الخميس، 17 فبراير 2022

منصة "محطات نقدية" / مع الأديب والناقد السوري الأستاذ محمد مجيد حسين / قراءة نقدية في قصيدة "ساعة الصفر" للشاعرة التونسية هادية آمنة.

 

منصة ثقافية تفاعلية:
              * محطات نقدية *
كل خميس مع الأديب والناقد السوري الأستاذ محمد مجيد ————————————————
* باردة ما بين عاشقين * 
دراسة نقدية لنص "ساعة الصفر" للشاعرة التونسية الثائرة هادية آمنة.

الشعر هو ذلك الكائن المُتأرجح مابين الأليف، والشرس الصارم، والانهزامي المُنصف  والمجحف، وفقاً للأنامل التي تُحركه.
هنا القطة الهاربة من نار الهوى "هادية آمنة" تُداعب بوصلة النص بدقة عميقة الأثر، حيث تفتح فضاءات مُشتعلة في سماء الدلالة، ومن بُقع شبه منسية... هنا أتحدث عن جوهر خطابها الشعري.
لنقرإ النص معاً:
  
* ساعة الصفر *
رقصتُ جذلى بدقّات العقارب
والنّغمُ قرع ما فيه تباعد
يا ساعة الصّفر قاسميني السكّر
تعالي هنا معا نتذكّر
يا ساعة الصّفر أهديك الورود
مخافة غدركِ في يوم موعود
أأنتِ تجنّي همس الوجود؟
نزقُ الحبيب الظالم الودود
مررتِ على الكلّ وجُستِ الديار
كتبتِ التاريخ سواقي وأنهار
تتالت بنقراتكِ عديد الصوّر
وما كنتِ إلا طريق الممرّ
يا ساعة الصّفر قولي كلام
فوقعُ خُطاكِ مصير الأنام
يا ساعة الصّفر هل أنتِ ولادة؟
أم مأتم اليتم على كلّ وسادة؟
خريف العمر يبكيه الشتاء
هي عشق الربيع عدوّ الفناء
أما تساءلتِ يوماً كيف تمضي السنون؟
خباياكِ قرع طبول... طبول
يا ساعة الصّفر، في ثوانيك الجديد؟
أم هو التكرار مُعاد وليد
لكلّ اكتمال تؤول النهاية
تكتكت الساعة إعلان البداية.
* هادية آمنة. 

ساعة الصفر ... قرع طبول... طبول ... تكتكت الساعة إعلان البداية.
بإنسيابية مُلتحفة برموش المعرفة، وفضاء لغوي طاعن بالحضور... بضراوة الروح العاشقة الحياةَ الكريمة... على هذه الأنوال تنسج شاعرتنا الصور الشعرية الشاهقة التي تحضر في هذا النص بتعبيرية صارخة، وعلى مساحات جمالية  دافئة تكتكت الساعة إعلان البداية... هنا يُمكننا أن نضع هذه الصورة على مرمى من تفكيكية "جاك دريدا" حيث تتحقق جُل شروط النص الحديث... إعلان النهاية تحديداً... الحضور والغياب، فالنهاية لها فضاءاتها الواسعة  على مسرح التأويل، حيث يمكننا الوصول إلى معنى ما، ومن ثم البحث عن معنى آخر،  وهكذا قراءة تنفي وتؤكد في ذات القيمة الزمنية، وتعد هذه من أهم سمات النص الحديث والمرتكز على تعددية المعنى، بل المعاني غير منتهية... فإعلان النهاية قد تكون نهاية يوم طويل، وقد تكون نهاية مرحلة ما من العمر، وقد تكون نهاية مباراة كرة القدم، وقد تكون نهاية حرب باردة بين عاشقين... وهنا نصل إلى إحدى عتبات النص المفتوح الذي يمنح المُتلقي مساحة وافرة لكي يؤَول الصورة الشعرية حسب مفهومه... "تكتكت الساعة إعلان النهاية"، صورة شعرية مُركبة، فالتكتكة مؤشر جازم بحتمية الصيرورة، وإعلان النهاية مؤشر أيضاً في سياق تحديد نهاية حدث ما، وربما بداية حدث آخر، وإذا أردنا ربط مابين بداية النص وقفلته، إعلان النهاية، هنا ثمة تحقيق مؤكد لتعددية المعنى، حيث إن جداء طرفي الدلالة ترمزان للصفر وهو نهاية، والنهاية هي بداية حركة ما في سياق التتابع التاريخي، والطرفان الآخران يُمكننا إدراجهما في ذات المنحة الدلالي.
هنا ثمة منظومة من النتائج الباذخة على مسرح القراءة... هنا يُمكننا أن نصف النص بالتجديدي والتعبيري بذات السياق، فالساعة هي بمعزل عن السيمائية الدقيقية، هي جامدة رغم حركتها... وفي الرواق الآخر ثمة تعبيرية مُلحة، حيث تُعد الساعة بدلالاتها المتعددة فضاء شاسعاً للتعبير عن جملة من الرغبات الكامنة في إعماق الذات الإنسانية. 
وثمة تفكيكية راقية تتبوأ شرفة الدلالة، ومن مختلف الزوايا، ففعل التكتك بتلاقائيته عملية بحث دؤوب عن التجديد، وإعلان النهاية هي تأكيد وجود مُنعطف هام.
قرع طبول... طبول، هنا ثمة إطلالة واسعة الآفق على سهول غير مُتناهية... قرع طبول، هنا ترمز إلى إعلان عن حدث قادم دونما تحديد ماهية الحدث، هنا أيضاُ تنجح "هادية آمنة" في الوصول بنا إلى مرافئ تعددية المعنى، فالطبول هي رمز لتغير ما، دون تحديد جهة التغيير، فقد تكون الطبول من ضمن العادات المتبعة في الاحتفالات بمناسبة ما، أو عرض مسرحي أوعسكري، وهنا تصل شاعرتنا المائزة إلى اللا منتهٍ من المعاني لصورها الشعرية، وهنا أيضاً تتحقق ثنائية السهل الممتنع، فهي لا تلجأ إلى المعجمية لتصنع صورة شعرية تخضع لمقاييس ما بعد الحداثة، بل على النقيض، فهي بلغة أنيقة تنتج درراً من الجمل الجاذبة التي تخلق في ذهنية المُتلقي جملة من التساؤلات، ويغدو القارئ شريكاً في البناء النصي عبر عدالة المعرفة.
نستخلص بإن النص لا يعتمد على المركزية، أي أن لا مرجعية واحدة للنص، وهذا ما بحثت عنه معظم التيارات النقدية التي تسمى ما بعد حداثية — كما أشرنا أنفاً — فالمعاني غير منتهية للنص الواحد، حيث يُمكننا أن نصل إلى معنى ما، ومن ثم نبحث عن معنى آخر، وربما يكون المعنى الجديد مخالفة سابقة من مختلف الزوايا.
نص "ساعة الصفر" لهادية آمنة يملك من المعطيات الجمالية والشعرية ما يضعه في مصاف النصوص الرائدة التي يفترض أن تفتح لهُ بوابات النقد على مصرعيها في قادم الأيام.

محمّد مجيد حسين.
سوريا.
            Mohammed Hussain
* التدقيق اللغوي: أ. عبد الرحمن 
بوطيب.






الأربعاء، 16 فبراير 2022

التضاد اللغوي في القرآن الكريم من زاوية لغوية / دراسة نقدية / د. أيمن دراوشة / الأردن.



منصة ثقافية تفاعلية:

           * رؤى فكرية ونقدية *

مع الأديب الناقد والمفكر

                  د. أيمن دراوشة

 

1/ التضاد في القرآن الكريم من زاوية لغوية.


أولاً: نبذة تاريخية:

التناقض سمة لا تكاد تنفك عنها معرفتنا الإنسانية عبر مسيرتها في طريق التقدم والتطور، وشاهد ذلك سلوكُنا الفكري نفسه، فنحن اليوم نختلف عنا بالأمس، ونحن غداً غيرنا اليوم، أفكارنا غير أفكارنا، ومفاهيمنا غير مفاهيمنا.

وقبل أربعة عشر قرناً من الزمان قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة، فنزل فيما نزل منه قول الحق تبارك وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيراً} النساء: 82، أي: أفلا يتأملون ويتفكرون في القرآن ولو كان مصدره غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

وقد ذكر المفسرون أن "الاختلاف" الذي لا يمكن أن نجده في القرآن هو التضاد بين آياته فيما بينها، ومناقضة بعضها البعض، أو أنه مناقضة القرآن للوقائع المعلومة والحقائق المقررة.

ومعنى ذلك أن أي معرفة إنسانية المصدر — مهما تقدمت وتطورت — فسيلازمها الاختلاف الكثير المشار إليه في الآية الكريمة، وذلك لكونها (من عند غير الله).

ومن نافلة القول أن نشير إلى وضوح هذه الحقيقة فيما يسمى ب"العلوم الإنسانية" كالآداب وعلوم الاجتماع والنفس والفلسفة والتاريخ، فإن الاختلافات بين المدارس التي تقوم عليها هذه العلوم لا تكاد تحصى.

ومن المعلوم أن كل اختلاف في أصول هذه العلوم ومقدماتها يقود إلى اختلاف أكبر في فروعها، وبالتالي في نتائجها ومقرراتها.

بل إن ذلك ينطبق أيضاً على العلوم الشرعية التي تخضع للذهن البشري كالفقه مثلاً، فإن الاختلافات بين الفقهاء لا تكاد تنحصر، نظراً لتفاوت العقول، فكيف إذاً يكون شأن غيرهم من المفكرين الذين لا يسلمون من اختلافات العقول والأهواء على حد سواء.

إذا رأينا أن وضع كتب الأضداد، يدخل في مجال التأليف المعجمي، فإنه اقترن تاريخياً بولادة هذا النوع من الكتابة، وقد "ولدت معجماتنا اللغوية صغيرة متفرقة غير منظمة، ثم نمت شيئاً فشيئاً، وتوسعت وتكاملت جيلاً بعد جيل" (1). 

وعلى الرغم من أن الصينيين واليونان قد سبقوا العرب في وضع المعاجم ببضع مئات السنين، إلا أن العرب سبقوا أوروبا في هذا المضمار بأكثر من تسعة قرون، ذاك أن تأليف أول معجم عربي يعود إلى القرن الثامن الميلادي، في حين يرجع تأليف أول معجم أوروبي إلى القرن السابع عشر، وهو معجم انجليزي (2).

في المرحلة الأولى جمعت المفردات والألفاظ كيفياً دون ترتيب أو تنظيم، "لأن الغاية كانت تتجه أولاً إلى الجمع والتدوين دون غيره، خوفاً على العربية من الغريب الدخيل" (3)، وعرفت المرحلة الثانية قدراً أكبر من التنظيم، كجمع الألفاظ التي تشترك في حرف واحد، أو التي ترتبط برابطة الأضداد.

وفي المرحلة الثالثة وضعت المعجمات الشاملة المنظمة، واعتمد مؤلفوها على ما كُتب في المرحلتين السابقتين، فجمعوا وأضافوا ورتبوا ونسقوا.

وفي هذه الأثناء ظهرت كتب الأضداد، وهي "التي جمعت ألفاظاً تأخذ معنيين متضادين، بحيث يمكن استخدام كل لفظة منها لمعنيين متنافرين، إذ أن كل لفظة تعني الشيء وضدَّه" (4).

وبين الذين وضعوا معجمات الأضداد: الأصمعي، والسجستاني، وابن السكّيت، وأبو الطيب اللغوي، وابن الدهان وغيرهم.

ومن أشهر كتب الأضداد ما يلي:

- كتاب الأضداد – ابن الأنباري " ت - 328 هـ " (5). 

- الأضداد - تأليف الأصمعي. "ت - 215 هـ". 

- الأضداد - تأليف ابن السكيت - "ت - 244 هـ". 

- الأضداد - تأليف السستاني - "ت - 255 هـ". 

ثانياً: وجهة نظر في تفسير "الأضداد". 

إنَّ التضاد من الظواهر الهامة جداً في اللغة العربية، وهو ذاك الذي يجعل المعنيين المتخلفين — وأحياناً: عدة معانٍ — كامنين في قلب الكلمة الواحدة، "فالجَوْن" تعني الأبيض والأسود، و"القَنيص" للصائد والمصيد. و"الكري" للمستأجِر والمستأجَر، و"الطرب" للفرح والحزن.

ولكن الطبيعي أن نقول "طويل وقصير"، و"أسود وأبيض"، مثلما نقول "حركة وسكون"، و"ظلام وضياء".

وهناك معجمات كثيرة اهتمت بهذه الأضداد في بعض فصولها، هي معجمات المعاني، مثل "فقه اللغة" للثعالبي، و"تهذيب الألفاظ" لابن السكّيت...

إلا أن ما يعنينا هنا هو اجتماع المعنيين أو أكثر في لفظ واحد، وهذا ما اهتمت به معجمات الأضداد، وبينها كتاب ابن الأنباري الذي اعتمدنا عليه في دراستنا.

ثالثاً: من أساليب التضاد:

هنالك أكثر من أسلوب للنفي حسب حركة الذهن، فيمكن أن نقول مثلاً: "طويل - وغير طويل، أو لا طويل"، كذلك القول "قصير - غير قصير، أو لا قصير".

ومثل ذلك قولنا: "أسود - لا أسود، أو غير أسود"، كذلك القول: "أبيض - غير أبيض أو لا أبيض".

ولكن الطبيعي أن نقول "طويل وقصير"، و"أسود وأبيض"، مثلما نقول "حركة وسكون"، و "ظلام وضياء".

وهناك معجمات كثيرة اهتمت بهذه الأضداد في بعض فصولها، هي معجمات المعاني مثل "فقه اللغة" للثعالبي، و"تهذيب الألفاظ" لابن السكيت، و"الألفاظ الكتابية"(6) للهمذاني.

وجاء في "المصباح المنير" (7): الضد هو النظير والكفء، والجمع أضداد. والضد خلافه، و(ضادَّه) (مضادةً) إذا باينه مخالفة، و(المتضادان) اللذان لا يجتمعان، كالليل والنهار.

رابعاً: التضاد في القرآن من زاوية لغوية:

يقصد بالأضداد في اصطلاح اللغويين الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة (الجون) تطلق على الأبيض والأسود، (والجلل) تطلق على الحقير والعظيم.

وقد ورد التضاد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة ذكرها الأنباري في كتابه (الأضداد) (6). 

ومن ذلك قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو الله) - سورة البقرة: 249.

أراد: الذين يتيقنون ذلك، فلم يذهب وَهْمُ عاقلٍ إلى أن الله عز وجل يمدح قوماً بالشك في لقائه.

وقال في موضع آخر حاكياً عن فرعون في خطابه موسى: (إني لأظنك يا موسى مسحوراً) - سورة الإسراء:101.

وقال الله عز وجل: (وترجون من الله ما يرجون) - سورة النساء: 104.

قال الكلبي: معناه: وتخافون من الله ما لا يخافون.

وقال الفراء: العرب لا تذهب بالرجاء مذهب الخوف إلا مع الجحد، كقولهم ما رجوت فلاناً، أي ما خفته، قال الله عز وجل: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) - سورة نوح 13. فمعناه: لا تخافون لله عظمة.

قال تعالى: (إنْ هم إلا يظنون) - سورة الجاثية: 24.

ومعناه: إن هم إلا يكذبون، ولو كان على معنى الشك لاستوفى منصوبيه، أو ما يقوم مقامهما، وأما معنى "التهمة"، فهو أن تقول: ظننت فلاناً، فتستغني عن الخبر، لأنك اتهمته، ولو كان بمعنى الشك المحض لم يُقتصر به على منصوب واحد.

وقال الله عز وجل: (وما هو على الغيب بظنين) - سورة التكوير: 24، فيجوز أن يكون معناه بمتهم، ويجوز أن يكون معناه بضعيف، فيكون الأصل فيه وما هو على الغيب بظنون، فقلبوا الواو ياء، كما قالوا: ناقة طعوم وطعيم، للتي بين الغثة والسمينة.

قال تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) - سورة البقرة: 216.

و"عسى" هنا لها معنيان متضادان: أحدهما الشك والطمع، والآخر اليقين.

وقال بعض المفسرين: عسى في جميع كتاب الله عز وجل واجبة.

وفسر الناس قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) - سورة البقرة: 22 على جهتين:

معناه، فلا تجعلوا لله أعدالاً، فالأعدال جمع عِدل، والعِدل المثل.

وقال آخرون أضداداً.

ومن الأضداد "عسعس"، يقال عسعس الليل إذا أدبر، وعسعس إذا أقبل، وقال الفراء في قوله عز وجل (والليل إذا عسعس) - سورة التكوير: 17: أجمع المفسرون على أن معنى "عسعس" أدبر، وحكي عن بعضهم أنه قال: "عسعس" دنا من أوله وأظلم، وفسر الناس قوله عز وجل (فصرْهُنَّ إليك) - سورة البقرة: 260 على ضربين: قطِّعهن، وقال غيره معناه ضمهن إليك.

ومن الأضداد "أسررت" بمعنى كتمت، ويكون بمعنى أظهرت، قال تعالى: (وأسَروا النجوى ) - سورة الأنبياء: 3. يعني أسروا، ها هنا كتموا.

و" الهاجد" من الأضداد، يقال للنائم هاجد، وللساهر هاجد، قال تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) - سورة الإسراء: 79، فمعناه فاسهر به.

و"المسجور" من الأضداد، يقال: المسجور للمملوء، والمسجور للفارغ، قال عز وجل: (والبحر المسجور) - سورة الطور: 6، يريد المملوء.

و"قسط" من الأضداد، يقال: قسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، والجوْر أغلب على قسط، قال عز وجل: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) - سورة الجن: 15، أراد الجائرون.

ومن الأضداد "البرد" وله معنيان: النوم، وقال بعض المفسرين: البرد برد الشراب.

قال تعالى: (لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً) - سورة النبأ، أي نوماً.

و"أخفيت" من الأضداد، يقال: أخفيت الشيء إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته، قال عز وجل: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) - سورة طه: 15، فمعناه أكاد أسترها، وقيل أكاد أظهرها.

و"العاصم" من الأضداد يقال: الله عاصم لمن أطاعه، ويقال رجل عاصم أي معصوم، إذا فهم المعنى، قال الله سبحانه وتعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله) - سورة هود: 43، فمعناه لا معصوم اليوم من أمر الله إلا المرحوم، ويجوز أن يكون عاصم بمعنى فاعل، وتكون "من" في موضع نصب أو رفع على الاستثناء المنقطع.

ومن الأضداد أيضا "الغابر"، فيقال: غابر للماضي، وغابر للباقي، قال عز وجل (إلا عجوزاً في الغابرين)- سورة الشعراء: 171، معناه في الباقين.

الخاتمة:

من خلال دراستي للتضاد في القران الكريم، من زاوية لغوية، توصلت إلى ما يلي:

التضاد موجود في القرآن الكريم بكثرة، وقد اختلف المفسرون في تفسير الكثير منه.

يعد كتاب الأضداد للأنباري من الكتب المستحسن، ومثال حَسَن للتضاد، فبالإضافة إلى التضاد في القرآن، فقد استشهد ابن الأنباري بالشعر والحديث، وجاء بالعجيب من أراجيز العرب، مع دقة التحليل والرؤية الثاقبة، فكان بحق الأوسع كلمات، والأحفل بالشواهد، والأشمل للعلل بتعبير واضح، وأسلوب سهل.

التضاد ظاهرة لغوية مهمة تكشف لنا سراً من أسرار اللغة العربية، إلا أن توظيفه في القرآن لم يكن عبثاً، فقد كان لتقوية المعنى، والحث على التفكير والتدبير.

وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت في كتابة بحثي هذا، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فلي أجر المحاولة.


* مراجع البحث:

1- اللغة ومعاجمها في المكتبة العربية / تأليف: د. عبد اللطيف الصوفي / دار طلاس / 1986 - 34.

2- المصدر السابق / ص 35. 

3- المصدر نفسه / ص 38. 

4- المصدر نفسه / ص 67. 

5- ابن الأنباري (271 - 328هـ = 884- 940م): محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه في الأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظاً للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن، ولد في "الأنبار" على الفرات، وتوفي ببغداد. وكان يتردد إلى أولاد الخليفة الراضي بالله يعلمهم.من كتبه (الزاهر) في اللغة، و (شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات)، و (إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل)، و (الهاءات)، و (عجائب علوم القرآن)، و (شرح الألفات) / رسالة نشرت في مجلة المجمع بدمشق، و (خلق الإنسان) ة، و (الأمثال)، و (الأضداد). وأَجَلُّ كتبه — في رأي الزركلي — (غريب الحديث)، قيل إنه خمسة وأربعون ألف ورقة، وله (الأمالي) عن "الأعلام" لخير الدين الزركلي / الطبعة الخامسة 1980 / دار العلم للملايين / المجلد السادس /ص 334.

6- الألفاظ الكتابية، تأليف: عبد الرحمن عيسى الهمذاني / مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت / 1899 / الطبعة الثامنة / ص 296.

7- المصباح المنير، تأليف: أحمد محمد بن علي الفيومي المقري / المكتبة العصرية / صيدا / الطبعة الثانية /1997 / ص 186. 

8- كتاب الأضداد، تأليف: محمد بن القاسم محمد بن بشار الأنباري النحوي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم /المكتبة العصرية / صيدا  / بيروت / 1987م.


د. أمين دراوشة.

الأردن.

* تدقيق: أ. عبد الرحمن بوطيب.



الثلاثاء، 15 فبراير 2022

من صيف عمر / الشاعر المغربي محمد شنوف.

 

▪︎مِنْ صَيْفِ عُمْرٍ▪︎

شعر ☆ محمد شنوف ☆


مَا لِلْفُؤَادِ سِوَى أمَانٍ أبْتَغِي

مِنْ جَنَّةٍ لي فِي الْهَوَى فَيْحَاءِ


وَلَقَدْ حَبَتْهُ بِمَنِّها، سلوائها

تَمْتاحُ مِن نَبْضِي وَطَلْقِ هَوَائي


مِنْ نَظْرَةٍ أُوْلَى حَنَتْ فَتَغَنَّجَتْ

وَتَرَوَّحَتْ كَالْغُصْنِ طَوْعَ صَبَائِي


تَلْتَذُّ فِي خَلَدِي، فَقُلْتُ سَحَابَةٌ

فِي صَيْفِ عُمْرٍ نَادِرِ الْأَفْيَـــاءِ


أَوْ ظَـبْيَةٌ مَـرَّتْ عَلَـيَّ بِمَـيْعَةٍ

تَسْلُو عَلَى الرَّبَوَاتِ فِي إِغْوَاءِ


مَوْزُونَةٌ خُطْوَاتُهَا مِنْ كَــامِلٍ

حَرَكَــاتُهَا رَقْصٌ عَلَى أَهْوَائِي


وَالشَّعْرُ كَاللَّيْلِ الْبَهِيمِ تَمَوُّجاً

 مِنْ حَوْلِ وَجْهٍ كَالضُّحَى وَضَّاءِ


وَبَيَــاضُهَا ثَلْجُ الذُّرَى مُتَلَأْلِئٌ

وَالْخَدُّ لَوْنَ الْوَرْدِ فَرْطَ حَيَـاءِ


مِنْ سَحْنَةِ الْأَسْحَارِ لَوْنُ جُفُونِهَا

وَمَضَتْ كَسَيْفٍ رَامَ سَفْكَ دِمَائِي


مِنْ هُدْأَةِ الْأَمْوَاجِ سِحْرُ لِحَاظِهَا

أَبْلَيْتُ غَـوْصاً فِـيهِ كَـــانَ بَلَائِي


فَتَسَلَّلَتْ تَطْوِي الْفُؤَادَ تَمَلُّكاً

حَتَّى اسْتَتَبَّ لَهَا بُعَيْدَ عَنَـــاءِ


وَتَوَرَّدَتْ مِنْهَا الشِّفَاهُ طَلَاوَةً

فَـــاحَتْ بِهَمْسٍ نَـــافِذٍ غَنَّـــاءِ


أَنْفَـــاسُهَا خَـمْرِيَّةٌ فِـي هَـمْسِهَا

تَسْبِي النُّهَى، تُذْكِي لَظَى أَحْشَاءِ


فِي رَشْفِهَا تُحْيِي الْعِظَامَ رَمِيمَةً

يَا حَبَّ مَا انْفَكَّتْ، فَدَامَ بَقَائِي


صُوفِيَُةُ الأهْوَاءِ فَيْضَ جُنُونٍهَا

أذكارُهَا سَبْحٌ بِعَرضِ جِوَائِي


مِعْطَـاءَةٌ مِلَحَــاحَةٌ فِي وَصْلِهَا

مِغْيَـــارَةٌ فِـي رِقَّةٍ وَذَكَــــاءِ


وَالْحُبُّ خُلْقٌ عِنْدَهَا وَعَقِــــيدَةٌ

وُثْقَى بِصِدْقٍ فِي النَّوَى وَوَفَاءِ 


هِيَ جَنَّتِي وَأَنَا الضَّمِينُ بِسَقْيِهَا

يَبْقَـى بِشِعْرِي ذِكْرُهَا وَثَنَــــائِي


مقهى كليوباترا بمرجان مكناس 14 فبراير 2022

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...