأستاذ سعيد رضواني.


 [ قراءة نقدية ] 


"أبراج من ورق" 

بناء سردي وفق هندسة خاصة.


الأستاذة فاطمة عدلي في قراءة رواية "أبراج من ورق " للكاتب المغربي"سعيد رضواني" الحائزة على "جائزة أسماء صديق المطوع" للرواية الأولى، عن منشورات دار الآداب.

 

متنقلاً بين القرية والمدينة يبني الكاتب أبراجه وفق نسق سردي خاص، يكسر البناء التقليدي، ليتبنى هندسة مختلفة تعتمد على التناظر السردي.

منذ الوهلة الأولى يصادفنا مفهوم البناء الذي تكشف عنه عتبة المتن الروائي من خلال العنوان الذي يحيل على الأبراج، بغض النظر عن مادة البناء، فالبرج كما نعرف هو كل بناء مرتفع، سواء بشكل دائري أو مستطيل.

ويتضح لنا نوع البناء عندما يتم إلصاق الأبراج بالورق، فنخلص إلى أن المقصود هو "أبراج من ورق"، 

هكذا يبدو لنا أن الكاتب ينحو إلى بناء خاص يختلف عن النمط المعهود الذي يعتمد على بداية، ووسط، ثم نهاية، بل يضع هندسة خاصة لبنائه السردي منذ البداية، يؤكد ذلك لجوؤه إلى تقنية التناظر السردي، حيث قسم روايته إلى جزئين متقابلين، يتكون كل جزء من مجموعة عناوين، لكل عنوان في الجزء الأول ما يقابله في الجزء الثاني. 

تتقابل أدراج البرج الأول وسلم البرج الثاني، ليتم التسلق عبرهما إلى بناء أبراج الرواية.

يفصح الكاتب نفسه عن لجوئه إلى مبدأ التناظر بقوله: "أقر الآن، أنا الذي اخترت تأليف هذا الكتاب وفق هندسة متناظرة الفصول، بما في هذا التناظر من تماثل وتباين وتقابل". 

لن أقتحم تفاصيل السرد، تفادياً لحرق مراحل التشويق لقارئ مفترض، فقط سأشير لبعض العناصر كإضاءات.

تتم أحداث الرواية من خلال التنقل بين القرية والمدينة، حيث يحاول الكاتب الربط بين الماضي والحاضر من خلال استحضار ثلاثة أجيال، انطلاقاً من الجد، مروراً بالأب والأم، إلى الحفيد الذي يعمل على حفظ ذاكرة الأسرة.

تبدأ الرواية على الشكل التالي:

 "لا أذكر من منا كان يمضي في ذلك الطريق المترع بسخونة يصرفها طاقة تكوي".

أتأمل هذا المدخل الذي يطاله التشويش فيحيلني للتو على ألبير كامي في روايته "الغريب" ومدخله العبثي الشهير: "اليوم ماتت أمي… أو لعلها ماتت أمس… لست أدري". 

يتكرر هذا التشويش وعدم اليقين في مقاطع أخرى من الرواية: "سأعرف بعد أن أدقق مرة أخرى... أنه هو وليس أنا من قطع المسافة الفاصلة... وأنني أنا وليس هو من قطع ما تبقى من الطريق". 

ويجعل الأم المتوفاة تنطق كما لو كانت على قيد الحياة: "هل أنا حية أم ميتة يا ابني؟". 

وعلى نفس المنوال نجده في الجزء الثاني يكرر مجموعة من الجمل، كما في الجزء الأول، فيما يشبه اللازمة. 

يبدأ الجزء الثاني بقوله: "لا أذكر من منا كان يمضي في ذلك الطريق المترع بصقيع ينعكس برودة على ما حوله". 

ويجعل الأب المتوفى يقول على غرار ما قالت الأم: "هل أنا حي أم ميت يا ابني؟".

هذه بعض النماذج من التكرار التي يلجأ إليها الكاتب كنوع من الانحرافات السردية، إذ يعمل على تحطيم التسلسل الزمني النمطي وفق انتقالات مقصودة تجعل من الصعب تلخيص الرواية من زاوية معينة، كما يلجأ بين الفينة والأخرى إلى تقنية "الفلاش باك" لاسترجاع بعض الأحداث خارج الخط الزمني بهدف إعطاء سرده شحنة أقوى، أو بغية تعميق شخوصه.

ويظل هاجس الكتابة والنشر حاضراً في الرواية، نلمسه في مجموعة من المحطات كقوله:

- أمضي لأكمل تأليف كتابي.

- بعد احتفال والدي بإصداره.

- خوض مغامرة الكتابة.

- أراجع مخطوط كتابي.

كما يلاحظ حضور الذاكرة البيضاوية بوضوح بين ثنايا السطور من قبيل:

(شارع الفدا - ساحة السراغنة - معرض الكتاب المستعمل). 

وينهي الكاتب روايته بتمجيد القراءة والكتابة: "بإدماني القراءة والكتابة، تفوقت على ظروفي وعلى نفسي". 

وبالعودة إلى هندسة الأبراج، وكيف جعل الكاتب روايته تبنى وفق جزئين متناظرين، يتكون الجزء الأول من 26 عنواناً، والجزء الثاني من 27 عنواناً، نلاحظ أن الجزء الثاني الذي ينتصر للحرف مقابل الإسمنت ترجح كفته لتكون الغلبة للورق، ويظل "الورق أقوى من الإسمنت".

بعد أن أنهيت قراءة الرواية عادت بي الذاكرة إلى استحضار المخزون من المقروء، فمرت بي عبر رائعة غابرييل غارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة"، فاستحضرت بلدة ماكوندو الصغيرة وتعاقب مجموعة من الأجيال، والقتيل الذي لا ينفك يظهر باستمرار.

وتبقى لرواية "أبراج من ورق" خصوصيتها النوعية التي تشد القارئ إليها من خلال بنيتها السردية المختلفة وهندستها التي لا تنسج على منوال معين.


فاطمة عدلي

المغرب

عروس / قصيدة نثرية / الشاعرة المغربية الأستاذة أمينة كوكاس.



* عروس *


رق غصين

عطف

غجرية 

بوهيمية

في غنج

ترنحت

وريقة

من سحر

 همس الطير

للنسمة

من عذب

غمغمة البدر

للنجمة

على هودج

أخضر

زفت الحروف

قصيدة.


أمينة كوكاس.

المغرب.

الأربعاء، 1 نوفمبر 2023

ورد البنفسج / قصة قصيرة / الكاتبة الشابة العراقية مها حيدر.



* قصة: ورد البنفسج.

- الكاتبة العراقية الشابة

 مها حيدر. 

                 

في مدينة صغيرة مشهورة

 بجمال حقولها وحسن

 منظرها وكثرة أزهارها

 التي كان أشهرها ورد

 البنفسج، بل أغلبها، كان

 كل شيء لونة بنفسجي،

 ولا يسمح بلون غيره.

كان يعيش هناك رجل

 مسن طيب يحبه الناس

 ويحترمونه كثيرًا، خلال

 سيره البطئ وجد زهرة

 ذابلة على الأرض، لا أحد

 يهتم لها بسبب لونها

 الأسود المختلف.

قرر الاعتناء بها، وضعها

 في وعاء صغير ، وسقاها

 بالماء، هامساً لها: "لا

 تخافي سأهتم بك، أنت

 متميزة، سأكون مثلك".

قرر الرجل أن يلبس اللون

 الأسود بدلًا من

 البنفسجي، حبّاً بالتغيير،

 بعد أن أصابه الملل،

 وخرج إلى شوارع

 المدينة... أصبح الآخرون

 ينظرون إليه باستغراب،

 لِمَ يلبس هذا اللون؟! ألا

 يعلم أنه ممنوع؟

وصل الخبر إلى الأمير

 المغرور، وقرر معاقبته

 كي لا يتكرر الأمر، وعلى

 الفور حضر الوزير مع

 حرسه، وقال بغضب

 للعجوز: "الأمير يريدك،

 هناك شكوى ضدك، هيا

 معي".

تفاجأ كثيرًا بذلك، وذهبا

 إلى الأمير، محاطيْن

 بالحرس. 

قال الرجل العجوز:

 "مرحبًا سيدي، لقد

 طلبتني، هل هناك

 مشكلة؟". 

رد الأمير بتكبر: "بسبب

 هذا اللون المزعج الذي

 تلبسه، أثرت مخاوف

 الناس بأن يراك أولادهم

 ويقلدونك، فتخرب

 عقولهم، لذا تقدموا

 بالشكوى منك، الويل لك

 إن غيرت لوننا وقوانيننا

 مرةً ثانية".

سكت العجوز، ونكس

 رأسه محاولاً جمع أفكاره.

في اليوم التالي، لبس

 الأسود أيضًا، انصدم

 صديقه، وقال له:" لماذا

 لبسته مرة أخرى، ألم

 يمنعك الأمير ؟!". 

أجاب واثقًا:" لقد مللت

 من اللون البنفسجي، من

 حقي أن ألبس أي لون

 أريد". 

أرسل الأمير جنوده،

 وأحضروا الرجل العجوز

 أمامه.

قال بغضب: "ألم آمرك أن

 لا تلبس الأسود، أم إنك

 تريد التمرد والعصيان؟". 

رد بسكينة وهدوء: 

" يا سيدي...

 من حقي أن

 ألبس ما يعجبني، أنا لم

 أفعل شيئًا مخالفًا

 للقانون، لم أقتل، لم

 أسرق، لم أعتد على أي

 شخص".

رد الأمير صارخًا: "بكل

 جرأة ترد عليّ... أيها

 الحراس، خذوه إلى

 السجن ليقضي هناك كل

 حياته". 

وهذا ما حصل... 

علم الناس بذلك، حزنوا

 والدموع تسيل من

 عيونهم، ذهبت السعادة

 والحب، وفجأة تحولت

 المدينة إلى سوداء.


مها حيدر.

العراق.



التصور الحداثي للشعر عند أدونيس / نقد / الأديبة فاطمة عدلي / المغرب.

+ التصور الحداثي لمفهوم الشعر عند أدونيس +

تواضع النقاد القدماء على تعريف الشعر بأنه كل "كلام موزون مقفى يدل على معنى"، ومن ذلك ما أورده قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر".

وظل هذا التعريف خلال فترات طويلة يتحكم في مسار الشعر، يجمده في مجموعة قواعد يتم بها تقنينه، ولا غرو أن تعريفاً مثل هذا لا يؤدي إلى تجميد الشعر فحسب، بل إلى القضاء عليه أيضاً، لأن كل تعريف بالضرورة هو نوع من التقعيد ووضع القوانين، ولأن وضع قوانين في هذا الباب ليس تجميداً للشعر فحسب، بل هو نفي له، على اعتبار أن هذا التعريف ينص على شكل الشعر وليس على جوهره، بحيث يحصره في التقفية والخضوع للنظام الخليلي والدلالة على معنى، وهذا قد يشمل الشعر وغيره، بما في ذلك النظم.

وحين نريد الوقوف على مفهوم الشعر لدى أدونيس فلن نحصل على تعريف معين يحدد ماهية الشعر، باعتباره خرقاً للقواعد وتجاوزاً مستمراً للواقع، بدليل قوله: (وإن كنت تقصد تحديد ماهية الشعر فسؤالك لا يجاب عنه، ذلك أن الجواب، كل جواب، يستند إلى قواعد ومقاييس، والشعر خرق مستمر للقواعد والمقاييس). (1) 

بهذا المستوى يتجاوز الشعر مع أدونيس أي تعريف، لأنه لا يستقر في شكل معين، إنما تتحدد ماهيته من خلال طرحه الأسئلة باستمرار، والتطلع أبداً إلى المستقبل، بهدف الكشف عن المجهول وسبر أغواره، فلا يقف عند غاية محددة، إنما يرتبط بالسفر الأبدي الذي لا ينتهي ولا يصل، فالوصول توقف، والشعر حركة مستمرة وبحث دائب، وسؤال لا ينتهي إلى جواب، إنما يولد الأسئلة تلو الأسئلة، فمن أخص خصوصياته أن "لا يقبل أي عالم مغلق نهائي وأن لا ينحصر فيه، بل يفجره ويتخطاه. فالشعر هو هذا البحث الذي لا نهاية له) (2) 

هكذا يتجاوز الشعر المفاهيم التقليدية الموروثة وينفض ما ترسب منها ويحتفظ فقط "بالقدرة على الحلم "، ففي الحلم يطرح الشاعر رؤياه المستقبلية التي تستبق الزمن، تتجاوز العادة، وتخرج عن المألوف السائد الذي تكسبه العادة نوعاً من التكرار ونوعاً من الدوران في حلقة مغلقة، وهذه دعوة صريحة من أدونيس للخروج على الطرق الشعرية الموروثة لأنها لم تعد قادرة على استيعاب القضايا المستحدثة. 

والمنهج الذي يطرحه أدونيس لا يقف عند حدود الظاهر، إنما يغوص في أعماق الباطن لاستكشافه، باعتبار الظاهر ليس إلا عتبة إلى الباطن الذي يعتبره وحده الحقيقة الخفية التي يجدر استكشافها، هذه الحقيقة التي لا يفتأ أدونيس يؤكد عليها في كتاباته المتعددة، نقدية نظرية أو حتى إبداعية على حد سواء، على اعتبار أن مجاميعه الشعرية تعكس تمثلاً لتصوراته النظرية، ولا تنفصل عنها، حيث يطرح مجموعة أسئلة بهذا الصدد من قبيل: "ما المرئي العربي؟ ما وراءه؟ ما الذي يعطيه الصورة وما معناه؟ إن دراسة ذلك الظاهر لا قيمة لها إذا لم تعرف باطنه أو ما وراءه، إن دراسة المعلن وحده خصوصاً في مجتمع كالمجتمع العربي تظل سطحية وعقيمة، ذلك أن هذا المجتمع يقوم في أعمق خصائصه على المكبوت المحجوب، حتى أنه ليمكن القول اليوم أن الفكر العربي الحقيقي هو الذي يدرس المخبوء لا المكشوف" (3)

هكذا يخرج الشعر عن حدود الظاهر فلا يظل مرتبطاً فقط بالوصف والسرد أو رصد الجزئيات العارضة والوقائع، إنما يتجاوز ذلك إلى الارتباط بالإنساني والكوني، فلا يظل سجين الواقع، إنما ينطلق من الواقع ليتخطاه ويتجاوزه، بمعنى آخر يصبح "الواقع الذي يتجاوز الواقع"، وإذ يرفض أدونيس الارتباط بالواقع فإنه يرفض الشعر/ المحاكاة الذي يستنسخ الواقع، أي يرفض الشعر الذي لا يعدو أن يكون صورة فوتوغرافية للواقع، لأنه بذلك سيفقد مسوغ استمراريته، فيرتبط باللحظة والآن. 

فالعالم الواقعي، المتعارف عليه بين عامة الناس، لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون العالم الحقيقي الكلي، بل لا يعدو أن يكون " بوابة تصلنا بالعالم الكبير الآخر، العالم الذي ينتجه الشعر ويقود إليه"  (4)

هذا الخروج عن المألوف والبحث عن عالم آخر عبر رؤيا شعرية خلاقة يؤكد بالضرورة نوعا من الاستغلاق واستعصاء الفهم على عامة الناس، وهذا ما يطرح مسألة الغموض في الشعر، هذه المسألة التي يبدو فيها موقف أدونيس في كثير من تصريحاته موقفاً محدداً، إذ "ليس من الضروري لكي نستمتع بالشعر أن ندرك معناه إدراكاً شاملاً، بل لعل مثل هذا الإدراك يفقدنا هذه المتعة، ذلك أن الغموض هو قوام الرغبة في المعرفة، ولذلك هو قوام الشعر"  (5)

بهذا يبين أدونيس كيف أن الغموض يلازم الشعر، بل يندرج ضمن خصوصياته، إذ يسبغ عليه نوعاً من الجمالية، ويعطيه طابع التعددية، فلا تصبح القصيدة خاضعة لمعنى واحد لا تتعداه، إنما تكون بؤرة للدلالات والاحتمالات، وهذا يطرح بالتالي منهجية جديدة في التعامل مع النص الشعري، تتمثل في استقصاء القدرات اللغوية التي تتضمنها القصيدة واستكشاف القدرات المعرفية، فلا تظل القصيدة عملاً جاهزاً لا يتطلب أي مجهود من القارئ، إنما على العكس من ذلك فالقصيدة العظيمة "ليست شيئاً مسطحاً تراه وتلمسه وتحيط به دفعة واحدة، إنها عالم ذو أبعاد... عالم متموج متداخل... تعيش فيها وتعجز عن القبض عليها... تغمرك وحين تهم أن تحضنها تفلت من بين ذراعيك كالموج"  (6)

بهذا المستوى يصبح الغموض في الشعر من العناصر التي تقوم عليها التجربة الإبداعية الخلاقة التي ترتبط بالإنسان على مر العصور. 

يلح أدونيس على أهمية التجربة الفردية، إذ كلما يبرز الفرد كفرد يكون الخلق والإبداع، فالفرد هو نقطة البدء، هو الذي يؤسس، وإذ يتغرب الفرد عن ذاته في الجماعة يكون الاتباع والجمود. 

انطلاقاً من التجربة الفردية انبثق الفكر الخلاق المبدع في المجتمع العربي عند الرافضين الالتصاق بالجماعة والذوبان فيها (تجربة الشعراء الصعاليك مثلاً) حيث تبرز الذات كعنصر جوهري وتصبح "علامة التحرر والحرية، أي رفضاً للتشيؤ سواء كان الانصهار في جماعية القبيلة وعصبيتها، أو الخضوع لسلطوية النظام، كانت هذه الذاتية يقظة الإنسان في عالم يحكمه نظام الأشياء" (7)

انطلاقاً من خصوصية التجربة الشعرية يتفجر الإبداع، فالشاعر لا يستطيع أن يبدع ضمن الجماعة، لأن الجماعة ليست كتلة واحدة تتحرك وتعمل بإرادة واحدة، إنما هي مجموعة أفراد ولا يمكنها بحال من الأحوال أن تتفق على رؤيا معينة تبدع من خلالها، ومن ثمة يصبح التصاق الشاعر بالجماعة طمراً للإبداع وقتلا للشعر بمعناه الحقيقي، لأنه يتحرك ضمن ما هو سائد ومتعارف عليه، فلا يستطيع تجاوز العام ويتساهل في إبراز الخاص، فالشاعر "في الجماعة يكبت ما يفرده ويظهر ما يجمعه، الوعي ضمن الجماعة أفكار ثابتة واضحة، قواعد، عادات " (

إلا أنه رغم خصوصية التجربة التي تميز الإبداع الفني عند المبدع فهي جزء من التجربة الإنسانية ككل، وهنا تكمن أهمية التجربة التي لا تصبح خاصة بمرحلة معينة إنما تتخطى العصور والأزمنة.

فالقصيدة / النص تنبثق من التاريخ وتعيش فيه، لكن أهميتها تتجلى في استقلاليتها عن التاريخ، بحيث لا تعود مرتبطة به كأحداث ووقائع متسلسلة، فتاريخ الشعر هو تاريخ التغير والتجدد، وليس التاريخ بمعناه التقليدي من حيث أنه استمرارية لمعنى واحد يصبح فيه النص اللاحق مكملا للسابق، إنما "التاريخ هو التغير، تاريخ الشعر هو أشكاله الجديدة، تاريخ الحساسية الشعرية العربية هو تغيراتها" (9)

بهذا المعنى يتحقق الوجود الإنساني والكوني للقصيدة، إذ تفرض نفسها باستمرار كلما تخلت عن الوقائع العارضة والأحداث الطارئة، وهي بذلك "تتجاوز التاريخ وإن ارتبطت بلحظة معينة... ترتبط بالأزمنة كلها وتتحول باستمرار" (10)

ويحرص أدونيس على الاهتمام بالبنية الإيقاعية للقصيدة وتجاوز الوزن كمقياس للشعر، بل تجاوز القاعدة القديمة التي تواضع عليها النقاد باعتبار الشعر هو "الكلام الموزون المقفى"، فلا يصبح بذلك كل كلام موزون شعراً ولا يخلو كل نثر من الشاعرية.

وهذا يطرح بالتالي مسألة القصيدة والشعر حيث يتم الخلط بينهما بشكل تعسفي، فليس كل عمل مكتوب ضمن قواعد الوزن شعراً بالضرورة، إذ تصادفنا أعمال تعليمية تخضع للوزن دون أن يكون فيها أثر للشاعرية. 

بهذا يبدو الوزن عبارة عن مجموعة قواعد تحد من فاعلية الكلمة وتقيدها، ومن هنا حرص الشاعر الجديد على تحطيم هذه القواعد "فلا يجمد في أوزان محددة تجعل من كتابة الشعر تطبيقات منهجية، إنه يهبط إلى جذور اللغة، يفجر طاقاتها الكامنة التي لا تنتهي في إيقاعات لا تنتهي... إن الشكل الشعري الجديد عودة إلى الكلمة العربية وإلى سحرها الأصلي وإيقاعها وغناها الموسيقي والصوتي، والشكل الشعري العربي يتكون الآن بدءاً من الإيقاع لا بدءاً من القريض"  (11) 

من هنا لا يظل الوزن متحكماً في الشعر، فداخل القصيدة النثرية يوجد الشاعري، وفي القصيدة الموزونة قد نعثر على النثر، وهذا يؤدي إلى تحديد الفروقات بين الشعر والنثر، فالشعر "لمح تكفي إشارته" كما قال الشاعر القديم، إذ يعتمد على الإيحاء، في حين يحتاج النثر إلى الإيضاح واطراد الأفكار. 

والشعر إلى جانب كونه انفعالاً وعاطفة فهو فلسفة أيضاً، إذ يكون تعبيراً عن العالم، غير أن هذه الفلسفة ليست نظاماً أو مذهباً، إذ لا تقدم لنا العالم في علاقات منطقية، إنما تقدمه في توهج الحدس والرؤيا، فالشاعر" من يقفز بحدسه فيما وراء العقل والمنطق، ويتحد بتيار الحياة ودفعته الخالقة... لا يقدم أفكارا بقدر ما يقدم حالات، لا (يرسم) ولا يسرد، بل يوقظ الأسرار النائمة في الأشياء... إنه يغير نظام الكلمة ونظام الحساسية ونظام العالم" (12)

يقرن أدونيس الشعر بالفلسفة، لكنه يعترض على التعبير غير الشعري واسطة لإقامة صلات منطقية أو عقلية، لأنه يخرج على النسق والنظام، فالشعر فلسفة من حيث أنه "محاولة اكتشاف أو معرفة الجانب الآخر من العالم، أي الجانب الميتافيزيقي كما نعبر فلسفياً"  (13 )

وقد يلتقي الشعر بالعلم، إذ يصبحان واحدا عندما يتوحد هدفهما في السير نحو حقيقة واحدة هي "كشف المجهول وتمجيد الإنسان."

المراجع:

11/ زمن الشعر: أدونيس/ الطبعة الثانية، ص 312. 

2/ نفس المصدر، ص 43.

3/ مواقف عدد 43، ص 5 / 6.

4/ زمن الشعر: أدونيس الطبعة الثانية، ص 47.

5/ نفس المصدر، ص 21

6/ نفس المصدر، ص 159

7/ نفس المصدر، ص 272

8/ نفس المصدر، ص 211

9/ نفس المصدر، ص 59 

10/ نفس المصدر، ص 90

11/ نفس المصدر، ص 164/165  

12/ فاتحة لنهايات القرن: أدونيس ص 31

13/ زمن الشعر: أدونيس، ص 174

14/ نفس المصدر، ص 181

15/ نفس المصدر، ص 15

16/ نفس المصدر، ص 72

17/ نفس المصدر، ص 78


فاطمة عدلي

المغرب



 

أنات الأنين / قصيدة نثرية / الشاعرة المغربية هند غزالي.


 


{ أنات الأنين }

الشاعرة المغربية 

هند غزالي 

على قارعة الزمن

تنصل الحرف مني

تسلل من الغمد

توارى في حلكة الليل

يهمس في أذن القصيد

يرتل كلمات الشجن

على شتائل  القوافي

اندحر زهر السوسن

أيها القلبُ  المُعَنَّى
 
توالت عليك المحن

تواترت أمطار البين
 
أزبدت أمواج العين

قد أرعدت سماء الفتن

من خلف ستائر الغربة

يزمجر الصمت

يعلو صوت الأنين

يعزف على ناي حزين

رَجْعُ النبض

يملأ صدى السنين 


يا قلب هونا
 
ناء بأعبائك الياسمين 

أزهر على النياط
 
يوقظك من سبات

ترتدي جلباب الحنين

قد صرتَ أسيرَ الهوى

ألم تكن سيد  العرين

على قمم المجد سامقا

أَبِيَّ الروح  لا تستكين
  
هند غزالي

المغرب

لو يمضي الليل / قصيدة نثرية الشاعرة السورية جنى نور الهدى.


 

[ لو يمضي الليل ]


الشاعرة السورية الأستاذة 

جنى نور الهدى

 

لو يمضي الليل إلى آخر

 ساعات الليل 

ويلفح وجهي جمر نهار آخر

وتعود إليَّ طيور الصبح

وأسراب اللون

فأحمل هذه البسمة في

 الطرق الظمأى ضوءاً

ورنيناً في زمن المطلق

لو يمضي الليل الآن

لكنت قطعت سديم الكون

ركبت الريح المحروقة

لو يمضي هذا الليل الأبدي

لأطلقت الأصوات 

بصومعة الألم الوثني

ومسرى الروح المخنوقة 

لكن الليل الظامئ 

أطفأ نبضي

والشوق المغلق


جنى نور الهدى

سوريا

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...