‏إظهار الرسائل ذات التسميات برامج ‏نقدية ‏. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات برامج ‏نقدية ‏. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2024

قراءة في رواية "عِقد المانوليا" للكاتبة المغربية نعيمة السي أعراب بقلم الناقد عز الدين الماعزي

قراءة في رواية 
"عِقد المانوليا"
للكاتبة المغربية
نعيمة السي أعراب
بقلم الناقد المغربي
عز الدين الماعزي
 
 الرواية التي لا تشبه أحدًا لكنها تشبه الجميع
 
حبست أنفاسي المتقطعة؛ أتابع بشغف توالي أحداث رواية "عِقد المانوليا" للروائية نعيمة السي أعراب، الصادرة في 254 صفحة من الحجم المتوسط عن الراصد الوطني للنشر والقراءة، مطبعة سليكي أخوين طنجة نونبر 2022، مهداة:
"إلى أخي سعيد، ...، أنت هنا دائما، ويمكنك قراءتها من هناك!"
"الكلمات، في آخر المطاف، تصنع الحب" أندري بروتون.
"حياتنا لحظات، لحظات فقط. لحظات هشة لكنها ثمينة، عظيمة كانت أو بائسة..." (ص.5).
هكذا تبدأ الرواية ممجدة آلامها وحبّها وهي تسرع الخطى نحو بطلها نوري بابتسامة مشرقة... تشاركه الأثر الجميل بتفاصيل مثيرة.
هو عمل إبداعي، روائي أول "بلغة شاعرية وبكثرة الشخوص واستعراض الأمكنة"...، وعناوين مفاتيح:
افتح عينيك، الفراشة، الخطة، الأمير النائم، الموعد...، بهندسة معمارية. والروائية مهندسة خريجة المدرسة المحمدية للمهندسين فوج يونيو 1995.
ما أثارني أولا في الرواية، هي المقاربة النقدية التي أنجزها الصديق الأستاذ عبد الرحيم التدلاوي، مُحبّبا إليّ البحث عنها ومراسلة المبدعة، والإحالة إلى تواجدها بمكتبة المدينة التي أتواجد بمحيطها، قراءة أغوتني وورطت شهيتي.
بلغة جمالية، تستدعي الروائية القارئ "كل ما أريد، هو المساهمة في إضفاء لمسة من الجمال على هذا العالم وجعل الأرض مكانًا ألطف للعيش، رغم كل البؤس والقبح المحيطين بنا!" (ص.32).
توقفت عن متابعة القراءة لظروف قاهرة، وكي يستيقظ نوري من غيبوبته الطويلة، كان علينا أن نستيقظ باكرا ونهتدي باقتراحه "تدوين الأفكار التي تخطر لها أثناء المشي" (ص.36).
ويحدث أن يطرقَ السفر بابي فجأة، لأنصرف عنها بعض الوقت، رغم مرافقتها لي ضمن اهتماماتي، وكنت كالأمير المنوّم، (أنا) أتصفح الصور والذكريات لأن لها "قدرة عجيبة على اختزال وحفظ اللحظات الثمينة من حياتنا!" (ص.39).
بعد عودتي، عدت إليها أستحضر اللحظات الجميلة بأريج زهرة المانوليا، أشمّ أسرار الإبداع ومتابعتها لمساحات الجمال الطاغي بكل قوة في حرصها على اختيار أشكال الفساتين وتناسق ألوانها، أتابع بشوقٍ سردها المطرز بطعم الفطائر التي خرجت للتو من فرن قلبها (ص.44)، بسحر يأخذنا بالأحضان، وكان الخفق يبدأ من الموعد (ص.45).
هذا السحرُ يأخذنا إلى مساحات الجمال عبر دراسة التاريخ وفهم الحاضر بأحداثه الاجتماعية والسياسية (المقاطعة، الحراك، الاعتقالات...)، وهي تنقلنا لقراءة اللوحات والتحف الفنية، لأن اللوحة في نظرها لا تختلف عن الكتابة "عليّ قراءتها كقصة متكاملة". اللوحة قصة، لها إغراء ولغة أخرى، وهي على الجدار، وهي تتغنّى بالقول "إن فشل تجربة عاطفية سابقة لا يعني نهاية العالم" (ص.50)، وهي تتنغم بأغنية "شادية":
"يا همس الحبّ يا أحلى كلام
أنا سلمت قلبي والسلام".
تحيط عالمها المشاركة في همّ ومطمح الكتابة "أكتب لنشر أفكاري قصد التوعية وتصحيح المفاهيم، ولم لا تغيير العقليات واصلاح المجتمع؟!" (ص.71).
وفي مشاركة القراءة والكتابة مع المريض لإنقاذه من الغيبوبة، واهتمام الطبيب وأخيه مراد بالأمر، لأن للكتابة سرّ خاص "الكتابة مهمتها العزاء"؛ فأغاني شادية ومحمد الحياني ونجاة الصغيرة ونعيمة سميح وأم كلثوم وفريد الأطرش وبهيجة إدريس وغيثة بن عبد السلام وأحمد الغرباوي ولويس فونسي وفرانك سيناترا...
تسارع وتيرة الأحداث المتشابكة؛ أحداث الكتابة والتفاصيل اليومية في الرواية هي استعادة تفاصيل التواريخ والأمكنة. لها روح وطابع إنساني بشخوصها المختلفة ما بين المثقف والفنان والطبيب، ولها تجارب مختلفة في البحث عن السعادة وعيش الحياة.
ما طبيعة الاستعادة والاسترجاع؟ هل هو استرجاع فعلا أم استرجاع للتطهير..؟
ومعنى الاسم والمعنى والعروض، ما علاقة ذلك بأوبريت عايدة ومعنى الحب والوفاء؟ هل القصة ككل، لها تماه مع قصتها في حبكة النهاية؟
ولأن الكتابة تحضر في التذكر وتحليل الوقائع، وهي تحول الحلم إلى فراشة بيضاء تحلق، هو تحول لعبة الكتابة في السرد بالتفاصيل إلى لعبة الضمائر وعدم تتابع الأرقام 18 و19 في الرواية.
تمتازُ الرواية بطرح أسئلة عميقة ومقلقة لتجاوز علاقات الحب والظروف والتعقيدات، إلى طرح مشاكل المجتمعات والأمم.
"هل ما نعيشه من مشاعر وأحاسيس مع أبطال الرواية، قد نجده في واقعنا؟ هل أصبحنا نتذوقُ طعم الحب من خلال الروايات فقط؟" (ص.162).
"هل تستطيعُ الكتابة تغْيير العالم من حولنا" (ص.225) أم تُغير الكاتب نفسه..؟
راهنت الرواية على الكتابة والقراءة لإخراج المريض من حالة الغيبوبة التي يعيشها، ونظرة الرجال إلى النساء ونظرة المرأة إلى الرجل، وبراعتها في طرح الأسئلة المهمة (الكتابة ثورة)، كبراعتها في اختيارها للملابس والألوان واللحظات المناسبة.
فكرة الكتابة لإيقاظ الحلم هو حلم الكتابة، كيف أصبحت كاتبة؟ والبحث عن الشجرة المفقودة هو بحث عن الهوية المفقودة.
الخاتمة، بلسان نوري واللوحة الأولى (الخيول البرية). ولأن القراءة تحيي الذاكرة، فزهرة المانوليا "يقولون إنها من أقدم الأشجار المزهرة، ويبدو أنها تحيي الذاكرة!" (ص.246)، وتمجد القراءة وفهْم مكنونات اللوحة هي فهم حياتها.
"وكأني كنتُ في حاجة لأعيش كل ما عشته حتى أفهم أخيرًا!" (ص.248).
ولإيقاظ "تذكر ما قلت لي يوما، (الحب ينتصر في الأخير)؟". هي رحلة بحث للذات، وبحث عن حقائق ما بين الشك والحيرة.
هل هي خدعة ماكرة، كما أشار الأستاذ عبد الرحيم التدلاوي، تدفع للتورط والاغواء..؟
أكتفي بابتسامة إعجاب وتفكير طويل، ممسكا بالقلم، أدونُ ما جادت به قريحتي من أفكار على هامش النص الذي استمتعت به من "لحظات، لحظات فقط. لحظات هشة لكنها ثمينة..." (ص.5).
 

الأحد، 20 نوفمبر 2022

منصة "رؤى نور" / مع الأديب المغربي المتعدد أ. نور الدين حنيف أبو شامة / 1 — قراءة نقدية في قصيدة نثرية للشاعر المغربي أ. رضى مريني.



منصة:

                    { رؤى نور }

في الإبداع الأدبي والنقدي والفني.

مع الأديب المغربي المتعدد الأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة.

        Nour Abouchama Hanif

——————————————————

* الورقة رقم : 1.

* دراسة نقدية.

* عنوان العمل:

[ قراءة نقدية في نص "دولوريس وقطار الساعة 25" للشاعر رضى مريني.

——————————————————

{اقرؤوا لهذا المبدع: رضا مريني }


سأشتغل على قصيدة للمبدع رضى مريني، عَنْونَها صاحبُها بعبارة خزّانة دلالياً، وبحمولات قوية مختزلة في مركب اسمي يعجن التعبير في مزيج اللغة والرقم والعجمية.

والعنوان هو (دولوريس  وقطار الساعة 25 )، لتنحسر الدهشة في هذه العتبة عن مقولات الكينونة والزمان والمكان.


1 - في الصوغ الفنّي:

القصيدة في صوغها الفني جاءت عبارة عن مقاطع قصيرة، وكل مقطع يتناسل عن مقطع، بحيث لا تكاد ترى خلالاً بينها... إنها مشدودة إلى بعضها بذكاء الصوغ الشعري البعيد عن معانقة التكرار الجمالي، والذي يعتبره الشاعر درجة ثانية في شعرية القول بعد ذكاء التناسل الشعري.

والتناسل الشعري هنا مبني بقصدية دلالية مدهشة تستثمر آخر كلمة في المقطع لتنتج منها دلالة ثانية في المقطع الثاني، وتستثمر الكلمة الأخيرة في المقطع الثالث لتنتج منها دلالة ثالثة في المقطع الثالث، وهكذا في تناغم إيقاع، أو في إيقاع تناغمي يتسم بقوة الصوغ، ويفر من ارتجالية المعنى والمبنى.

وإن الشاعر بذلك يقحم المتلقي في عملية البناء، ويستدرجه في التفكير بمعيةٍ جمعية تتكهن بسيرورة وصيرورة المحكي الشعري داخل محطة القطار.

وإن المتتبع لعملية التناسل سينبهر بالحمولة المعجمية الموغلة في الاختلاف والتنوع والتشعب، وندرج هذا المعجم الخاص بين قوسين حتى يتمكن القارئ من ملامسة شعرية التناسل عند الشاعر "رضى مريني"  الراغب في الصمت: ( المحطة ⇦ القطار ⇦ الحلم ⇦ اللامرئي ⇦ الخيال ⇦ الساعة ⇦ المطر ⇦ السماء ⇦ السكة الحديدية ⇦ الانتظار ⇦ العد العكسي ⇦ دولوريس ⇦ الحمامة ⇦ الرصيف ⇦ الطريق ⇦ الأثر )، وهنا يتوقف التناسل والتوالد ليعلن الشاعر عن قرار شعرية الكينونة داخل المكان والزمان.

ويأتي المقطع الأخير ليكسر تجانس عملية التوليد الدلالي، ويكسر معها انتظارات القارئ وهو يسقط في فخ ترقب تكرار المشهد. إلا أن الشاعر أبى إلا أن يتحول عن انسيابية التناسل الشعري إلى شعرية الدفقة الدلالية الأخيرة المختلفة في بنائها عمّا سبق، و هو المشهد الذي يسجل قمّة الإدهاش في سفر التجلي الذي ينسج ذاته في محاريب الحرف و الكلمة، وهما المقولتان الناقصتان في مفارقة الحضور والغياب والمكتملتان في المشترك القائم في شرط واحد هو شرط المعية ( مع ) والّتي أسميها ( الكينونة الممتازة ).


2 - هندسة البياض:

يرتّب الشاعر "رضى مريني" بصرَ القارئ وذهنه داخل هندسة البياض بذكاء نوعي، بحيث يسيّج بصره داخل رسمٍ كِتابيّ يطرح السطر الأول في مفردة، ويليه سطر شعري في جملة اسمية أو فعلية واحدة لا غير، حتى آخر القصيدة حيث تختفي هذه الهندسة ويتحول القصيد إلى انسياب شعري في أربعة أسطر شعرية مكسرةً الإيقاع السابق.

معنى ذلك أن الشاعر لا يتقيد بحدود المساحة البيضاء التقليدية التي تحدّ من حرية السواد و الحبر، وبالتالي تحدّ من قوة التدفّق الشعري لديه.

إن "رضى مريني" شاعر معاصر يهمه أن يبني قصيده وفق تصور بصري يمتد إلى دواخل المتلقي ليحدث بعض الخلخلة في نمطية استقباله لمفهوم الشعر على مستوى استثمار مساحة البياض على الأقل، وهو اختيار من الشاعر يحدد فيه مفهومه للبياض والسواد باعتبارهما جدلاً إبداعياً لا يُسيَّج في رؤية واحدة وأوحد، ( الشاعر في اختياره لهذه المقاييس لا يصدر عن تفضيل عنصر على آخر، وإنما تتداخل في الاختبار الذاتي مجموع البنيات الجزئية التي يحكم وجودها ترابط جدلي، وينتهي البيت عندما يلامسه البياض، أو عندما يوقفه البياض، فيحد من حريته في التدفق ) *1. 

ينزع الشاعر "رضى مريني" بالكتابة ( الڭرافيك ) منزعاً ثنائياً يقوم على بنية تشعّب المقولتين ثم تجانسهما: الكلمة ثم السطر في توارد يتمظهر خمس عشرة مرّة، ولا ينحسر إلا في المقطع السادس عشر، وعياً منه بأن الكتابة عنصر فني جمالي لا ينفصل عن عمق الذات وهي تتفاعل في الصوغ الدلالي والنفسي للغة، حتى لا مسافة بين المحتوَى والمُحتوِي، بين المادة و الوعاء... قال ابن خلدون ( واعلم أن الخط بيان عن القول والكلام، كما أن القول والكلام بيان عما في النفس والضمير من المعاني، فلابد لكل منهما أن يكون واضح الدلالة ) * 2. 

وهذا النزوع من الشاعر لا يروم به تسجيل الاختلاف عن الرسم العمودي، بدعوى الاختلاف فقط، وإنما هو صيرورة تمتد من قرار الكتابة الشعرية في قلب النثيرة لا في قلب القصيدة الخليلية، ومن ثمّة كان الأمر أنطولوجياً أكثر منه شكلياً يقيم في تخوم الـ( الڭرافيك ) في بلاغة الزخرفة واستدعاء بصر المتلقي خارج بداهة القديم. إنه التماهي بين الذات المنفعلة والذات الراسمة، في قناعة تصورية تكسر تراتبية الفضاء النصي وحدوده التاريخية وهيمنته الكاسحة.

ومن هنا تداعى في الرسم موضوع النبر، فنحن عندما نقرأ السطر المختزل في كلمة واحدة، نجلو صواتةً بالغة في التقصّي الدلالة البعيدة، ولنضرب على ذلك مثال ثلاثة مقاطع:

[ المحطة..°

تنتظر حلول قطار س 25.

القطار... 

عابر سبيل ساحر وحالم.

الحلم... 

مسافر يتأبّط أيامه اللامرئية ].

فالنبر على مفردة ( المحطة ) مثلاً ينزل بحمولتيه الصوتية والدلالية في سؤال المتلقي عن هذه المحطة، وبالتالي تتداعى في الذهن تمثلاته عن المكان وامتداده في وجدان، سواء على مستوى  شكل المكان أو عناصره أو حركيته أو سكونه أو غير ذلك من تداعيات المكان الممكنة بسياق القصيد، وكذا ينسحب القول على نبر ألفاظ القطار والحلم وغيرها من مقاطع النص المفردة.


3 - شعرية الكينونة:

هي شعرية تمتح قوتها من قدرة الشاعر ( ر م ) على حشد ثلاثة أقانيم في متن العنوان، ثم تحليلها داخل المتن الشعري في مكر أدبي مثير جمالياً ومستفز دلالياً، ونقصد بذلك:

• الإنسان : دولوريس. 

• المكان : القطار. 

• الزمان : الساعة 25. 

تتبدى هذه المقولة واضحة في الاسم العلمي العجمي ( دولوريس ) وهو علامة سيميائية مستفزة تطرح علينا أكثر من سؤال، على الأقل في تصورنا للشاعر وهو يَزْوَرُّ عن تراثيات ( هند وبثية وفاطمة وغيرهنّ... ) ممّن ملأْنَ قصائد الشعراء، وكما ملأن آذاننا ووجداننا. 

واللافت للنظر في هذه العلامة ليس العجمية فحسب، وإن دلّت في عرف الشاعر وفي عرفِ تأويلنا على اختيار المتكلم اسماً لا يرمي بنا في شوفينية القول العربي الرابض دائماً في التغنّي بالاسم الأنثوي العربي، وذلك إيماناً من الشاعر بكونية التجربة الإنسانية في عمليات الانتظار، أو في واقعة الانتظار... إنها النفس البشرية مقروءةً في صميمها الكوني الذي لا يتبدل من دولوريس إلى فاطمة. 

وإنما الأمر متعلق، في بعض تأويلنا، بالاسم العجمي الموسوم بالإشارة إلى متعيّن غائب، ذلك أن اسم دولوريس مشتق إيثيمولوجياً من الأصل اللاتيني ( dolor ) و الدال على الألم. * 3.

من هنا دقّة الاختيار في الاسم الشاعري والشعري الرامي بالقارئ في أتون القراءة الذكية والممتطية صهوة التأويل لا مطايا البحث عن المعنى القريب والمستسلم لأول تناول. 

والمسألة تتيح لنا شيئاً من فائض المعنى ونحن نقرأ التوظيف داخل سيمياء التركيب بين الاسم وفعل الانتظار في المكان... إنها الكينونة المتميزة لا في الحضور الإنساني المكتظ، وإنما في الحضور الفنّي القارئ للذات البشرية في كينونةٍ شعرية تتسم بالعمار التأملي، إن لم نقل الفلسفي، حيث الماهيةُ قضيةٌ، وحيث الوجود سؤال. 

والأمر لا يتعلق باسم مفرد هو دولوريس داخل مكان عابر هو المحطة في زمن متلاشٍ في السديم هو سحابة ساعة أو أقل... الأمر أكبر من ذلك، وأعمق ، وأقوى من تحييزه داخل التشيؤ، وخاصّةً عندما ندرك استعمال الشاعر للساعة الخامسة والعشرين المترنحة خارج إمكان القبض، من هنا أيضاً شرط الكينونة في قراءة هذه القصيدة السائلة.

وفي تشعب القصيدة بين مقولة المكان والزمان والإنسان تشعبت كثيرٌ من العناصر تتداعى فيها معانٍ مولّدة في صوغٍ شعري لا يبذخ في الفكرة وإنما يرسم الفكرة فلسفياً لتقول القصيدة شيئاً في هذه الكينونة الظاهر بسطها والباطنِ عمقها، إذ في كل عنصر يتبدى الشعرُ مسافراً لا في تحديد ماهية العنصر بقدر ما هو انزياحٌ في شعرنة العنصر، فتتحول المحطة إلى كائن حيّ يمارس فعل الانتظار، و القطار إلى عابر سبيل، و الحلم إلى مسافر، واللامرئي إلى خيال، والخيال إلى أيادٍ تتلاعب برقاص الساعة... وهكذا في توليدية عجيبة تؤثّت ذهن المتلقي وتدفع بمخياله إلى تخوم الذكاء في استنتاج الآتي والممكن والمحتمل.

وهو التشعب المنتهي بفكرة الانسجام على مستوى الخطاب الشعري الذي تتساءل فيه الكينونة أكثر من أي عنصر آخر، وفيه تبدو دولوريس حمامةً تميس على الرصيف وتغفو على كرسي الانتظار لتمسك بتلابيب القصيدة داخل فعل الانتظار الذي أعتبره صلب القصيد مشفوعاً برؤية فنية ووجودية للزمن خارج مسألة التحقيب، و نستفيد ذلك من اختيار الساعة الخامسة والعشرين في اخترام واضح لمفهوم الزمن، فالساعة الخامسة والعشرون ساعة مستحيلة في عرف إدراكنا البسيط، ولكنها في عرف الشاعر ممكنة سيميائياً لأن الاستحضار هنا غير فيزيائي لا يقاس بدلالة مقدار حركة الموجودات داخل المحطة / المكان، و إنما بمقدار وجودها داخل الزمان النفسي كمطلق كوني لامتناه.

وفيه اعتمد الشاعر "رضى مريني" توظيف الزمان باعتباره مقولة نفسية معرفية يحدّها سلوك عاطفي وجداني وانفعالي يحتويه الشعور واللاشعور، كما وسمه في دواخل دولوريس الممتدة إلى روحها والهاربة من تخوم إحساسها البسيط بالوقت المتحيّز داخل المحطة، وبتعبير آخر فإن الشاعر اختار الزمن الممتلئ من منظور برجسوني ( يفسح الزمان الممتلي والعميق والمتواصل والغني ليكون مكاناً للجوهر الروحي الذي  لا تستطيع فيه النفس الانفصال عن الزمان ) * 4.


4 – ختمٌ:

ينتهي الدفق الدلالي في هذه القصيدة  — التي لم نوفيها حقها في التحليل نظراً لعبقرية عمقها —  بقرار شعري يعيد ترتيب تشعب العناصر الأولى المنسابة في إيقاع تناسلي عجيب، وهو قرار شعري يتناسل من مفردة الطريق بمنطق السبب والنتيجة، مشيراً إلى تداعٍ انزياحي قوي ( الأثر ) الناجم عن مقولة الطريق، وهو الأثر المتحول إلى إمكان الاستمرار، لتخرج معاناة الألم والانتظار من الحالة الخاصة إلى الحالة الكونية، فيصب الأثر الناجمُ عن السَّفر سِفراً للتجلّي، وتتحول الكسرة من حركة مورفولوجية إلى حركة دلالية تحدث شرخاً بين المعيش انتظاراً إلى المعيش كينونةً ووجوداً، والسِّفر بكسر السين متعلق في استيعاب الشاعر بالتجلي، ذلك أن رؤيته الشعرية لم ترد أن تلقي بالانتظار في نهاية البداهة حيث يتحول المنتظر إلى استقرار في عربة من عربات القطار لتنتهي الرحلة من حيث بدأت... وإنما هي الرحلة الوجودية في قلب المعاناة الإنسانية الكونية الموسومة بالجوهر بقرينة لفظية هي الساعة الخامسة والعشرون التي رمى بها الشاعر في كتاب التجلي القائم على يناع الحروف والكلمات.


نور الدين حنيف أبو شامة.

المغرب. 


= إحالات: 

*1 بنيس محمد، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب: مقاربة بنيوية تكوينية / المركز الثقافي، الدار البيضاء، المغرب، ص10. 

*2 عبد الرحمن بن خلدون، المقدّمة، دار ابن الجوز، القاهرة، مصر ، ط1 ،2010 ،ص351. 

3* انظر: https://fr.wiktionary.org/wiki/dolor

4*  جاستون باشلار ، تكوين العقل العلمي ، ترجمة خليل أحمد خليل ، الممؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، ط 2 ، ص16.


= القصيدة :

{ " دولوريس" و قطار الساعة 25 }


المحطة ..


تنتظر حلول قطار س 25 .

القطار ..

عابر سبيل ساحر وحالم .

الحلم ..

مسافر يتأبّط أيامه اللامرئية .

اللامرئي ..

يرى مخلّفات الخيال .

الخيال ..

أيادي تتلاعب برقّاص السّاعة .

السّاعة ..

تعلن رحيل المطر .

المطر ..

يراقب وِجْهة الريح في السماء .

السماء ..

تعكس ظمأ حجارة السكة الحديدية .

السكة الحديدية ..

تآكل صُلْبُها بفعل الانتظار .

الانتظار ..

ينتظر على إيقاع العدّ العكسي .

العدّ العكسي ..

يتلهّى في انتظار إطلالة "دولوريس" .

"دولوريس" ..

تميس على الرصيف كحمامة .

الحمامة ..

تغفو فوق آخر كراسي الرصيف .

الرصيف ..

مفترق طُرُق .

الطريق ..

اِقتفاء أثر .

الأثر ..

سِفر التجلّي ..

حيث زُرعتْ حروف ..

أيْنَعتْ كلمات ..

على إيقاع شِعريّة فنّ الغياب ..

عن الحضور المشترك مع .


رضا مريني.

المغرب.






الخميس، 20 أكتوبر 2022

توثيق النص النقدي الفضي الفائز بالرتبة الثانية في مسابقة الرؤى الكبرى 4 في نقد قصيدة النثر الحداثية / الناقدة السورية رولا سلوم.

 





{ امتدادات مسابقة الرؤى الكبرى 4 في نقد قصيدة النثر الحداثية }

            

توثيق النص النقدي الفائز بالرتبة الثانية في نقد قصيدة النثر الحداثية "ضلال شرق" للشاعرة السورية الأستاذة روضة الدّخيل. 

الناقدة السورية الأستاذة رولا علي سلوم. 

——————————

1/ الدراسة النقدية:

[ تستهلّ الشاعرة قصيدتها بدعاء محبّ، تفتتح صلاتها بدعاء ملؤه الحب، تقول : "لعينيكِ النور"، العين حين تبصر النور تكون سيدة نفسها، وما قيمة الإنسان من غير رؤية؟! 

تترقّبُ بشوقٍ مجيء الفجر، وزوال الظلام بكل عتمته وما يغطيه من سواد. 

تستعير الشاعرة للفجر صفة الخَلع التي يقوم بها الإنسان في قولها: "يخلع الفجر العمامة" ليعلنَ ميلاد الشروق... صلاة تفاؤل، ودعوة خير ومحبة، تتمثل بمفردات: "النور، الفجر، ميلاد، الشروق"، هذا ما تتمناه الشاعرة... طاقة فرج وفرح وخلاص، ثم تنتقلُ لخاتمة صلاتها، أن يُستبدل الكحل في عينيها بالرماد، أن يحلّ الكحل رمز الزينة والسرور محلّ الرماد، رمز الحزن وتشوش الرؤية.

في صلاتها الأخيرة رجاء أن تغسلَ الدموع عينيها وماعلِق بهما من أوجاع، لكنّ الذي حدث، أنه تجمّدتْ الدماء بلونها الأزرق في العروق وفي الشرايين.

تنادي بحرقةٍ: "رّباه"، والنداء لغير الله مذلة، تتساءل باستنكار: "كيف يحضن الفرات البغاء"، أيُعقلُ اجتماع العذوبة والبغاء؟!... أيُعقلُ أن تتحوّلَ أرض الفرات النقية الصافية إلى مأوى للرذيلة والظلم والانكسار؟! 

حتى الحمَام، رمز السلام والأمان، ينتفض ويثور رافضاً ما يحدث من تشويه هديله... صوتُه أضحى مبحوحاً، ليس كما عهدناه... الحمامُ منتفضٌ، متغيّرٌ حاله، على صوت القنابل والصواريخ التي تبرق بأشعتها. 

تؤثرُ الموسيقا الداخلية للقصيدة على ذائقتنا السمعية من خلال ما تُورده الشاعرة من جناسٍ جميلٍ مثل: "هديل ، هدير " ، "الشرق ، شروق "... ومن خلال تلك الاستعارات المؤثرة، فالفراتُ أمٌّ... لكنها لا تحتضن مولوداً من صُلبها، بل تحتضنُ البغاء، مولوداً غريباً غير مألوفٍ وغير مُرحَبٍ به. 

وتُكثرُ الشاعرة من الأساليب اللغوية في قصيدتها النثرية كقولها: "فكيف يعانق دجلة عند الغروب الغزاة"... لقد تعوّدَ أبناء الفرات ودجلة أن يستمتعوا بمنظر الغروب عند أول المساء... فكيف تحوّلَ هذا الفعلُ إلى غيرهم من الغزاة المعتدين الطامعين؟!

لقد دنّسَ الغزاة أرض الجزيرة الأبيّة، واحتلوا أماكننا الحبيبة... دجلة والغروب، ومَن أحقُ من أهل الجزيرة برؤية هذا المشهد الساحر؟! 

وفي حَمْأةِ هذا المآل الحزين، فالقلب لاحيلة له سوى الخوف والحذر والخفوق، هذا القلب الذي كان يتشوّقُ لمنظر الغروب، أضحى خائفاً قلقاً، لاحول له ولا قوة.

لا سبيل أمام الشاعرة في كلّ دروبها وطرقها سوى العتمة والظلام.

تستخدم الشاعرة فعل "ترفل" بإشراقة معناه، ليكون مظلماً حزيناً في مبناه، فالفعل "رفلَ" يعني تبختر في المشي فرحاً واعتزازاً... وأنّى لها أن تتبختر وتفتخر وسط هذا الظلام؟!

وقد زادت الشاعرة الجملة ظلاماً بقولها: "حالك الظلمات" ، لقد أكدّت الظلمة بمترادفتين في آنٍ واحدٍ للتأكيد على كمّ الحزن والألم والضياع.  

ولتزيدَ المشهدَ ألماً ووجعاً جعلت الجثث تتشظى في العراء بلا أكفان، أيُّ وجعٍ هذا؟! وأيّ موتٍ مُذلّ أن يموت الإنسان بلا كفن وبلا حُرمةِ ميتٍ؟! 

رغم أنّه لا لجرحٍ بميتٍ إيلامُ، لكنّ للموتِ رهبتَه، وللوداع هيبتَه. 

وتُمْعِنُ الشاعرة في وصفٍ دقيقٍ للموت، فهي تجعل الأشلاء تتناثر في العراء، وعلى مساحات الوطن الجريح... حتى الأحلام تغدو جثثاً تتجدّدُ وتتناثر وتتشظى بلا حدود، بلا أمل، بلا حياة... 

أما القلبُ فقد تحجّر، وعلى تحجّره فهو يئنّ ويتألم. القلوبُ في بلادنا فقدت وهج دمائها، وهج لونها الأحمر، أصبحت كالحجارة، لكنها تتألم وتتوجّع... ما أقسى أن يكون الصديق جلاداً بسوطه، أو قاتلاً بعد أن خان وحنث بالعهود وبالمواثيق! 

ما أصعبَ أن يتحوّل الصديق إلى خائنٍ يقبض بيدين من حديد على رقاب الضعفاء، يمصّ دماءهم، وكأنه ما كان يوماً صاحب ودّ ورفيق.

الشاعرة بدأت بصلوات، ومن ثم رمّزت لوجود غرباء في الوطن الحبيب سورية، يَقتلون بالمجان، ثم انتقلت لتشملَ كلّ مَن دخل سورية صديقاً ليتحول إلى نقيض ذلك، وبعدها تصفُ الوضع الاقتصادي الصعب، فالمدافئ صائمة، تستعير للمواقد صفة الصوم، فلا محروقات تُحيل البرد دفئاً، باتت سورية بلا معطف، وأصبح الوقود لهباً على الأرض، يُحرقُ الشباب والمدافعين، ليحيلهم جثثاً هامدة، لقد أضاعتِ الحرب كنوزَ البلاد وثرواتها، ومن بينها الوقود... وماذا بعد؟

المقابر ممتلئة، عامرة، والحقول مأوى للغربان حيث الشؤم والخراب، ومواسم الخير تنتظر مَن يحصدها، ولا مجيب، لقد مضى وقت الحصاد، ولا حصّادون، وأصبح فصل الخريف سيّداً... الخريف رمز التغيّر والحزن وتساقط الأوراق، أصبح سيّداً، مضى الربيع والخريف والشتاء، حتى القبّرات صاحبة الصوت الحسن تحوّلَ صوتها إلى نعيب بوم، والسحابُ المحمّلُ بالخير بددّته ريحٌ عاتية، أضاعت كلّ ما يحمله من مطر وخير.

كيف تحوّل الحُبّ في بلادنا إلى كره؟! كيف أصبح الفرح وجعاً؟! كيف أصبح الجمال قبحاً؟!

أيّ قدر أحمق الخطا قدَر وطننا؟ حتى العَلَم، الراية رمز السيادة والعزة والكرامة في بلادنا، ما عاد مرفرفاً خفاقاً، سيّما في المساحات المحتلة من وطننا والخارجة عن سلطة الدولة وقوانينها. 

العصافير الصغيرة أيضاً غيّرت مقامها، وقفلت عائدةً لمكانٍ آخر، ولموطنٍ جديد، يعمّه الأمن والسلام... فكيف بعد كلّ هذا الخراب والألم يستطيع إنسانٌ أن يستمر ويحيا؟! 

وبلاد الشرق في كلّ يوم، وفي كلّ إشراقة شمس يملؤها الظلام والألم والحزن والضياع. 

النص ممتلئ بالحيوية والجمال، رغم مسْحة الحزن الشفيف التي تظهر بين الفينة والأخرى... تلك الحروف الهامسة التي تجمعها حروف عبارة "سكت فحثه شخص"، حروف الفاء والتاء والسين والحاء التي وردت في كلمات الشاعرة "مرفرف، حزن ، سارية، العصافير، الصغيرة، قافلة، القبرات، التلال، مرت، بددته، ريح، عاتية... " ، ثم استخدام الشاعرة التضاد اللفظي، وذلك من أجل إيضاح المعنى أكثر، وذاك التقابل بين الجمل من مثل "انفراط عقود، ونكث عهود" ، إضافة إلى ذاك الانسجام بين المفردات وتوافق بعض حروفها من مثل "عند الغروب، الغزاة "، أيضاً تنوّع الأساليب اللغوية مثل النداء "رباه" ، والاستفهام مثل "كيف يحتضن الفرات البغاء؟".

النص يغصّ بالصور الفنية الرائعة المستوحاة من صميم الواقع، وتكاد لا تخلو جملة من تشبيه أو استعارة أو كناية... إضافة إلى أسلوب التأكيد من خلال تكرار المعنى بمفردتين رديفتين مثل "حالك ، الظلمات".

ولِمَن تهدي الشاعرة قصيدتها؟ إلى الحاضر الغائب ، إلى "الجميع والكل في غياب" ، وكأنها تقول: لقد ناديتَ لو أسمعتَ حيّاً ولكنكَ تنفخ في رماد.

أما العنوان (ضلال شرق) فهو أبلغ ما عبّرتْ عنه الشاعرة "روضة الدخيل"، وكيف لنا أن نسميّ ما تعيشه بلادنا بغير "ضلال شرق"، هل نعرفُ إلى أين نحن سائرون؟ هل نعرف مصيرنا الآتي؟ هل نحن أصحاب قرار؟، أم لعبة بأيدي الأمم المستبدة؟ 

تعمدُ الشاعرة إلى الطباق لإيضاح ماتريد إيصاله إلى القارئ مثل "فاتحة، خاتمة" ، كما تتخيّرُ الشاعرة مفردات بعينها لتزيد النص رونقاً وجاذبيةً من مثل "ترفل ، يئنّ ، انفراط عقود ، ريح صرّ ، عامرة ، السيادة ، قافلة ، يعجّ ".

لقد استطاعت الشاعرة "روضة الدخي" بنصها القصير، وبحروفها المنتقاة،  وقصيدتها النثرية الرائعة، أن تتغلغلَ في أعماق أرواحنا، وأن تقترب من دماء شراييننا... استطاعت أن تمزّقَ خيوطاً من نياط قلوبنا بعد أن وصفّتْ حالةً إنسانيةً عميقةً إثر الحرب على سورية، وكيف أصبحت بلادنا بعد تلك الحرب اللعينة، وما الفرات ودجلة سوى رمزين لخيرات سورية كلّها، ورمزين أيضاً لعزّة هذه الأرض ومكانتها العظيمة، أرض الحضارات والمنارات.

نص باذخ مترف بالمضمون والألفاظ، غني بالمَعنى والمَبنى، فيه تكثيف جميل، وجرْس موسيقيّ مُلفِت،

الأحلام في حلّنا وترحالنا، في نومنا ويقظتنا... لكنها تنتهي بأضغاث أحلام ]. 


رولا علي سلوم. 

سورية.

——————————

2/ النص الشعري:


نص: ضلال شرق.

للشاعرة روضة الدّخيل /  سوريا. 


= المناسبة:

لأنّ الواقع يغرقنا كلّ يوم في مستنقع جديد، ينتهك إنسانيتنا بلا تمهيد، فنشعر أنّنا مهمّشون مبعدون عن الحياة، تبتلعنا دوّامات الحيرة، تنهش لحومنا مخالب العجز، لا أحد يسمع أنين نداءاتنا، أو يفتح لنا بابا ولا حتّى كوّة ليطلّ علينا شعاع أمل، أو نسمع حفيف وعد فنعيش انتظار حلم، ولأنّنا لم نمت بعد، فمن حقّنا أن نكون من روّاد الحياة.

هذه قصيدتي مرثيّة عالمنا الذي طال احتضاره.


= النص:

إهداء: (إلى الجميع...

والكلّ في غياب).


ضلال شرق.

فاتحة صلاتي

لعينيك النّور

حين يخلع الفجر العمامة

معلنا

ميلاد الشّروق


وخاتمة صلاتي

لعينيّ الرّماد كحلا

والدّموع الغسول

فتتجمّد الدّماء 

زرقاء في العروق


ربّاه

كيف يحتضن الفرات

البغاء

والحمام ينتفض

مبحوح الهديل

على هدير 

وقع البروق


وكيف يعانق دجلة

عند الغروب

الغزاة

والقلب لا حيلة له

سوى التّوجّس 

والخفوق


كلّ الدّروب على امتداد خرائطي

بحالك الظّلمات ترفل

وفي العراء

بلا أكفان

تتمدّد جثث

الأحلام


وفؤاد الشّرق كالحجارة 

يئنّ

تحت عجلات عربات صديقة

بعد انفراط عقود

ونكث عهود


ومواقد الشّتاء صائمة 

عن طيف دفء

أهدرت وقودها

حرائق الدّماء


كلّ المقابر عامرة

والحقول مراتع الغربان

وبلا حصاد

هي المواسم

ما الغريب

فالسّيادة للخريف


وللقبّرات على التّلال

نعيب بوم

فكلّما مرّت سحابة

بدّدتها في الصّميم

ريح صرّ عاتية


ما عاد في الشّرق علم

مرفرف فوق سارية

والعصافير الصّغيرة

قافلة

لوجهة أخرى


فكيف يحيا كائن...

إنسان

والشّرق كلّ شروق

يعجّ به الظّلام


روضة الدّخيل. 

سوريا.

——————————

* سيرة ذاتية *


رولا علي سلوم، أدبية سورية. 

مواليد ٢١-٣-١٩٧١  اللاذقية / سورية. 

— إجازة في اللغة العربية وآدابها. 

— دبلوم دراسات عليا قسم الأبيات. 

— دبلوم تأهيل تربوي. 

— ماجستير لغة عربية بدرجة ممتاز / موضوع بعنوان (الموت في أشعار أغربة العرب الجاهليين والمخضرمين).

— تعمل مدرسة لغة عربية. 

— تحب مهنتها جداً، وتؤمن بأنّ بناء الإنسان عمل مهم وشاق، ولكنه السبيل للنهضة والتقدم بالمجتمع. 

— تهتم بالقراءة والتحليل والنقد الأدبيين. 

— تشرف على نشاط شهري بجمعية "العاديات" في اللاذقية تحت عنوان (اقرأ... مع العاديات).















* إعداد وإدارة الأديب المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب مؤسس مدير عام مجلة الرؤى العربية للإبداع والنقد *

الأربعاء، 12 أكتوبر 2022

القراءة النقدية الفائزة بالرتبة الذهبية في مسابقة الرؤى الكبرى 4 في نقد قصيدة النثر الحداثية / د. معروف صلاح أحمد / مصر.











(الدراسة النقدية الفائزة بالرتبة الذهبية في مسابقة الرؤى الكبرى 4 في نقد قصيدة النثر الحداثية)

الدراسة للناقد المصري الدكتور معروف صلاح أحمد.

 

(هذه الدراسة تعتمد في أصولها على عشرة عناصر على الترتيب هي: (العنوان - التصنيف - المناسبة - الغرض - التفسير - الموسيقا - الأسلوب ـ الخصائص -  الأفعال - الصورة الكلية) وتختتم هذه الدراسة بالمآخذ على القصيدة، ولقد استخدمنا فيها المنهج التحليلي الوصفي).

= الدراسة:

+ أولًا: عنوان القصيدة: العنوان: (ضلال شرق).

يفاجئنا العنوان منذ الوهلة الأولي بقضيتين كبيرتين:

ـــ أولاهما قضية (الضلال) وهي قضية كبرى في الأديان وفي المجتمعات، وحتى على المستوى الفردي للأشخاص منفردين بذاتهم أو في احتكاكهم مع الآخرين، فمضاد الضلال الهدي والرشاد، وليس بعد الغي إلا الضلال، فإذا ضلت الأفراد أو المجتمعات أو الأوطان فكبر أربعًا وقل: (على العيش وعلى الحياة وعلى الناس السلام) وعدنا للجاهلية الأولى، وضاعت إنسانية الإنسان ومعالمه.

ـــ والقضية الثانية هي قضية (الشرق) وهذه الكلمة فيها تخصيص بالإضافة وتحديد لمكان الضلال، نعم إنه الشرق بكل معاني الكلمة من ظهور وإشراق للأديان وسحر وكنوز ما في الأرض للإنسان، فقد جرت العادة على إطلاق هذه الكلمة كمصطلح جغرافي على بلادنا وما يخص وطننا العربي الكبير بكل دوله من العراق بوابة الخليج حتى بلاد المغرب بوابة المحيط، ومن الشمال (البحر)  للجنوب (المحيط) من البحر للبحر ومن الخليج للخليج، ومن النهر للنهر عبر نيف وعشرين دولة مغلقة الحدود بكل ما فينا وبكل ما فيها برغم وحدة الرب الإله والأرض واللغة والتاريخ والدين والعادات والعرف والتقاليد... مثلما نطلق على أوربا وأمريكا مصطلح الغرب...                                       ف (ضلال شرق) عنوان ليس بالصغير المبهم الذي لا يفهم، ولا هو بالكبير الطويل المخل لمقاصد القصيدة الكبرى، فتوافر فيه عنصرا التناسب بين اللفظ والمعنى والقصد والإرادة بما فيه من تخصيص، وبما يتجاهله من التعميم، فالإضافة فيه خاصة ومحددة ومقصودة.                                                           وجدير بالذكر أن من شروط جودة العنوان أن يكون علمًا جيدًا لذات القصيدة يصح أن يوضع فوق رأسها كتاج ولؤلؤة كبيرة، تتبعه بعد ذلك كل خرزات وأبيات القصيدة، وألا يكون قصيراً مبهماً لا يفي بالغرض، وألا يكون طويلًا مملًا مخلًّا بمعاني وتوجهات القصيدة، وهو ما تحقق فعلًا فيه ويحسب للشاعرة، وهي موفقة في اختيار ألفاظ عنوان القصيدة.

+ ثانيًّا: تصنيف ووصف العمل الأدبي:

 القصيدة مكونة من أكثر من (١٧٠) مائة وسبعين كلمة موزعة (اسم وفعل وحرف) صنعت أحد عشر ( ١١ ) مقطعًا شعريًّا من القطع المتوسط، ليست بالطويلة التي يزيغ ويميع ويفوح معها المعنى ليناسب العبارة، وليست بالقصيرة المكثفة الوجيزة التي تعتمد على الرمز والتكثيف والاختصار كالقصة القصيرة، فلقد كتبتها صاحبتها وشاعرتنا على نظام الدفقات المميزة الشعورية كل مقطع يحمل دفقة شعورية معينة، فليست كالشعر الخليلي التقليدي الكلاسيكي النمطي القديم الذي يعتمد على وحدة الوزن وثبوت القافية الرتيبة، و يعتمد البيت الواحد وحدة بناء القصيدة، وكل بيت وحدة قائمة بذاته، فلم تخضع القصيدة للتعريف القديم للشعر باعتباره كلاماً موزوناً مقفى دالاً على معنى...، بل على العكس تمامًا كتبت بطريقة قصيدة النثر الحداثية التي تعتمد على نظام السطر الشعري النثري، والاعتماد على القوافي الداخلية والخارجية، دون صياغة قانون عام يحكم سطورها النثرية غير المشاعر والنبض والأحاسيس والدفقات الشعورية المتتالية، فاعتمدت على الإيقاع وليس الوزن، وعمق المجازات، وجودة السبك وكثرة وروعة التصاوير، وقلة المحسنات البديعية المتكلفة، وبأسلوب سهل ممتنع، وبلغة حياة معيشة جزلة ونابضة وغير مقعرة، فتلك هي قصيدة النثر الحداثية التي بين أيدينا .

+ ثالثًا: مناسبة كتابة القصيدة وموضوعها:

القصيدة واقعية درامية تتحدث عن الواقع المثير الأليم الذي نحياه كأتباع وأذيال بلا ضمير، فلا عقل جمعي يحكمنا ويشدنا للرقي والازدهار، فنسقط كل يوم في مستنقع وبيل جديد من القتل والتشريد والاحتلال والبغاء وضياع الحقوق وسرقة وابتزاز مقدرات الأوطان، وتجدد الدمار، والتهميش والإبعاد، وعدم مقدرتنا على صنع حياتنا وكتابة تاريخنا بأنفسنا في صفحات ناصعة بيضاء، واتخاذ القرار كرواد يستحقون الحياة، فالرؤى منعدمة والمستقبل ظلال.

+ رابعًا: غرض النص الأدبي: 

إن الغرض الذي كتبت من أجله القصيدة هو (الرثاء)، والرِثاء هو تِعداد خِصال الميت مع التفجّع عليه، والتأسّي والتعزّي بما كان يتصف به من صفات حسنة كالكرم والشجاعة والبسالة والفروسية والإقدام والعفة والعدل والعقل والرحمة ونصرة الحق والمظلوم، ويتكون الرثاء من أربعة عناصر على الترتيب وهي:

( ١- الاستهلال وحتمية الموت ٢- التفجع وتحديد أسباب الموت ٣- التأبين وذكر صفات المرثي ٤- التأسي والتعزي واتخاذ الميت قدوة ومثال يحتذى به)، والرثاء غرض قديم منذ وقبل العصر الجاهلي، فقد كانت الخنساء ترثي أخاها صخرًا وأخيها معاوية بأجمل عبارات الفجيع، وكلمات التفجع، وظل الرثاء متمشيًّا في عصر صدر الإسلام فوجدنا مرثيات حمزة سيد الشهداء، واستمر في العصور المتتالية الأخرى الأموي والعباسي والأندلسي ووجدنا أبن الرومي يرثي ابنه محمدًا، وفي العصر الحديث وجدنا كثيراً من الشعراء يرثون، ووجدنا من بينهم العقاد يخالف مبدأه ويخالف مدرسة الديوان ويرثي (مَيَّ)، ووجدنا شوقي أمير الشعراء يرثي الأوطان وغيرهم الكثير. 

 فهل قصديتنا ينطبق عليها تعريف الرثاء بهذا الشكل بمقوماته الأربعة؟ 

إن قصيدة النثر الحداثية (الحديثة) وإن كان غرضها الرثاء فهي تختلف عن رثاء القصيدة العمودية الخليلية، فنرى شاعرتنا هنا في كتابتها لقصيدتها لم تتبع عناصر الرثاء الأربعة المعروفة، ولكنها كتبتها بطريقة أخرى مختلفة عن الرثاء القديم، رثاء الأفراد والأشخاص الموتى ومدحهم بما فيهم من صفات حقيقية حميدة،  فقصيدتنا في الرثاء عن حالنا وكربنا العام، عن مصيبتنا الكبرى في فاجعة أوطاننا، وتدمير مقدراتنا وإهدار كرامة الإنسان العربي في الشرق كله، لقد اتخذت شاعرتنا من الرثاء وسيلة لرثاء الحال حال أمتنا العربية وموت مجدها رثاء حال الأوطان، وكشف ما فيه من وبال وخيم، ويصح أن نقول (رثاء الشرق كله).

+ خامسًا: تفسير وشرح وبيان أبيات القصيدة:  

تبدأ الشاعرة حديثها في القصيدة في المقطع الأول بالصلاة في الليل وتخاطب الشرق (حبيبها) فتخبره إنها تفتتح الصلاة، وهي لعيني الشرق النور، وتظل تصلي طول الليل حتى يحين الفجر ويخلع عمامته ويعلن عن الصبح وميلاد الشروق، وفي المقطع الثاني من القصيدة تختتم الشاعرة صلاتها (قصيدتها) وفي عيني الشرق تحول الرماد إلى كحل والدموع إلى غسول، فتتجدد الدماء زرقاء  وليست حمراء في العروق، وفي المقطعين الثالث والرابع تناجي ربها وتشكو له ما يحدث من تدمير وتخريب في العراق بوابة الشرق، وفي المقطع الخامس تخبرنا بالحقيقية إن كل الدروب وكل المسالك والخرائط العربية وخاصة (سوريا) منشأ الشاعرة وبلدها ووطنها وموطنها ليست أكثر حظًّا من العراق تعيش في ظلمات وتموت وتتمدد الجثث بلا أكفان، وفي المقطع السادس تتحدث عن فؤاد الشرق الذي يئن ويتألم ويصرخ وأصبح كالحجر الصوان تحت عجلات العربات الصديقة، فلا عهود ولا مواثيق، وفي المقطع السابع والثامن والتاسع تتحدث عن الشتاء والبرد القارص والمواقد مطفأة وصائمة، فلا دفء ولا طعام ليس إلا الجوع والتشريد وحرائق الدماء والجثث ملأت الجبانات والأجداث والقبور، والغربان ملأت الحقول ولا حصاد فالسيادة أصبحت لدمار الخريف وتساقط الأوراق حتى (القبرات) السوداء سكنت التلال والجبال بالنعيب وصوتها صار مثل نعيق البوم ونعيب الغربان، حتى الغمام في السماء إذا مرت سحابة بددتها الريح الصرصر العقيم العاتية ذات الصيحات العالية التي امتلأت ب (الصرّ) شديدة الحر والبرد التي تحمل السموم، وفي المقطع العاشر تعترف الشاعرة إنه لا يوجد علم ولا راية ولا بيرق مرفرف في الشرق، حتى العصافير هربت وقفلت ورجعت وعادت وغيرت من وجهتها لبلاد أخرى غريبة بعيدة عن الشرق، وفي المقطع الحادي عشر والأخير تتساءل الشاعرة وتطرح سؤالًا مهما مؤداه كيف يحيا الإنسان في الشرق والبلاد العربية كل صباح وكل شروق تضج وتعج بالظلام؟                                                                                                       فالقصيدة تتحدث عن الواقع الأليم الذي نحياه كأتباع وأذيال في غفلة وبلا ضمير، فيسقطنا كل يوم في مستنقع جديد من القتل والتشريد والاحتلال والبغاء وضياع الحقوق وسرقة الثروات وابتزاز مياه الأنهار التي هي الحياة، وتجدد الدمار، والتهميش والقسر والإبعاد والإقصاء الجبري، وقلة ذات اليد وعسر الحال، وتغلب صيحات الأنين، وضياع الحلم وفقدان الأمل، وانفراط العقود ومكث العهود، وكثرة الهزائم المتتالية، وضياع الأوطان وتنكيس الرايات، وانتشار الجهل والظلام، وغياب الدين وكثرة الرماد، وعدم مقدرتنا على صنع حياتنا وتاريخنا كرواد، فالسيادة للخريف، وما حولنا سوى نعيق بوم ونعيب غربان حول التلال والجبال، فالرؤى منعدمة، والرماد يملأ أعيننا، ولقمتنا ليست من يدنا والمؤامرات عاتية، فليس لنا إلا الله والصلاة له لعله يرحمنا ويقف بجانبنا.

+ سادسًا الموسيقا في القصيدة:

تنقسم الموسيقا في القصيدة إلى نوعين: (موسيقا خارجية - موسيقا داخلية).

ـــ أولًا الموسيقا الخارجية الطنانة الجلية الظاهرة في الوزن والإيقاع والقوافي  الخارجية والداخلية، وبعض المحسنات البديعية كالجناس وغيرها، فنجد على سبيل المثال أربعة (٤) قوافٍ خارجية زاهية في نهاية كل مقطع ينتهي بحرف القاف في الكلمات على الترتيب: (الشروق - العروق - البروق - الخفوق) ، ونجد قافيتين تنتهيان بحرف الميم هما (الأحلام - الظلام) - في المقطعين الخامس والأخير) وكلها أتت كدفقات شعورية لا استرسال فيها حتى تستنفذ وتستنزف نفس الشاعرة إلى آخره، ولا يحكمها ولا ينظمها قانون غير الأحاسيس والمشاعر والنبض، ولذلك هي تعد كالمقاطع والتي تتكون من سطور شعرية نثرية، وكذلك الجناس الناقص الذي يعطي نغمة موسيقية تستريح لها الأذن وتشد انتباه السامع وتجذبه وتشحذ الذهن، مثل: (هديل - هدير) ، (غريب - نعيب) ، (الدروب - الغروب) ، (عقود - عهود) ، (سارية - عاتية) ، (فرات - قبرات) ، (ميلاد - امتداد) ، (تتجدد – تتمدد - بدد) ، (مواقد - وقود) ، وكذلك كلمات الإيقاع والوزن أو الميزان والتي تشكل بدورها قوافي داخلية في صلب القصيدة مثل (انفراط - امتداد) ، (الدماء - الزرقاء -  البغاء - العراء - الشتاء) ، (دجلة - وجهة) ، (الحجارة - السيادة - العمامة) ، (عجلات - عربات) ، (رماد - فؤاد) ، (مراتع - مقابر - مواسم - حرائق) ، (الحقول - الغسول). 

ـــ موسيقا داخلية خفية غير واضحة، ناشئة من تضافر الحروف وتناغمها، وتنسيق الكلمات وسلاستها، وتوظيف الجمل، وهرمونية العبارات وانسجامها والتئامها، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد كلمات أعطى فيها حرف العلة (واي) في وسطها امتدادًا مما أبطأ من سرعة (رتم) وإيقاع القصيدة دلالة على حزن الشاعرة وشيوع مسحة الحزن في كلماتها، وكذلك وجود كلمات تنتهي بحروف متشابهة كالنون والتاء المربوطة واللام مثل: (إنسان - الغربان - أكفان) ، (عامرة - صائمة - قافلة - سحابة  - الغزاة) ، (صديقة - حيلة -  الصغيرة) ، (أخرى - سوى) ، (الهديل - الغسول - الحقول - ترفل) ، وغيرها الكثير، والشاعرة موفقة في استخدام العنصر الموسيقي.

+ سابعًا: الأسلوب في القصيدة:  

ينقسم إلى: (خبري وإنشائي) 

// أولاً الأسلوب الإنشائي، وتمثل في (الاستفهام والنداء):                                   ـــ أسلوب النداء في (رباه) ، وهو أسلوب نداء وحيد في القصيدة، فيه استغاثة وصرخة وندبة، غرضه التعظيم، وكأن الشاعرة تتحدث عن العقيدة باعتبار أن الوحيد الذي سينقذنا مما نحن فيه هو (الرب) القادر على كل شيء ولذلك نلجأ إليه هو فقط. 

ـــ أساليب الاستفهام: 

(كيف يحتضن الفرات البغاء؟)، (كيف يعانق دجلة عند الغروب الغزاة؟)، (فكيف يحيا كائن إنسان؟)، (ما الغريب فالسيادة للخريف؟)... أربعة أساليب استفهامية غرضها التعجب والدهشة والنفي والاستنكار والتوكيد، وحرف العطف (الفاء) الاستئنافية للتعقيب والسرعة. 

// ثانيًّا الأسلوب الخبري: 

ـــ (فؤاد الشرق كالحجارة) تشبيه تمثيلي حالة بحالة يفيد التوضيح.                  ـــ (بلا حصاد)، (بلا أكفان)، (ما عاد في الشرق علم مرفرف) ثلاثة أساليب للنفي تفيد التوكيد.

ـــ (القلب لا حيلة له سوى التوجس) أسلوب قصر أداته النفي ب (لا) والاستثناء ب (سوى) يفيد التوكيد والتخصيص والأهمية والترتيب.                                             ولا يوجد في القصيدة أسلوب خبري لفظًا إنشائي معنًّى.

+ ثامنًا خصائص أسلوب الشاعرة:  

الشاعرة تكتب بأسلوب سهل بسيط منبسط على الفطرة، دون تقعر أو تكلف أو ترصد للمحسنات البديعية، ودون التوغل في الكلمات والألفاظ التراثية الفخمة الضخمة الجزلة الرصينة، فهي تكتب بطبيعتها الأسلوب السهل المبسط الممتنع، بلغة نابضة حية منبعثة من الحياة، معتمدة على عنصر (التناسب بين اللفظ والمعنى)، فإذا كان المعنى فيه شدة كانت الألفاظ قوية، وإذا كان المعنى فيه رقة كان اللفظ  سهلًا رقيقًا انسيابيًّا، ولا ننسى تأثرها بالقرآن الكريم في قولها: (ريح صرصر عاتية)، من قول الله عز وجل: (ريحًا صرصرًا عاتية) أي شديدة، ولنا صوت سورة فصلت الآية (١٦)، ومن قول الله: (وأقبلت امرأته في صرة) أي في صيحة / سورة الذاريات آية (٢٩)، ومن قول الله عز وجل: (مثل ريح فيها صر) أي حر فيه سموم أو برد شديد / سورة آل عمران آية (١١٧)، فإذا حاول شاعر آخر أن يقلدها أو أن يكتب بنفس طريقتها التي تعتمد على العاطفة والإحساس والصدق في الكتابة، وتضمين المعاني للحظة المناسبة تعبيراً عن (حال الشرق كله الذي يعج بالمظالم) لم يستطع وأدرك الصعوبة، وفهم أن ما كان يحسبه سهلًا وبسيطًا في ظاهره فهو في منتهى الصعوبة في باطنه لأنه كتب بصدق ومصداقية وعاطفة جياشة، فالشاعرة من مدرسة (الطبع)، وليست من مدرسة (الصنعة اللفظية) أو من عبيد تكلف الشعر.                                                  ولقد استطعنا أن نرصد من خصائص أسلوبها أربع (٤) خصائص:

ـــ الخصيصة الأولى الاعتماد على الدفقات الشعورية المتتالية حتى يكتمل المقطع، فلم تكتب بطريقة السطر الشعري أو البيت التقليدي، والدليل على ذلك أنها استخدمت حرف العطف الواو الاستئنافية لإظهار حال العرب والشرق بوجه عام على ما هو عليه من تخلف وركود وظلم وظلمات وضعف وهوان وخذلان، وكررته حوالي (١٣) ثلاث عشرة مرة في مقابل مرتين (٢) اثنتين كواو عاطفة واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه في قولها: (التوجس والخفوق)، وفي قولها: (انفراط عقود ونكث عهود)، وكذلك استخدمت حرف العطف (الفاء) للتعقيب والسرعة، وكررته أربع (٤) مرات، وكلها دليل على الدفقات الشعورية المنبعثة من نفس الشاعرة المحترقة على حال الشرق وما آل وسيؤول إليه.

ـــ الخصيصة الثانية اعتماد الشاعرة على ظاهرة التكرار، فقد كررت الشاعرة ألفظاً معينة مرتين اثنتين لدلالة التوكيد مثل: (صلاتي- صلاتي) مرتين، (العين)  مرتين (لعينيك - لعينك) مجرورتين بحرف اللام، و(الدماء - الدماء) مرتين، و(الشرق- الشرق) مرتين، وجمعت المفرد في (الشرق - شروق)، ومنها تكرار حرف الجر (على) ثلاث (٣) مرات كالتالي: (على امتداد - على هدير - على التلال) ، حرف الجر (اللام) تكررت (٤) مرات (لعينيك - لعينيك - له - لوجهة)، حرف الجر ( في) تكرر (٤) أربع مرات: (في الشرق - في الصميم -  في العروق - في العراء)، وكذلك حرف الجر (الباء) تكرر ثلاث (٣) مرات (بحالك - بلا أكفان - بلا حصاد) وكذلك تكرار كلمة (كل) التي تفيد العموم والشمول والاستمرارية (٤) أربع مرات (كل المقابر - كل الدروب - كل شروق -  فكلما)، وكذلك تكررت أداة الاستفهام (كيف) ثلاث (٣) مرات (كيف يحتضن - كيف يعانق - كيف يحيا). 

ـــ الخصيصة الثالثة: اعتمدت على الأضداد التي توضح المعنى وتبرزه وتؤكده وترسخه في الذهن وتثبته في النفس مثل (فاتحة × خاتمة) ، (النور × الظلام) ، (النور × الظلمات) ، (الفجر × الظلام) ، (الفجر × الظلمات) ، (الشرق × الغروب) ، (الشروق × الغروب) ، (الشتاء × الخريف) ، (فوق × تحت) ،عند - بعد)  وغيرها... فاستطاعت الشاعرة أن تلعب على وتر الزمان والفصول والمكان والجهات.

ـــ الخصيصة الرابعة:  

إتيان الشاعرة ببعض التعبيرات المجازية الكبرى العملاقة التي تميز قصيدة النثر الحداثية لتعويض فقدان الوزن العروضي معتمدة على التشبيه أو الاستعارة مثل (يعج به الظلام - العصافير قافلة - ريح صر - مرت سحابة - للقبرات نعيب - السيادة للخريف - الحقول مراتع الغربان - حرائق الدماء - مواقد الشتاء صائمة - تتجمد جثث الأحلام - نعيب يوم - كل الدروب ترفل - هدير وقع البروق - الدماء زرقاء - الرماد كحل - ميلاد الشروق - يخلع الفجر العمامة - فؤاد الشرق يئن - فاتحة صلاتي لعينيك النور - طيف دموع - عربات صديقة).

+ تاسعًا ظاهرة الأفعال في القصيدة: 

عند تحليل واستنباط واستخراج الأفعال من القصيدة واستقرائها واستقصائها وجدناها كالتالي: 

ـــ الفعل المضارع الذي يفيد التتابع والتجدد والاستمرار واستحضار الصورة في الذهن تكرر في القصيدة عشر (١٠) مرات هي (يخلع ـ فتتجدد - يحتضن - ينتفض - يعانق - ترفل - تتمدد - يئن - يحيا - يعج) ثمانية (٨) تبدأ بحرف (الياء) للمذكر، واثنان تبدأ بحرف (التاء) للمؤنث.

ـــ الأفعال الماضية التي تفيد التحقق والثبوت والتوكيد والاستقرار، وجدنا ورصدنا في القصيدة أربعة (٤) أفعال هي: (أهدرت - مرت - بددتها - ما عاد) 

ـــ أما أفعال الأمر فلا توجد البتة في القصيدة.

وعليه تكون النسبة كالتالي: 

المضارع (١٠) / الماضي (٤) / الأمر (صفر)، هذا معناه أن الغلبة في القصيدة للأفعال المضارعة (ضعفين ونصف)، والتي تدلنا على استمرار حال العذاب والدمار والخراب والتشريد في سوريا موطن الشاعرة ورمز الشرق) وإن تحدثت في القصيدة عن مأساة العراق بوابة الشرق) فلن تنسى مأساة وطنها الأم، وكذلك يظهر ويتضح لنا عظمة وروعة شخصية الشاعرة الخلوقة المتواضعة والتي لا تحمل في طياتها أي نوع من الغرور أو التكبر أو الصلف أو الزهو، بدليل إنها لم تأت بفعل أمر واحد، فلم تدّع إنها ملكة أو أميرة أو مطاعة، بعكس قادة الشرق الأشاوس الذين أمروا في كبرياء وصلف وغرور فأطيعوا... وفي النهاية ضاعت ـــ رغم أنوفهم ـــ أوطانهم منهم... فلله در الشاعرة.

+ عاشرًا الصورة الكلية والوحدة العضوية وامتزاج الفكر بالوجدان في القصيدة:  

وإذا تساءلنا هل تحققت الوحدة العضوية في القصيدة؟ وهل امتزج الفكر بالوجدان في القصيدة؟ 

سنجد أن الإجابة ستكون (بنعم) لأن الشاعر الجيد هو الذي يفكر (بقلبه) ويشعر (بوﺟدانه) فتأتي العبارات صالحة لكل زمان وصالحة لكل مكان، وفي أي وقت، وفي أي بيئة حتى عبر الترجمات المختلفة،  وهذا هو ما يسمى (بالشعر الخالد)،  فالصورة الكلية، واكتمال الحديث، وتكامل عناصر التجربة، وانسجام المناخ لا يتم إلا إذا كانت متكاملة كما اكتملت الصور الجزئية عبر المجاز والصور الممتدة والترشيح والترصيع، والكنايات والتشبيهات والاستعارات، وهذا ما فعلته الشاعرة في قصيدتها، فقد ضمت حروفها بجانب بعضها، فتكونت الكلمات بحروف متوافقة ليس فيها تعقيد لفظي أو تعقيد معنوي، فتكوّن النسيج، ومنه العبارات والجمل والأسلوب والشكل والمضمون، أو القلب والقالب، وانصهر الجميع في بوتقة مخيلة الشاعرة فخرجت القصيدة متناغمة مثل جسد الكائن الحي خلية وخلية تكون نسيجًا، ومن النسيج تكونت الأعضاء ثم الاجهزة فالكائن الحي، ومن المفترض في الكائن الحي أن يكون كل عضو موجودًا في مكانه المناسب ويؤدي وظيفته على أكمل وجه ممكن، كذلك السلك الذي يجمع الخرزات ويضمها بجانب بعضها فيتكون العقد بلؤلؤاته الفريدة الخريدة، وكذلك كلمات وعبارات القصيدة ما يسمى (نظرية النظم)، ولقد استطاعت الشاعرة أن تحول قصيدتها إلى لوحة زيتية (جدارية) تعلق على الحائط أو الجدار، وكونتها من أجزاء وخيوط، فوجدنا في اللوحة الزيتية الشاعرة تحدد زمن القصيدة هو (الصلاة) فهي تصلي طول الليل وتدعو الله وتناديه (رباه) أن ينقذ وطنها الصغير (سوريا) ووطنها العربي الكبير (الشرق) متخذة من نهري العراق (دجلة والفرات) معادلًا موضوعيًّا للتفرق والتشرذم والشتات، وجعلت من العصافير التي تفر من جحيم الأوطان وتغير وجهتها لبلاد أخرى، وجعلت من القبرات على التلال بلونها الأسود الكئيب دلالة على الموت والقبور والظلم والظلام ، ومن الدماء الزرقاء في العروق شاهد على القتل والخراب والدمار وضياع الأوطان، فالقصيدة مليئة بالأجزاء، وتتجلى وتتضافر خيوطها في (الصوت واللون والحركة)، فنجد من الألفاظ التي تدل على:                                                                    ـــ الصوت : (هديل - مبحوح - تئن - نعيب - ريح - عصافير - قبرات - إنسان  - صلاتي - هدير - عربات - الفجر): اثنا عشر (١٢) كلمة.

ـــ ومن الكلمات التي تدل على الحركة: (الدموع - عينيك - يحتضن - ينتفض - هدير - ترفل - عجلات - عربات - يخلع - ريح -طيف - دجلة ـ الفرات ـ التوجس - فؤاد - الخفوق - القلب - الغزاة - اهدرت - مرت - سحابة - بددتها - صلاتي - علم - الغربان - مرفرف - ريح - يعج - العصافير - مراتع - قافلة) إحدى وثلاثون (٣١) كلمة.                                                                                               ـــ ومن الكلمات التي تدل على اللون: (عينيك - الدماء - العمامة - كحل - زرقاء - سحابة - القلب - الحمام - الحجارة - المقابر - الحقول - الغربان - التلال العصافير - القبرات - ظلام - سحابة - علم - بحالك) تسع عشرة ( ١٩) كلمة.

وعليه تكون النسبة كالتالي: 

الصوت ١٢ / اللون ١٩ / الحركة ٣١، وهذا معناه غلبة كلمات الحركة على كلمات الصوت واللون وهي (ضعفهما معًا) مما يدل على الحل الذي يحفظ الأوطان من الضياع هو كثرة العمل والحركة.

+ العنصر الحادي عشر والأخير:

(مآخذ على القصيدة): 

النقد الموجه للقصيدة وليس الموجه لذات الشاعرة.

// أولًا: المآخذ التي تخص الشكل الطباعي (القالب) هو:                                                             ـــ عدم وضع علامات التشكيل في القصيدة على بعض الكلمات المنونة مثل: (معلنا - كحلا) في حين وضعتها على كلمات  أخرى مثل (صرٌّ- كلٌ - كلَّما - الشّرق) وغيرها الكثير. 

ـــ عدم وضع علامة الاستفهام في نهاية أساليب الاستفهام الثلاثة الواردة في القصيدة، فيجب الاهتمام بالشكل الطباعي للقصيدة. 

// ثانيًّا ومن النقد الموجه للقصيدة في مضمونها (القلب):                                                         ـــ إنها لم تخضع لنظام موسيقي معين تقرُّه الشاعرة لنفسها غير الإحساس والشعو ر.

ـــ عدم التحدث في القصيدة عن سوريا إلا (ضمنيًّا) مع أن الشاعرة سورية، إلا إنها لم تتحدث عن سوريا بطريقة مباشرة أو تتحدث عن نهري (العاصي والليطاني) كما تحدثت عن (دجلة والفرات) في العراق، فالبلاء والغم في كل ركن من الوطن العربي، وكل بلاد العرب أوطاني... ويحسب للشاعرة طريقة الرثاء غير النمطية التي كتبت بها القصيدة. 


د. معروف صلاح أحمد.

مصر.






عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...