‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات نقدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات نقدية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 2 ديسمبر 2024

(قراءة نقدية): "ياسمينات باسمة" / للكاتب الأديب زياد جيوسي / بقلم الأديبة الأردنية هيام فؤاد ضمرة.


(قراءة نقدية)
"ياسمينات باسمة"
للكاتب الأديب زياد جيوسي
بقلم الأديبة الأردنية
هيام فؤاد ضمرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حتى تفهم استراتيجية الكاتب في قدراته للوصول إلى عقل المتلقي وذائقته، فإنه يحتاج بطبيعة الأمر إلى استخدام عدة طرق للاستحواذ على اهتمام المتلقي وخطفه من ذاته، بدءًا من بوابة المنجز ممثلاً بعنوانه الجاذب، ومعناه الذي يتيح للمتلقي سبر غور محتواه، وهو يجمع لغتين من لغات التأثير على المتلقي، لغة زهر الياسمين العَطِر الناشر للشذى المنعش، ولغة الابتسام التي تعد لغة التوادد والتقارب العالمية، مروراً إلى متن الكتاب الذي تم تشكيله بشكل فصول، مُنحت هي الأخرى مفاتيح وبوابات لعبورها، ومن ثم تلج المحتوى بخطوة الثبات وما يتداخل فيه من فنيات الكتابة الوجدانية التي لجأ إليها زياد جيوسي واختارها عن صميم قصد، لتكون للمتلقي مغترفاً في الوصول إلى ذائقته وغرْف مشاعر الإعجاب والتفاعل.
أول ما تلتقط من وجدانيات الكاتب جيوسي ذلك العشق المنتمي للوطن وتضاريسه، فيتعامل معه على أنه المعشوقة التي يأتيها والتياعه يُسابقه بكلِّ الشوق واللهفة حاملاً بالأعطافِ مشاعر وِدَادِهِ وانفعالِهِ، ليرتمي في أحضانِها وَلِهاً بإحساسِ عاشق، ويُراقص مدينته (رام الله) بكلّ الحبَّ، وبكثير ودادٍ وشوق يتذاوَبُ مع مسيل المداد ليُسجِّل ياسميناته الباسمة، ولرام الله في ضمير ووجدان الكاتب جيوسي مشاعر خاصة، هي ليست موطئ قدم لزائرٍ عابر يزورها بين حينٍ وحين، بالنسبة له؛ هي عبق تاريخ، وذكرى، وحكايات، واشتعالات صِبا، واشتغالات باح لها بعشق الأماكن، ومزارات تنقلاته في أرجاءِ الوطن، فصارت جميعها معشوقاته العديدة، يمارس فيها ومعها غراميات عاشق وطن!
و"ياسمينات باسمة"، هي همسات وجد؛ تُسجل يوميات الجيوسي وهو يمارس عشق اللحظات مع تضاريس الوطن، وقد لامسته منه مشاعر الوصال بأجمل خِصال، فراح يَبثهُ غزله وسحائب أشواقه، بحبٍّ يعبُرُ روحه كاليقين، ويتغلغل هوناً بخافقه كمعزوفة الحنين، كنقرات رشات الماء في الودق الخفيف، يرتدي مشاعراً دافئة بحشو رقيق ناعم، موجهاً إياها نحو لحظات التميز، بعمر الدقيقة والساعة والأيام حتى تقلب السنين، حنين الروح الذي ليس بعده احتمال حنين، كلّ شيء فيه يتمرد حنينا وأنيناً واشتياقاً بجنون عاشق ولهان، داهمته المشاعر في غفلة الغياب، لتقطف من روحه سنبلة المودة المثقلة نعيماً؛ بمنجل الاشتياق... فيا له من اشتياق!
والجيوسي لا يكتفي بقدرته على مناجاة طيف الحبيبة وإفراغ ما في جعبته مما يعتمل داخله من الشوق والهيام، وإنما يجعلها في الجانب الآخر تناطقه الهوى، وتعبر هي الأخرى عن وجدانياتها وعما يجول في مكنونها، فتراه يسكب العبارات والتركيبات اللغوية الرومانسية بكثير مشاعر، فهو يُعايش الطيْف كما يُعايش الحقيقة، ويُناطق نفسه وطيْفه كما الحوار المجدي في الحالة غير الافتراضية، فالطيف دوما في حالة اجتياح لروحه، يجتهد ليستحضر طيفه المُغرد عِشقاً كلّ حين، ويظلُّ عبق الياسمين هو سِحر تلك المشاعر الفياضة المتبادلة، فيرى طيفه الأسطوري ملكة خارقة الجمال مكتملة الأوصاف تفيض بالأنوثة، فيما يرى نفسه أميرها المتيم الهائم بها عشقاً ودلاً.
وللقهوة في ميزان الكاتب جيوسي قدر عالي من الأهمية، رفيقته التي لا تغيب عندما يتلألأ إكسير الانسكاب من كأس الحروف، ولا تقوى نفسه عنها مغارب الغياب، نبيذ صباحاته ومساءاته وكل وقت تغبطهُ في سلواها الأزمان، لدرجة أنه كثيراً ما يَصفها في كتابهِ على أنها من مُكملات لحظات السعادة حين تلتحف روحه ببرزخ التعمد في دفئها، بل فيها يعثر على سر الحياة وفلسفة الرؤى في آفاق البهجة، من شأنها أن ترفع منسوب جودة المزاج، بحيث تمنح اللحظة طعم البهاء والرومانسية، فلشربها هي الأخرى طقوس وحكاية، تُسكبُ بموصلات الروح غدق الأنس، وسطوع الألق، وفخامة التمازج، وكأنها تفتح العقل لتلقي أبهة الإحساس باللحظة، حتى إننا نستشعره يحصي عدد النبضات في شريان الطيف المتوهج بالإحساس.
تكرار مصطلح التحليق عند الجيوسي دلالة واضحة على ما ترسخ في يقين الكاتب من سمو المكانة التي يرغب الارتفاع إليها مع محبوبته، والتي يواصل الهمة في بثها لوعاته وهمساته ونبضات خافقه، كما يستمر في تبليغها كلّ ما شابَهُ من لوعات، وما غنمت في روحه منْ مكانةٍ سامية، فالروح لها ظمأى، ولحبها عطشى، ولودادِها يُعايش الحلم مستجدياً وصلها كل حين، وهو يحمل بين جنباته قلباً مدججاً بالرفاه والحب والحنين.
وكذلك تكرار وصف الأماكن والأشياء بالكرمية عند الجيوسي لهي دلالة على ربط هذه الأشياء بجمالية معرشات الكروم وعنبها العسلي يتدلى كقطوف المجوهرات المتلألئة التي تمثل للكاتب منتهى الخير الوفير مع جمال الطبيعة الخضراء التي تلهب العقل بالإبداع والتفكير الايجابي، لأنها تعبئ النفس البشرية بالايجاب من الشعور، وتُريح النفس، وتُرخي الأعصاب.، كمثل: رُبى كرمية، ومدينة كرمية، ولحظات كرمية، وبستان كرمي، وساحرة كرمية، وغيرها كثير يتكئ عليها الكاتب في دلالته بالوصف لمنحها صفة وفرة الفيض، إذا الكرمية التي يعنيها الكاتب إن هي إلا لطائف ربانية في خلق الله العظيم للكون، وما يشتمل عليه من خير كثير وجمال فاخر.
ولصومعة الكاتب موقع أثير في نفسه فهي مكان عيشه، وجلوسه، وأنسه، وشاهدة انسكاباته، حيث يجد راحته بين أشيائه الخاصة، ووسائل إشباعاته العقلية الكامنة ككاتب وباحث وموثق، ففضاء الكاتب في الغالب يكون حيزه الأثير الذي يوفر له كل أسباب تدفق ابداعاته، فهو وطنه الصغير ومحتواه الكبير حيث يعثر فيه على دالته مما يطمح الوصول إليه في عمله الكتابي، فالكاتب هنا يصف صومعته بكل وصف باتع مملوء بالنور والبخور، تكاد تنشده لروعته حتى الطيور، متجلياً بروائع ما تتجاذبه داخله تلويحات مشاعر الطلاوة، وتنتابه إلى عوالم طيفه العبور.
ومن البداهة أن تتملك نفس الكاتب السعادة داخل صومعته، حيث يعثر في زواياها على قدراته في العمل الخلاق، غير منسلخ عن تراثه الموروث العريق، ورموزه التي تعيش في كنف وطن عزيز حبيب يئن تحت سطوة الاحتلال، وليلج ذاكرته القديمة والجديدة على حد سواء، يشهدها تتحرك معه وترافقه كيفما اتجه، وعبق القرية يُعَشعِش في عقله وخياله وواقعه المَعيش، فهو يرى في قريتِهِ ودارِهِ القديمة خاتمة المطاف، ومحطته الأخيرة الزاخرة بالمحبة والأسرار.
فالمبدعون بالعادة يميلون نحو التقوقع في زواياهم الأثيرة التي تفتح لهم بوابات الإبداع على مصراعيها، فالكاتب زياد جيوسي ليس ممن يترك الأشياء خلفه ولا يوليها اهتمامه، وإنما يمنحها فسحة من بحثه التاريخي في الأماكن القديمة والمتروكة دون توثيق لائق، تشده قرى بلاده ومدنها على ما احتوتها من أماكن هجرها أهلها وبانوها، وتركوا في زواياها قصصاً وأسراراً وأحداثاً جسام.
فزياد جيوسي ممن هوى الوطن وأوفى إليه حقه، بأن منحة ما تبقى من عمره، ليوثق الأماكن بالصورة والخبر، فالكاتب يمتلك في مدادِهِ شُعباً من وجدانيات يلجها بثبات واثق الخُطى، ليس ليعيش عاطفة هوجاء يخطها بمداد الأشواق، بل ليجعلها مدخله إلى الهدف الأسمى والأجل.
وكالعابر للضفة الأخرى للقلب تأتي الولادة بمخاض رحيم... ولادة حب منتظر سخي الاشتهاء، ولد ذات مساء يصهل به الشعر وتترنم به أوتار العزف والغناء، وإذا الروح تبرأ من كل الجراح، حين العمر يهديها شطراً من زمن السعادة، وإذا شرايين القلب تقطرُ شعورها وميضاً يُضيء سماء الوجود، ليختار كاتبنا أنْ يتبعَ نبض إحساسه بهذا العِشق الذي شقّ عن قلبه ظلمة الماضي، فليس مِنْ شيءٍ قادرٍ على أنْ يَسُدّ عنه أنفاس الحياة وهي تمنحه وعد الحُلم بعد طول صيام، وحين تتحقق الأحلام يضرب القلب طبول النصر في استعراض قصيدة (ساحرة الشفاه الكرمية) وأنوثة صارخة تنادي أنفاس عشقه لوطن يحلم به حراً طليقاً.
هي واحة فرح مخضرة وجد نفسه يُحلّق بين أفنانها بشوق متلهف غير صبور؛ لطالما انتظرها، بل بحث عنها دون تعب ولا كلل، حتى الصخر نبش في جلمودِهِ وحفر ملامحها المتخيَّلة على صلادته، وكان القمر دوماً شاهدهُ يرقبُ لهفته ويتابع خطواته، فحين تبتسم له الحياة تشرق شمسه المضيئة بسطوع عجيب، فهل تراه ذلك المتسمر على حدس الروح على مذبح العشق العاصف، ليتطهر بابتسامة محبوبته من رحلة شتاته العصيبة؟
هي وحدها من تستطيع أنْ تروي ظمأه؛ وتعالجُ تشقق شفتيه، وهي الوحيدة التي لطالما تمنى أنْ يقف أمامها كالآلهة لينثني لها خشوعاً واعتمالاً، فيا لخالقٍ أبدَع في خلقها فجمَّل كل ما فيها حتى العُمق، إلى قاع روحها العابقة بسحر الخلود.. أتراها ولدتْ له ولأجله؟ وانتظرت على مشارف سنينها العجاف لتقول لنفسها: نعم ها قد وصلت غيمة غيثي التي أبغي وأريد؟!
وكلما تقدمتُ بالمطالعة في أعماق متن مؤلف الجيوسي، أجدني بلا سيطرة مني أتحول لطير محلّق في فضاءات ليست كأيِّ فضاءات، مفتوحة هي إلى ما لا نهاية في امتداد الضوء، أضواءٌ تناديك بصوتٍ حانٍ، وتشدك منْ تلابيبك أنْ أقبل وعانق دفء حروفي بفضولِ منْ يَنشدَ العُبور إلى تراتيل الوصال، لتجتاحك مشاعر مِنْ نور تُلهِبُ عقلك بغراميات عاشق، عشق مدينته رام الله بقدر عشق طيفه الأنثوي الذي راح يَسكبُ له الكثير مِنْ أفكاره وغزلياته وبوح ليله ونهاره، ومع مطلع كلّ نهار تجد عاشق رام الله؛ يفتحُ عيون يقظته على تفاصيل المدينة ليعانقها بوجدِ عاشقٍ ولهٍ، يُبعثِر أسفارهِ في فضاء المدينة، فنراه يتقلب بين عشقين مجنونين، عشق رام الله وعشق طيفه الأسطوري حتى لنكاد نسمع لنبض قلبه طرقاً عالياً يوقف رحيل الشمس من شروقها حتى غروبها ليُحملها رسائل وداده وانسكاباته، فكيف لعاشقٍ ولهٍ لا تأخذه ريشته إلى عرين التضاريس ليُمارس معها كتاباته مع بوح الذات للذات.
لكنه لا يني يربط ذلك العشق المجنون بين حبين لا ثالث لهما إلا الوطن الأم الذي يستحوذ على كيانه حتى العمق، وأحلامه تعفر داخله بالرغبة الجامحة بتحريره وفك قيده، وإطلاق أجنحة طيره عبر فيافيه وسهوله وجباله ووديانه، ليستنشق هواءه وعبق أزهاره وأشجاره عله يلقى أنثاه التي لطالما انتظرها، وأخيراً وجدها في طيفه الملازم لحظات تدفق مشاعره.
والجيوسي لا يخفي سره فهو يخبرنا أنّ معشوقته هي أنثى كنعانية فلسطينية الوشم، مهرة برية لم تروض بَعد، تطلقُ عطرها ياسميناً يعربش صدرها وقامتها، فيحرسها بروحه ووجدانه، ويطعمها هواه، ويشبعها بقبلاته، فقد اشتعل بعشقها واشتعلت بعشقه حتى تمازجا روحاً وحياة ومشاعر، ويجدُ أنّ القهوة التي تشاركه عشقه تمتزجُ على شفتيهما بطعم القبلة اللذيذة، وحكاياهما معاً في معاناة وطن استبدل مناضلوه البندقية بالعصا، وتقزموا ببطاقة انتماء لنظام احتلال، وبقليل من تسهيلات لا تصنع لهم حرية، ولا تمنحهم حتى حق انتماء حقيقي، يعيشان توجع وطن اغتُصب مرتين، مرة بقوة السلاح وأخرى بسحر الوعود الهزيلة، والاتفاقيات المنحازة.
والجيوسي يُحوِّل رؤياه مع أنثاه لحوار رومانسي متبادل بينه وبين المعشوقة التي ساكنته حياته، وأقامت معه في صومعتهِ الصغيرة أسفل المبنى الكبير، حيث وجد فيها عالمة المتخيل في أعماق شعوره، عثر فيها على حدائقه السرية التي أذهلت العشاق وتاهوا على أسوارها، فيبثها حبه لحظة أنْ يُطوِّقها بساعديه ويجول مجاهلها وهضابها ويغيب في أنحائها سياحته الأجمل.
هذا العشق الساري عبر أوردته، الحب اللابد في أعماق نفسه الولهة، هذا العالم اللازوردي الذي يتحوطه ليس حلماً، ليس وهماً، إنه تدفق وجداني حقيقي، لا هي بالسيرة الذاتية، ولا هي بأساطير يتردد صداها في أعماق الذات لينتشلها هوناً، بل هي مشاعر شفافة متدفقة مبهرة الرؤية، ولسانٌ ناطقٌ يُترجمُ إحساس ونبض ووجد، هي مضاجعة حروف تجري رخوة سلسبيلاً لا تعترضها أي عقبات، تُسجِّلُ نبضاً، تسكبُ دفقاً، تُمارس رقصاً أثيرياً مُعبراً حالماً، يُحلّق من خلاله في ملكوت أحاسيس تُقبلُ كالموج المتلاحق لتذوي في نهاية المطاف بسكون وهدوء على رمل الشاطئ وتبلل خده بشوق من وصل منتهاه.
فالعِشق عند زياد جيوسي حالة طفولة مُكتملة، يَتشبثُ من خلالِهِا بمفتاح الحياة ناشداً سعادته القصوى في بيت مكنونه، طفلٌ ما زال يحملُ في أعماقهِ الحنين لأنثى هي من تمنحه الحياة كما الأم الرؤوم، فالرجل لا يترك صدر أمه إلا ليعاوده ذات الحنين إياه من جديد، ليرتمي على صدر محبوبته فيعود في حضنها ذاك الطفل المُهاجر الذي ينشد مكمن أمن نفسه وراحتها، فيبثها غرامه وهيامه، ويَفردُ بين يديها سِقام ولعه واشتياقه وانسجامه، لينبثق في داخله ربيعاً يَفيضُ زهره في أعطاف روحه، ويُناثِرُ الطلح مع الريح لواقِحاً عِذاباً، ويموجُ الحِسُّ في لجة عقله وقلبه، ويفتحُ للنبض بصيرة عاشق يَخِرُّ في حضرة أنثاهُ مُسبحا خاشعاً، طفلٌ يتجلى بالعبادة ويُساكِنُ أمنه ومُناه.
فاخلع نعليك أيها المتلقي ها هنا، واعبر إلى متن منجز زياد جيوسي بقدمك اليمنى، ولا تخشَ شيئاً ولا تُبادرك الأفكار المُسبقة، فستجد نفسك تدخل عرين عاشق وَلِه، يتماهى مع مشاعر جميلة تتدفق بانسياب جميل، وبأفكار يتجمل عزفها بكل نوتات الحس والذوق الجميل، حِسٌّ ينبض، ونبضٌ يعبق بأريج ربيع دائم تخال نفسك تلِجُ جنته المحفوفة بكلِّ الروعة والإثارة، وأنت موقن على أنك مقبلٌ على التمازج مع موجوداته.
ولأستشهد هنا بعشق نزار قباني الذي حدد لنفسه القرار واتخذه بكل إصرار، وعمد إلى شروحاته متخذاً لنفسه معها الحوار، على غرار كاتبنا هنا الأديب زياد جيوسي
:

إنّي عشِقْتُكِ واتَّخذْتُ قَرَاري
فلِمَنْ أُقدِّمُ - يا تُرى - أَعْذَاري
لا سلطةً في الحُبِّ تعلو سُلْطتي
فالرأيُ رأيي والخيارُ خِياري
هذه أحاسيسي فلا تتدخَّلي
أرجوكِ، بين البَحْرِ والبَحَّارِ
ظلِّي على أرض الحياد فإنَّني
سأزيدُ إصراراً على إصرارِ
ماذا أَخافُ؟ أنا الشّرائعُ كلُّها
وأنا المحيطُ وأنتِ من أنهاري
وأنا النّساءُ، جَعَلْتُهُنَّ خواتماً
بأصابعي وكواكباً بِمَدَاري
خَلِّيكِ صامتةً ولا تتكلَّمي
فأنا أُديرُ مع النّساء حواري
وأنا الذي أُعطي مراسيمَ الهوى
للواقفاتِ أمامَ باب مَزاري
وأنا أُرتِّبُ دولتي وخرائطي
وأنا الذي أختارُ لونَ بحاري
وأنا أُقرِّرُ مَنْ سيدخُلُ جنَّتي
وأنا أُقرِّرُ منْ سيدخُلُ ناري


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هيام فؤاد ضمرة

الأردن


.

= دراسات نقدية = قراءة في سيرة: (مسعودة... وأنت أمي الثانية) الجزء الثاني: "عيطة حوزية تحت جلباب أبيض" / الكاتب: عبد الرحمن بوطيب / الناقد: نورالدين طاهري.


= دراسات نقدية =
قراءة في سيرة:
(مسعودة... وأنت أمي الثانية)
"أوراق وفاء لعرعارة عطاء"
(سيرة جدة تآكل منها جسد...
وما الرحم منها وَلَدَ)
الحاجة السعدية
بنت رحال بن رحال بن الجيلالي بوطيب
بنت الكبيرة بنت عبد الرحمن بوطيب.
الجزء الثاني:
"عيطة حوزية تحت جلباب أبيض"
الكاتب: عبد الرحمن بوطيب.
الناقد: نورالدين طاهري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين يتداخل الأدب مع الذاكرة، ويصبح السرد بوابة لاستكشاف أعمق المشاعر الإنسانية، يولد نص مثل "مسعودة... وأنت أمي الثانية" ( الجزء الثاني: (عيطة حوزية تحت جلباب أبيض)، الذي ينسج الكاتب فيه خيوط الحكي والشعر ليخلق عملا أدبيا يحمل عبق التاريخ ورمزية الحاضر. النص لا يقتصر على سرد الوقائع، بل يبحر في عوالم الشعور والرمز، حيث تتحول الحكاية إلى تجربة إنسانية شاملة تسكن بين تفاصيل الحياة اليومية وأحلام الحرية والهوية.
هذا العمل الأدبي يأخذ القارئ في رحلة زمنية ومكانية، يروي فيها حكايات أجيال بأصوات تتردد بين الماضي والحاضر. الكاتب يمنح السرد طابعا شعريا ينبض بالحياة، ليعيد صياغة الذاكرة بطريقة تتجاوز الحدود التقليدية للنصوص الأدبية. من خلال مزجه بين السرد الواقعي واللغة الشاعرية، يفتح النص نافذة على الذات الإنسانية ومعاناتها، ليصبح دعوة للتأمل في القيم العميقة التي تجمع بين الأفراد والوطن.
يقدم هذا النص سردا عميقا ينسج بين الحكي والرمزية، ليعيد بناء الذاكرة الفردية والجماعية من خلال تجربة السعدية، التي تمثل رمزا للتضحية، وامتدادا للهوية الوطنية والنضال في وجه الاستعمار.
النص يتجاوز كونه مجرد شهادة حياتية، ليصبح لوحة أدبية غنية بالرموز التي تستدعي الحنين، وتوثّق المآسي والأحلام التي عاشها جيل مناضل. الحاجة السعدية، أو المسعودة، ليست مجرد شخصية سردية، بل هي الحامل لتراث نضالي متأصل في العائلة والوطن. حضورها في النص يعكس الزمن الذي استهلك جسدها لكنه لم يستطع أن ينال من روحها أو ذاكرتها. إذ تستعيد في حكايتها إرثا عائليا ووطنيا، فتجعل من نفسها شاهدة على ثمانين عاما من الصراع من أجل الحرية. من خلال كلماتها المتكررة "ها قد أكل مني الدهر ثمانين حولا"، تبرز إحساسا بالثقل التاريخي والاعتزاز بالذاكرة، مما يجعل حكايتها مرآة لحياة جيل كامل عاش في قلب النضال.
الفاطمة، الأخت الراحلة، هي رمز للأمل والحلم الذي لم يتحقق. من خلال دفترها الجلدي، تركت الفاطمة إرثا معنويا يمزج بين البراءة والكفاح. رسوماتها على صفحات الدفتر تعبر عن تطلعها لوطن سعيد، حيث كانت تحلم بالحرية وترسم للأطفال مستقبلا مليئا بالفرح. لكن قصر عمرها لم يسمح لها بأن تعيش هذا الحلم، مما يجعل حضورها في النص حضورا رمزيا يذكر القارئ بالثمن الباهظ الذي دفعته الأجيال السابقة.
النص يعتمد على رموز غنية تحمل أبعادا ثقافية ووطنية عميقة. الإزار الأبيض الذي تخفي تحته الكبيرة السلاح هو رمز النقاء المرتبط بالنضال، حيث يجسد تلاحم البراءة مع القضية الوطنية. الحقيبة الجلدية ليست مجرد وعاء للدفتر، بل هي وعاء للذاكرة والتاريخ، تحمل في طياتها الحلم والألم. النجمة الخضراء واللون الأحمر في علم الوطن يشيران إلى الحرية والتضحية، مما يعزز من حضور الرمزية الوطنية في النص. العلاقة بين الفاطمة والسعدية ليست فقط علاقة أخوية، بل هي انعكاس لفكرة الامتداد بين الحلم والواقع. الفاطمة هي الحلم الذي توقف مبكرا، بينما السعدية هي الصوت الذي يستمر في السرد والنضال. هذا التداخل يجعل النص تذكيرا دائما بأن الماضي والحاضر متشابكان، وأن كل فرد يحمل جزءا من إرث جماعته.
المكان في النص له دور حيوي، حيث يعكس تداخل الطبيعة مع القهر. من الحقول الواسعة والغابات إلى الزقاقات الضيقة المليئة بالجنود، يتحول المكان إلى تعبير عن التناقض بين الحرية والقيد. أما الزمان، فيتسم بالطابع الدائري، حيث تعيش السعدية حاضرها بذاكرة مليئة بصور الماضي، وكأنها تعيد إحياء اللحظات بشكل دائم. اللغة في نص "مسعودة... وأنت أمي الثانية" تتسم بثراء استثنائي يجمع بين قوة السرد وجمالية الشعر، مما يضفي على النص طابعًا موسيقيًا يشد القارئ إلى أعماق الحكاية.
الكاتب يوظف التكرار في العبارات مثل "أحكي، أقول" بطريقة فنية، حيث لا يبدو التكرار هنا مجرد إضافة لغوية، بل هو عنصر إيقاعي يحمل معانٍ متجددة، وكأن السعدية تتحدث بلهفة، محاوِلة أن تسابق الزمن لتوصل رسالتها قبل أن تسدل ستائر النسيان على الحكاية. النص يمزج ببراعة بين اللغة الفصيحة والعامية، وهو مزج يعكس التنوع الثقافي الذي يحيط بالشخصيات، ويُظهر تداخل الطبقات الاجتماعية والتاريخية التي تشكل الحكاية.
استخدام العامية في مقاطع العيطة، على سبيل المثال، يخلق صلة حية بين النص والقارئ، حيث تندمج الحكاية الفردية بالذاكرة الشعبية، مما يمنح النص واقعية نابضة بالحياة ويجعل القارئ يشعر وكأنه جزء من تلك التجربة. اللغة الفصيحة في النص، بدورها، تأتي محمّلة بالصور الشعرية والرمزية التي تُعمّق المعنى وتفتح أمام القارئ أفقا أوسع للتأمل. الجُمل مكتوبة بعناية فائقة، حيث تحمل كل كلمة ثقلا ومعنى يتجاوز ظاهرها، لتروي الحكاية بشكل غير مباشر عبر الإيحاء والمجاز.
اللغة هنا ليست فقط وسيلة لنقل الأحداث، بل هي أداة فنية تُبرز المشاعر، وتعيد تشكيل الزمن، وتُضفي على النص بُعدا فلسفيا يعكس الارتباط العميق بين الفرد والجماعة، وبين الماضي والحاضر.
الانتقال السلس بين مستويات اللغة المختلفة يُظهر مهارة الكاتب في التحكم بأسلوبه، حيث تنساب اللغة دون أن تشعر القارئ بالانقطاع أو الانفصال بين مستوياتها. هذا التناغم بين الفصحى والعامية، وبين السرد والشعر، يخلق نصًا غنيًا قادرًا على أن يكون وثيقة أدبية وشهادة إنسانية في الوقت نفسه. لغة النص، بإيقاعها وسلاستها، تجعل القارئ يعيش تجربة السعدية بكل تفاصيلها، ويستشعر ثقل رسالتها وأهميتها.
العيطة الحوزية الرحمانية تتجاوز في النص مجرد كونها عنصرا تقنيا أو زخرفيا، لتتحول إلى صدى حي ينبض برغبة الجماعة في التعبير عن معاناتها وآمالها. هذا الفن الشعبي الذي ارتبط تاريخيا بالبيئة المغربية يكتسب في النص بُعدًا توثيقيا ومعنويا، حيث تصبح العيطة لسان حال الشعب، وصوتا يعبر عن الحزن والتمرد، وعن الألم الذي كان يعيش في أعماق المجتمع أثناء فترات النضال ضد القهر والاحتلال. كلمات العيطة، التي جاءت محملة بالصور البلاغية والرموز الشعبية، تسلط الضوء على أحداث مفصلية في التاريخ المغربي، مثل معركة سيدي بوعثمان التي جسدت لحظة فارقة في الصراع ضد الاستعمار الفرنسي، وانتفاضة الرحامنة التي كشفت عن تمرد الشعب على الظلم والقهر. هذه الكلمات ليست مجرد توثيق للأحداث، بل هي مرآة تعكس مشاعر الناس، إذ تسجل لحظات الألم والانكسار، كما توثق لحظات البطولة والأمل في التحرر.
إدراج العيطة في النص يعكس براعة الكاتب في إبراز تمازج الفن الشعبي مع النضال الوطني، وهو ما يُبرز كيف أن الثقافة الشعبية كانت ولا تزال مستودعا للهويات الجماعية. العيطة، بصفتها فنًا شفهيًا، تحتفظ بذاكرة الشعب وتنقلها من جيل إلى آخر، مما يضمن استمرار الشعور بالانتماء والمقاومة. في النص، تُستدعى العيطة ليس فقط كغناء أو أهازيج، بل كوثيقة إنسانية وشهادة على الحقبة الزمنية التي شكلت فيها الأغاني الشعبية جزءا من المقاومة الثقافية والسياسية.
الأبعاد الاجتماعية والسياسية للعيطة تتجلى بوضوح في النص، حيث توثق العلاقة المتوترة بين السلطات الاستعمارية والقبائل المحلية، وتشير إلى التحالفات والخيانات التي طبعت تلك المرحلة التاريخية. كما أنها تعبّر عن طبيعة المقاومة الشعبية التي لم تقتصر على القتال المباشر، بل اتخذت من الفن والثقافة أدوات للتعبير عن رفض الظلم، ولإحياء الأمل في النفوس. العيطة هنا تتجاوز كونها مجرد فن تقليدي لتصبح سجلا حيا ينبض بالمشاعر والمواقف، ويعكس عمق التحام الشعب بقضيته.
وجود العيطة في النص ليس فقط تعبيرا عن تلاحم الفن مع النضال، بل هو أيضا احتفاء بالموروث الشعبي الذي يثري الهوية الثقافية. إدراجها بهذا الشكل يجعل النص نفسه امتدادا لهذا الموروث، حيث يعيد إحياء ذاكرة النضال بطريقة فنية راقية، ويؤكد أن الأدب قادر على حفظ الثقافة الشعبية وجعلها حاضرة في الخطاب المعاصر. العيطة، بكل ما تحمله من رموز ومعانٍ، تُذكّر القارئ بأن الكفاح لا يقتصر على السلاح، بل يمتد إلى الأغنية والكلمة، ليبقى صدى الروح التي تأبى أن تخضع.
النص يقدم المرأة ليس فقط كحافظة للذاكرة، بل كفاعل أساسي في المقاومة.
 الكبيرة والسعدية والفاطمة يشتركن في حمل القضية الوطنية بطرق مختلفة، مما يجعل المرأة في النص رمزا للوطن والأمومة والمقاومة. هذا التصوير يعكس اعترافا بدور المرأة المحوري في النضال، وهو ما يعطي النص بعدا إنسانيا وقيميا.
"مسعودة... وأنت أمي الثانية" ليس مجرد نص عن الماضي، بل هو شهادة على استمرارية النضال، واحتفاء بالقيم الإنسانية والوطنية. إنه نص يذكرنا بأن الحلم بالمستقبل يبدأ من الحفاظ على ذاكرة الماضي، وبأن التضحيات التي قدمتها الأجيال السابقة هي الأساس الذي نبني عليه آمالنا. من خلال لغته الشعرية ورموزه العميقة، يصبح النص دعوة للتأمل في معاني الهوية، الحرية، والتضحية، واحتفاء بأولئك الذين حملوا الوطن في قلوبهم تحت أعباء الزمن والمقاومة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نور الدين طاهري
المغرب
عبد الرحمن بوطيب
المغرب
 

الخميس، 24 أكتوبر 2024

[ قراءة انطباعية في رواية "قواعد العشق الأربعون" ] الناقد الأردني د. كايد الركيبات


 

[ قراءة انطباعية في رواية "قواعد العشق الأربعون" ]
الناقد الأردني
 
رواية قواعد العشق الأربعون (رواية عن جلال الدين الرومي)، كتبتها الكاتبة التركية إليف شافاق، وترجمها خالد الجبيلي. صدرت الطبعة العربية الأولى عام 2012 عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام في لندن، وتقع في 512 صفحة من القطع المتوسط.
إذا لم تكن قادراً على تخطي عتبة المخاوف النفسية، والموروثات العقائدية والاجتماعية، والقيم والمبادئ الأخلاقية التي نشأت عليها، في سبيل التحول من فرد اجتماعي مقيد في سجلات الحياة البشرية كعدد من أعداد سكان هذا الكوكب، إلى فرد منغمس في روح الحياة، لاجتياز مراحل الحب مرحلة تلو أخرى وصولاً إلى مرحلة العشق، فإن رواية "الكفر الحلو" ليست لك.
رواية قواعد العشق الأربعون، رباعية عشق صوفي جمعت الخطيب المفوه وعالم قونية وفقيهها جلال الدين الرومي، بالعارف الصوفي الجوال شمس الدين التبريزي، بين عامي 1252 و1260. كما جمعت عام 2008 بين إيلا، المرأة الأمريكية التي هجرت زوجها وأطفالها، ورجل اسكتلندي اسمه كريغ ريتشاردسون، الذي أسلم وتصوف عام 1977، وغير اسمه ليصبح "عزيز". انتهت محطة حياته في مدينة قونية التركية، نفس المدينة التي قتل فيها شمس الدين التبريزي.
تحكي الرواية قصة الانقلاب الكبير في حياة جلال الدين الرومي، بعد تعرفه على شمس الدين التبريزي. قدمت الكاتبة قواعد العشق التي طرحتها في الرواية على لسان شمس الدين التبريزي، لتظهره أنه الرجل العارف بما وراء قدرة الفهم البشري. ولم تكتفِ بسرد القواعد، بل أجرت على لسانه عبارات رديفة لتلك القواعد، تمهيداً لصياغتها. من أمثلتها: "إن المبادئ والقيود الدينية مهمة، لكنها يجب ألا تتحول إلى محرّمات. بهذا الفهم أجرع الخمر التي تعطيني إياها اليوم، مؤمناً من كل قلبي بأنه توجد رجاحة عقل ورزانة بعد ثمالة الحبّ"، التي جاءت توطئة للقاعدة الثانية والثلاثين: "يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله؛ لا أئمة، ولا قساوسة، ولا أحبار، ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك. آمن بقيمك ومبادئك، لكن لا تفرضها على الآخرين، وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين، فمهما كانت العقيدة الدينية التي تعتنقها، فهي ليست عقيدة جيدة" (ص: 356).
بعض التوطئات كانت من نوع الإخبار القصصي، جاء على لسان التبريزي حتى يكون مستوى الخطاب متوافقاً مع قدرة المخاطب، فيذكر القصة ليعطي للمستمع جوهر الرسالة التي يقصدها. لتُعزز الكاتبة فكرة القدرات الخارقة للتبريزي، في كل مرحلة من مراحل العرض الدرامي في سياق النص الروائي، فَيُعجب القارئ بشخصيته، وتزداد وتيرة اهتمامه وتفاعله مع النص الروائي. من أمثلتها قصة رجلين وجدا فتاة على ضفة النهر بحاجة إلى المساعدة: "كان رجلان يسافران من بلدة إلى أخرى، ووصلا إلى جدول ماء فاض من الأمطار الغزيرة. وعندما أوشكا على عبور الجدول، لاحظا امرأة شابة جميلة تقف وحيدة وتحتاج إلى مساعدة. وعلى الفور توجه إليها أحد الرجلين، وحملها بين ذراعيه، واجتاز بها الجدول، ثم وضعها على الضفة الأخرى، ولوح لها مودعاً، ثم تابع الرجلان رحلتهما. وخلال ما تبقى من الرحلة، لبث المسافر الثاني صامتاً وعابساً، لا يرد على أسئلة صديقه. وبعد مرور ساعات من التجهم، لم يعد بمقدوره البقاء صامتاً، فقال: لماذا لمست تلك المرأة؟ كان من الممكن أن تغويك! إذ يحرم على الرجل ملامسة امرأة هكذا. فرد الرجل الأول بهدوء: يا صديقي، لقد حملت تلك المرأة ووضعتها على ضفة الجدول الأخرى وتركتها هناك؛ أما أنت فلا تزال تحملها منذ ذلك الحين" (ص: 309).
برّرت الكاتبة انصياع الرومي وطاعته للتبريزي بقولها على لسان الرومي: "لقد فعل شمس كل ما فعله كي أصل إلى درجة الكمال، لكن أهالي البلدة لم يفهموا ذلك على الإطلاق... فقد شرع أبواب بيتنا لمومس، وجعلها تشاركنا مائدتنا، وطلب مني الذهاب إلى الحانة وشجعني على الاختلاط بالسكارى.... وفي البداية أبعدني عن المعجبين بي، ثم عزلني عن النخبة الحاكمة، وجعلني أتواصل مع عامة الشعب... وبسبب إيمانه بأنه يجب تحطيم جميع الأصنام التي تقف حائلاً بين العبد والله، بما في ذلك الشهرة والثروة والمقام، بل حتى الدين، فكّني شمس من جميع القيود التي كانت تقيدني بالحياة... وشيئاً فشيئاً، حطم شمس سمعتي، وبفضله تعلمت قيمة الجنون، وذقت طعم الوحدة والعجز والافتراء والعزلة، وأخيراً الأسى" (ص: 417-418).
أما في ثنائية عزيز وإيلا، فقد انتهج عزيز السلوك الصوفي نتيجة تأثره بالبيئة الصوفية في بلاد المغرب العربي، التي انخرط فيها لتحقيق هدف مادي بحت، تمثل باتخاذها نقطة عبور لمخالفة قانون الحظر الذي تفرضه الجهات الرسمية في بلاد الحرمين على دخول الأجانب غير المسلمين للأماكن المقدسة. لكن التجربة الصوفية أثرت فيه تأثيراً كبيراً، فتخلى عن هذا الهدف، وأخلص للطريقة الصوفية التي اتبعها. عبّرت الكاتبة على لسان عزيز في متن الرواية عن رمزية حروف كلمة "صوفي" الأربعة، قائلة: "بعد أن فقدت المرأة التي كنت أحبها، طرأ تغيّر كبير على شكلي، فلم أعد فتى ولم أعد رجلاً بالغاً، بل أضحيت حيواناً حبيساً. وأنا أطلق على هذه المرحلة من حياتي الحرف ((صاد)) في كلمة صوفي" (ص: 315). "أما الصوفية، فمن بإمكانه أن يعرف أن ما كنت أعتبره وسيلة لتحقيق غايتي، أصبح غاية في حد ذاته؟ وأنا أطلق على هذا الجزء من حياتي لقائي بالحرف ((و)) في كلمة صوفي" (ص: 334). "كنت حيث كنت أريد أن أكون، فكل ما كنت أحتاج إليه هو البقاء والنظر إلى داخلي. وأنا أطلق على هذا الجزء الجديد من حياتي لقائي بالحرف ((ف))، في كلمة صوفي" (ص: 341). "الروحانية والحياة والأسرة والفناء والإيمان والحب. وجد نفسه يفكر مجدداً بمعانيها ولم يعد يرغب في الموت. أطلق على هذه المرحلة الجديدة والنهائية من حياته اسم لقائه بالحرف ((ي)) من كلمة صوفي، وقال إنه وجد هذه المرحلة أشدّ المراحل السابقة صعوبة، لأنها جاءت في وقت اعتقد فيه أنه تغلب على معظم، إن لم يكن كل، صراعاته الداخلية، وفي وقت خيّل فيه إليه أنه بلغ مرحلة النضوج الروحي" (ص: 465).
في حين كانت حياة الرتابة، وعدم تحمّل الزوج مسؤولياته الأخلاقية تجاه زوجته، الدافع وراء توطد علاقة إيلا بعزيز، وهجرها لمنزلها وتخليها عن زوجها وأبنائها. علاقة عشق تشكلت للخروج من دائرة الخوف على المستقبل، وتجاوز عقدة تحمل المسؤولية الاجتماعية المقيدة للسلوكيات الفردية بحكم العقيدة أو الخلق أو العادة. لهذا جمعت الكاتبة عزيز وإيلا في أحد فنادق مدينة بوسطن الأمريكية، وخلقت مشهداً درامياً وصفته قائلة: "مد عزيز يده وأزال الدبوس الذي يمسك شعرها في شكل كعكة، فانفلت مفترشاً كتفيها. ثمّ قادها برفق نحو السرير. وببطء، وبرقة، راح يحرك راحتي يديه في دوائر متواصلة ومتتابعة، من قدميها حتى كاحليها، ومن جبينها حتى بطنها، ولم تتوقف شفتاه عن الهمس بكلمات بدت لإيلا مثل شيفرة قديمة سرية. فجأة فهمت ما يفعله. فقد كان يبتهل ويداه تجوسان كل بقعة من جسمها، وظلت عيناه مغمضتين، وشفتاه تدمدمان بصلوات من أجلها. كانت تلك أعظم تجربة روحية خبرتها في حياتها، وعلى الرغم من أنها كانت لا تزال ترتدي ثيابها، وهو كذلك، وعلى الرغم من أنه لم يكن بينهما أي شيء جسدي، فقد غمرتها أشد المشاعر جنسية في حياتها على الإطلاق" (ص: 458). بعد هذا اللقاء قررت إيلا أن ترافق عزيز ليطوفا العالم، قالت الكاتبة على لسان إيلا: "فهمت إيلا أنه إذا كان هناك شيء في نظر المجتمع أسوأ من أن تهجر امرأة زوجها إلى رجل آخر، فهو أن تهجر امرأة مستقبلها من أجل الحاضر" (ص: 494). تُظهر إيلا أن الحب يمكن أن يكون محركاً قوياً للتغيير، وأن البحث عن الذات الحقيقية قد يدفع المرء إلى اتخاذ قرارات جريئة ومخالفة للتوقعات الاجتماعية.
قواعد العشق تؤسس لحياة فاضلة تخرج عن العادة والتقليد والرتابة، لتسمو بمعتنقها إلى فضاء فسيح يتسع للتآخي والمحبة والسلام. قواعد وظفتها الكاتبة لتضفي صفة التسامح والتقدير على المنهج الذي استقرت عليه إيلا وعزيز واعتباره النموذج العملي الخالص في التجربة الصوفية التي يمكن قبولها في المجتمع. قد تكون قواعد العشق الأربعون مغرية للفرد في ضبط سلوكه الأخلاقي والاجتماعي، لكنها لا تلتزم بالمرجعية الدينية التي تصطدم ببعض الميول الإلحادية التي تضمنتها.
قُدّمت القواعد بغلاف أدبي فلسفي آخاذ، لكنها تحمل في طياتها انفلاتات لا تخدم المجتمع الإسلامي، بل يقف منها موقفاً متشدداً، أنتجت الكاتبة منها في باطن الرواية، رواية ثانية مرادفة لـ"قواعد العشق الأربعون"، وهي رواية "الكفر الحلو".
يمكن القول إن شافاق استخدمت الرواية كمنصة لتقديم رؤية فلسفية شخصية حول الصوفية، تجاوزت في بعض جوانبها التفسير التقليدي للدين، لتقدم قراءة فلسفية حداثية للصوفية تسعى إلى تجاوز القراءات التقليدية المتشددة. فالقواعد التي قدمتها، وإن كانت مستوحاة من التراث الصوفي، إلا أنها تظهر في الوقت نفسه تأثيرات فلسفات غربية معاصرة. فالشخصيات، وخاصة إيلا وعزيز، تجسدان الصراع بين الرغبات الفردية والقيم المجتمعية، وبين الروحانية والمادية. وبذلك، تحولت الرواية إلى منصة للتفكير في قضايا وجودية عميقة، مثل معنى الحب، والحرية، والبحث عن الذات. وهذا التوجه الفلسفي يثير جدلاً حول مدى التزام الرواية بالمرجعية الصوفية التقليدية.
من القواعد التي وردت في الرواية: "إن السعي وراء الحب يغيرنا، فما من أحد يسعى وراء الحب إلا وينضج أثناء رحلته، فما أن تبدأ رحلة البحث عن الحب، حتى تبدأ تتغير من الداخل والخارج" (ص: 129).
"إذا أراد المرء أن يغير الطريقة التي يعامله فيها الناس، فيجب أن يغير أولاً الطريقة التي يعامل فيها نفسه. وإذا لم يتعلم كيف يحب نفسه، حباً كاملاً صادقاً، فلا توجد وسيلة يمكنه فيها أن يحب. لكنه عندما يبلغ تلك المرحلة، سيشكر كل شوكة يلقيها عليه الآخرون. فهذا يدل على أن الورود ستنهمر عليه قريباً" (ص: 201).
"في هذا العالم، ليست الأشياء المتشابهة أو المنتظمة، بل المتناقضات الصارخة هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام. ففي داخل كل منا توجد جميع المتناقضات في الكون، لذلك يجب على المؤمن أن يلتقي بالكافر القابع في داخله، وعلى الشخص الكافر أن يتعرف على المؤمن الصامت في داخله. وإلى أن نصل إلى اليوم الذي يبلغ فيه المرء مرحلة الكمال، مرحلة الإنسان المثالي، فإن الإيمان ليس إلا عملية تدريجية ويستلزم وجود نظيره الكفر" (ص: 444).
"ليس من المتأخر مطلقاً أن تسأل نفسك، هل أنا مستعد لتغيير الحياة التي أحياها؟ هل أنا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟ وحتى ولو كان قد تبقى من حياتك يوم واحد يشبه اليوم الذي سبقه، ففي كل لحظة ومع كل نفس جديد، يجب على المرء أن يتجدد ويتجدد ثانية. ولا توجد إلا وسيلة واحدة حتى يولد المرء في حياة جديدة وهي أن يموت قبل الموت" (ص: 482).
"لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي .. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو نقي وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النار الماء" (ص: 500).
د. كايد الركيبات
الأردن
 
 
  

Peut être une image de texte 

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...