الثلاثاء، 19 مارس 2024

توثيق النصوص الشعرية المشاركة في منافسة الشعر بمناسبة اليوم العالمي للشعر الخميس 21 مارس 2024 ـــ 1/ قالت... عبد الرحمن بوطيب


 

 

مجلة الرؤى العربية للإبداع والنقد

توثيق النصوص الشعرية المشاركة في منافسة الشعر

بمناسبة اليوم العالمي للشعر

الخميس 21 مارس 2024

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1/ قالت...

عبد الرحمن بوطيب

 

قالت: عَلِّمْنِيَ الشعرَ.

قال: منيَ حرف، ومنكِ نغمة.

قالت: ما النغمة؟

قال: من وادي عبقر، شهقة.

قالت: ما أنا قطرة.

قال: زهرة.

قالت: عطشى، ولا غيمة.

قال: ترتوي بنظرة.

قالت: وما النظرة؟

قال: دهشة رعشة.

قالت: واللازمة؟

قال: منك تلك الصعقة.

قالت: هي إذاً... قبلة.

قال: حركة فسكون.

قالت: رجز، وخيمة.

 

"عبد الرحمن بوطيب"

المغرب

 


 

الاثنين، 18 مارس 2024

العودة من ماء الحياة / بقلم الكاتب والروائي والشاعر أحمد عزيز الدين احمد.


 

العودة من ماء الحياة
 
 
في البدء كانت الكلمة ... انتشروا فتطايرت الأرواح بجناح الحياة.
خرجت الأرواح من قبو مظلم كظلمة القبور تبحث عن النجاة تملأ بقاع الأرض تسكنها الحياة لا أنيس ولا اتحاد ولا عمل لتلك النفوس الثائرة فوق الأديم، لكنها كانت تعلم هويتها ورحلتها ونهايتها في سرداب العيش المكتوب على ظلمة القبو الذي خرجت منه منذ لحظات، ولكنها كانت تجهل الطريق إلى تلك النهاية المحتوم، ومع شعاع النور البارق مع أول فجر لها كان الطريق.
أمتد الجسر في أعين الأرواح بين القبو وبوابة النجاة إلى ما لا نهاية، فمنهم من اعتلى الجسر، ومنهم من تاه في معترك التنافس في صراع البحث والتنقيب بين روافد شعاع النور، رحلت كل الأرواح واستقل الجسر قليلاً من تلك الأنفس تتكالب فيما بينها لتقسم ما بين صارع ومصارع للوصول إلى سقف النهاية.
انطلقت بعض الأرواح على جسر الحياة تصارع بعضها بعضاً، قد حدد موعد لبعض تلك الارواح المتشابهة في الخلقة، ولكنها مختلفة في الغاية والوسيلة لبلوغ الهدف المنشود، فكان غروب شمس ذلك اليوم هو أذان بفنائها إن لم تدلف إلى باب النهاية قبل الغروب، ولكن كانت تشغلهم الصراعات الناشبة بينهم وبين الأرواح التي لم يحدد لها موعد للوصول، فكانت غايتهم صراع تلك الأرواح على جسر الوصول دون الالتفات إلى منشودهم الأسمى وهو الوصول قبل الغروب تحاول عرقلتهم والقضاء عليهم ونهش اجسادهم، ولكن تلك الأرواح كانت تعرف غايتهم المنشودة وطريقهم فوق الجسر، تتفادي الضربة تلو الضربة، تهرب يمنة ويساراً، وكلما سقطت روح من تلك الأرواح الشريرة تنفسوا الصعداء وسكنت في مسيرتها وغايتها المنشودة إلى بوابة الحياة.
ظل الوضع بين المد والجزر في معترك الطريق حتى دنت الشمس من الغروب، ففاقت تلك الأرواح الشرير لغايتها الأسمى تنتفض لتصارع الركض على ذلك الجسر الممدود وتحاول جاهدة أن تسبق لتصل قبل غروب شمس ذلك اليوم تاركة الصراع المحتدم قبل قليل، ولكن هيهات لها، فقد انشغلت بصراع بعضها بعضاً وتدحرجت ساقطة على جسر الوصول لتذوب مع آخر شعاع ضوء لشمس اليوم المنشود، ولم ينج منها إلا القليل مع تلك الأرواح التي لم يحدد لها غروب أو شروق ليصل إلى بوابة الحياة عدد قليل يكاد أن يعد على أصابع اليد الواحدة من بين تلك الأرواح التي خرجت من القبو المظلم في بداية الانتشار على أديم الأرض وبأمر الكلمة انتشروا.
دلفت الارواح المتبقية التي وصلت إلى بوابة النجاة فشعرت تلك الأرواح بسكينة ونعيم وكأنها لم تتصارع ولم تركض حتى آخر ساعة من نهار... ولكن ماذا بعد؟
رجعت قليلاً أدراجي إلى الوراء بضع خطوات قلائل داخل تلك البوابة شاهقة الارتفاع عريضة المصارع وخاطبت تلك الأرواح قائلاً: أنتم الباقون من البشر، فحافظوا على أنفسكم، ونظرت أسفل مني بين الجسر وتلك البوابة وقد قذف في روعي ألا عودة إلى ذلك الجسر مرة أخرى، فرأيت فراغاً ضيقاً بين الجسر وتلك البوابة الشاقة... بوابة الحياة، نظرت فرأيت نوراً في الأسفل يصدر من تلك الفتحة الضيقة بعرض البوابة بينها وبين الجسر فخال إلي أن أنزل إلى ذلك النور، وتبعتني تلك الأرواح تنزل تباعاً من تلك الفوهة الضيقة... فكيف كان نزولي؟
طرحت على لوح لغلاف كتاب باللون البرتقالي المشبع بقليل من الحمرة فيجعله يميل إلى اللون البني في وسطه وفاتح في أطرافه، ولكنه كان كلوح زجاج مصقول تتدلى عليه قطرات ماء في خطوط منتظمة كأنها تجمعت من رذاذ المطر المنسكب على نافذة زجاجية في الشتاء، وما هي إلا لحظات وأنا ملتصق بذلك اللوح البديع والماء الذي يسيل في خطوط متعرجة لكنها ثابتة وليس به موضع لأتمسك به، ولكنني ثابت فوقه قد تسطح في وضع أفقي لتلامس قدماي الأرض، ووجدت نفسي قد تم غسلي من اخمص قدمي حتى منبت رأسي بماء أشبه بالزلال وكانه مصفى، فتلفت لأجد بوابة أخرى توصلني إلى سوق، وتلك الأنفس من ورائي أيضاً، ولكن عندما دخلنا انتشرت تلك الأرواح مرة أخرى... قد أخذ كل منها موضعه وكأنه يعرفه قبل ذلك، وأخذت أنا مساري متجولاً فنظرت أعلى مني بجوار الباب الذي دلفنا منه منذ قليل إلى أحد الأشخاص الذي دخل معنا فألقي إلي صاحبي بقطعة حلوى أظنها شكولاتة وألقى إليه أيضاً بقطعة أخرى مغلفة، ولكن عندما فتحتها لم أجدها تشبه القطعة الأخرى فتذوقها... يا لجمال طعمها !... شيء لم أتذوق مثله في الحياة، وغاب عني صاحبي الذي سار معي في طريق ذلك السوق البدائي إلى وجهة غير معلومة، ولكنه خيل لي أن أحدهم قد وصف لي ذلك السوق قبل ذلك وفكر ماذا عساه قد شرح لي؟ فكانت المفاجأة.
لقد وصف لي كل ذلك حتى أقوالي التي سوف أقولها وأفعالي التي سوف أفعلها في ذلك السوق... نعم تذكرت كل ذلك، لقد تحدثت إليه في ذلك قبل الخروج من القبو وكأنه حلم يمر بي في الزمان والمكان، فدلفت إلى إحدى الحوانيت لأشتري علاقة من خوص النخيل وسعفه فقال لي صاحب الحانوت إنها بأربعة عشر جنيهاً، ولكن لم تعجبني صناعتها، ولم يكن معي أموال أيضاً في ذلك المكان والزمان، فآثرت الصمت والخروج من ذلك الحانوت، وجلس صاحب الحانوت في موضعه وهو يتمتم بكلمات لا أفهمها، ولم أهتم بما قال، وواصلت السير إلى حانوت آخر في نهاية السوق.
نعم لقد تم وصفه لي بكل تأكيد... عندما تدخل سوف تجد سريراً مصنوعاً من سعف النخيل في ركن الحانوت فاصعد من خلاله إلى أعلى الحانوت، ولكن من النظرة الأولى لذلك السرير المصنوع من سعف النخيل في ركن الحانوت لم يعجبني، لقد وجدته بالياً متناثرة أشلاؤه يمنة ويساراً، لا يستطيع أن يقلني، فنظرت يمنة ويساراً فوجدت سريراً من لوح خشبي محمل على أربعة أحجار صلبة البنية مطلية باللون البني الذي عادة ما تطلى به الأخشاب المصنعة على شاكلته، فجلست عليه، وما هي إلا لحظات حتى وجدت من كانت تصف لي المكان في القبو قبل الانتشار تجلس بجانبي وتحادثني... فماذا قالت لي؟
تبسمت وأومأت لي بأنها تلك هي البداية لا النهاية، وتلك الطريق المنشودة والصراع المحتوم والبوابات المرصودة وطهور الماء والسوق المنصوبة والرزق الذي أكلت منه على يد أحدهم إلا تمهيد لذلك اللقاء بيننا على ذلك السرير الخشبي لنكمل دورة الحياة من جديد، فوجدتني دون أن أشعر اعاشرها معاشرة الأزواج لتبدأ الحياة من جديد. 
 
بقلم الكاتب والروائي والشاعر
احمد عزيز الدين احمد

العاشق الأسود / قصة قصيرة / نعيمة السي أعراب.


                 

 العاشق الأسود                 

 قصة قصيرة.                 .

الكاتبة: نعيمة السي أعراب. 


سيدتي الجميلة، أخيراً، تحقق حلمي ودخلتُ غرفتكِ، كم ترقَّبتُ واحترقتُ شوقاً في انتظار هذه اللحظة، حتى حسِبتُها لن تأتي، لكنها أتت، وهأنا أقفُ قربكِ مُخدَّر الحواس، أُمَلي العين برؤياكِ، من أخمص قدميكِ الحافيتين إلى أعلى رأسكِ المتوج بشعر كستنائي طويل. 

وأنتِ تجربين فساتينكِ أمام المرآة لانتقاء ثوب مناسب للسهرة، ربَّما لم تنتبه عيناكِ كيف اشتعل الوميض في عينيَّ، وازداد توقداً إلى أن صارت مُقلتاي جمرتين متوهجتين، تحولت معهما نظراتي التي كانت تداعب جسدك الممشوق بكل وداعة، إلى نيران مستعرة تود التامه، ولا أظن قلبكِ فطِن بقلبي الذي كان ينخلع من مكانه كلما خلعتِ فستاناً لاستبداله بآخر، وكاد يتوقف نبضُه حين استقر اختياركِ على فستان أسود طويل، والتفتتِ إليَّ بحدقتين فاحصتين قبل أن تنحني مادةً يدكِ نحوي، أنا الغارق في الوجد، جلدي الأسود البراق ملتهبٌ صبابةً وكعباي العاليان مرتعشان لوعةً. 

تلقَّفتِني بين يديكِ كما يتلقف المنقذ من بين الموج غريقاً، وبِرفق أدخلتِ قدميكِ في جوفي، ثم انتصبتِ واقفةً، وخطوتِ بضع خطوات أمام المرآة لِتري الشكل النهائي، تماماً كما فعلتِ منذ أسبوع، يوم جئتِ إلى محل بيع الأحذية النسائية، واخترتِني من بين الكل، إذ سمعتُكِ تهمسين: "أريدكَ أنت، وحدكَ ستَفي بالغرض".

خالجني شعور غريب عند ملامسة قدميكِ الطريتين الدافئتين وبشرتِهما الناعمة العطرة، بينما أصابعهما الرقيقة دغدغت ضلوعي جاعلةً الدم يتدافع من جديد في شراييني، ويسقي طبقات جلدي التي دبَّت فيها الحياة وانتعشت مسامُّها، فغمرتني قشعريرة لذيذة خِلتُ معها أن شعيرات دقيقة نمت ثانيةً على سطح جلدي.

من قال إن البشر وحدهم يبحثون عن أحذية تناسب أقدامهم؟! الأحذية بدورها تبحث عن أقدام تناسبها، وأنا وجدتُ ما يناسبني. 

رغم المشاعر الجياشة التي اكتنفتني مساء اليوم، تماسكتُ نفسي لأحافظ على رباطة جأشي، وأقاوم رغبتي الملحة في ضمِّكِ بقوة كما فعلتُ أول أمس، عندما أخرجتِني من الدولاب قُربَ المدخل، حيث كنتُ قد قضيتُ خمسة أيام رفقة أحذيتك الأخرى، أسترقُ النظر من بين الشقوق متابعاً بشغف تحركاتكِ، وأنتِ تتجولين في أرجاء المنزل بخطوات رشيقة. من لهفتي واشتياقي، ما إن وجدتُني أحتوي قدميكِ الناعمتين، حتى جعلتُ جلدي ينكمش ويلتصق بهما، ضاغطاً بكل جهدي ومتلذذاً بشعور مثير لم أعهَدهُ، بلغ بي إلى حدِّ الرعشة القصوى، ولم أفِق من نشوتي إلا وأنتِ تصرخين من الألم محاوِلةً التخلص مني. 

في الغرفة، لم أكرر فِعلتي تلك، لستُ أحمق لأنسى التجربة المريرة التي عشتُها بعدما وضعتِني في كيس بلاستيكي أسود، وحملتِني إلى الإسكافي الذي كاد يزهق روحي حين أقحم القالب الحديدي في جوفي، وشرع يزيد من حجمه ليُمَدد جلدي حتى أَوشكَ أن يمزق أوصالي. 

هذه المرة، تصرفتُ بتعقل ولم أخذلكِ، بل حنوتُ على قدميكِ بِرفق، واحتضنتُهما بِلطف مقاوِماً مشاعري ورغباتي الجامحة، فكان جزائي أن أخذتِني معكِ إلى السهرة، هناك حيث اقتربت منكِ عدة أحذية رجالية لامعة، أصحابها يرمونكِ بنظرات الإعجاب أكثر من باقي النساء الحاضرات، لكن لا أحد منهم كان محظوظاً مثلي، أنا الوحيد الذي حظيتُ بمنظر ساقيك المرمريتين، بينما كنتُ أمارس لعبة جديدة تمنحني المتعة، وتقيني من غضبك في الوقت نفسه: أضغط على قدميكِ مراقباً الانقباض على ملامحكِ، فأُخفِّف من ضغطي حتى تنفرج أساريركِ، ثم أُعيد الكرة بالضغط ثانيةً، وأنا ألثُم أصابعكِ وباطن قدميكِ، أتراجع بعدها حالما ألمح الاحتقان على وجهكِ، وأُرخي قبضتي مرة أخرى... هكذا دواليك في احتكاك لذيذ مع قدميكِ بلغ بي النشوة تدريجيًّا. 

أمضيتُ الوقت سعيداً منتشياً وسط المدعوين، إلى أن اصطدم بي حذاءٌ رجاليٌّ أحمر، دنا منكِ صاحبُه يحيِّيكِ ويتودَّد إليكِ، في حين لكزني هو قائلاً:

"مساء النور أيها الجميل".

لم أستلطِفهُ رغم أناقة شكله، إذ لم يرُقني جلده الطافِح بروائح السجائر والكحول التي لم يفلح دهن التلميع في طمسِها، كما لم يفلح في إخفاء التجاعيد الظاهرة على سطحه، وإذ رآني نافراً منه، أضاف بنبرة وقحة:

"ما بك صديقي؟ أُنظر كم تبدو صاحبتُك مسرورة رفقة صاحبي... هيَّا، اِسترخِ ودعنا نمرح قليلاً".

أغاظني تصريحه. وددتُ لو أُسدِّد له رفسةً لتأديبه لولا وعدي لكِ بحسن التصرف، فكتمتُ غيظي وحاولتُ تجاهله، إنما ما أشعل النيران في قلبي وأخرجني عن صوابي، هو لمَّا سمعتُكِ تضحكين من عليائكِ، وأنتِ تتبادلين الحديث الهامس مع صاحبه، حينها جنَّ جنوني، فأَطبقتُ على قدميكِ ضاغطاً عليهما بأقصى قوتي، وقُبلاتي الحانية لأصابعكِ وباطن قدميكِ تحولت إلى لدغات جعلت وجهكِ يمتقع، وأجبرَتكِ على المغادرة وأنتِ تتأفَّفين، تاركةً صاحب الحذاء الأحمر في حيرة من أمره.

الآن، بعد عودتنا من الحفل، تجلسين على طرف السرير مُمسِكةً بقدميكِ المتورِّمتين، تضعين مرهماً للتخفيف من آثار الكدمات عليهما، وبين الفينة والآخرى، ترفعين رأسكِ وترشُقينني بنظرات نارية، فأحترق وجِلاً، كعباي المرتجفان عاجزان عن حمل جسدي الذي ازداد سوادُه بريقاً مع العرق البارد المتصبب من مسام جلدي، أنحشر في الزاوية حيث قذفتِ بي غاضبةً منذ قليل، متسائلاً عن نوع القصاص الذي ستُنزلين بي بعدما أفسدتُ عليكِ سهرتكِ... اللعنة على ذلك الحذاء الأحمر، كل هذا بسببه. 

أنا أقبل منكِ أقسى العقوبات، بل وأعتى أشكال الإذلال، سيدتي، أنا الذي اقتنيتِني من أرقى المحلات وأعرق الماركات، صُنِعتُ من أجود أنواع الجلود وأفخَرِها، أقف بين يديكِ مستجدياً مستعطفاً. 

ما رأيكِ سيدتي، يمكنكِ نزع كعبيَّ واستعمالي كخُفٍّ بئيس؟

لكن من فضلكِ، لا تبعديني عنكِ، ولا تحرميني من ملامسة قدميكِ الحبيبين.  

وبينما أنا غارق في توسُّلاتي، هأَنتِ تنهضين، وبعصبية، تفتحين الدرج لتُخرجي كيساً بلاستيكيًّا أسود... يا الله، إذن هو الإسكافي وآلة التعذيب الرهيبة!

لكنكِ عكس كل توقعاتي، تفتحين النافذة بعد وضعي في الكيس، وتُلوِّحين بي في الفراغ من الطابق السادس، وأنتِ تصرخين:

"لم أعد أريدك".

ينتفخ الكيس بالهواء، ويطير عالياً باسطاً مِقبَضَيه مثل جناحَين يخفقان، ألتحمُ به ونصير جسداً واحداً، ولا يأتي الصباح حتى نكون قد تحولنا إلى طائر أسود، نحلق في سماء المدينة، وكلما لمحنا حذاءً رجاليًّا أحمر، ذرقنا على صاحبه. 


نعيمة السي أعراب. .


 

[ جدلية التقابل في تاريخ الفلسفة ] 
 
د. امال بوحرب / تونس.

يقول الفيلسوف والمفكر ميشال فوكو (ستظل اللعبة جديرة بالاهتمام طالما أننا لا نعرف كيف تنتهي).
هذه المقولة حقيقة زعزعت أفكاراً وغرست أخرى جديدة، وذلك لأن اللعبة - وهي الحياة بأكملها والغوص فيها وفي ماهيتها - لا تنتهي التجارب فيها وحولها، ولقد أكد ذلك أن موضوع التقابل الفكري في الفلسفة بما مر ولا يزال بانقلابات عديدة، من أهمها قلب ماركس لهيجل، وقلب نيتشه أفلاطون، فطرفا الفريق الأول متقاربان زمنياً، وطرفا الفريق الثاني متباعدان بما يقارب ألفي عام، طبعاً هناك انقلابات فلسفية أخرى لا تقل حدة، كالانقلاب الذي قاده فويرباخ والذي نجده يذوب في الانقلاب الذي قاده ماركس، وكذا الانقلاب الكوكبي الذي أحدثه كوبيرنيف.
أما ‎دوستويفسكي فيقول:
(لا يمكن للمرء أن يتعلم فلسفة جديدة دون أن يدفع الثمن)، وهذا ما فعله ماركس لفكر هيغل، هو قلب للنسق الهيجلي بكامله بمصطلحات ماركسية، إنه قلب للعلاقة بين البنية التحتية والبنية الفقية، أي بين إنتاج الحياة المادية وإنتاج الحياة الفكرية والروحية للمجتمع، قلب للعلاقة بين الواقع والتمثل أو التصور، وضمنه بين الأرض والسماء. فالقشرة الأخلاقية أو الإيديولوجية للمجتمع، إنما هي انعكاس من زوايا ومنظورات مختلفة لبنيته الاقتصادية - الاجتماعية، وليس العكس.
يقول ماركس (إن التغميض الذي تعرض له الديالكتيك على يدي هيجل لا ينفي بتاتاً أن هذا الأخير كان هو أول من عرض الأشكال العامة لحركة الجدل بصورة شاملة وواعية، لكن الجدل يوجد لديه قائماً على رأسه، ويتعين قلبه من أجل اكتشاف النواة العقلانية تحت القشرة الصوفية الغامضة).
أما القلب الثاني الكبير في تاريخ الفلسفة نجده لدى الفيلسوف الألماني نيتشه الذي اعتبر فلسفته بمثابة مطرقة يفتت بها الأوهام والضلالات والمثل، ويعتبر أن فلسفته هي قلب للأفلاطونية، والأفلاطونية حسب نيتشه هي الجذر الفكري للمسيحية بسبب التماثل بينهما من حيث البنية الفكرية مع فوارق قليلة، فالأفلاطونية في هذا المنظور هي رمز لكل فكر يحتقر الحياة والعالم الأرضي ويستوهم عالماً آخر مثالياً، وهذا هو ما يطلق عليه نيتشه النزعة العدمية، بمعنى نزعة إنكار الواقع والأرض والتطلع إلى عالم آخر مثالي وكمالي، لكن لا ضمان لوجوده، فالنيتشوية هي بالضبط نقيض هذا التصور الأفلاطوني لأنها قائمة على تمجيد الحياة وتثمين العالم الواقعي وعلى حب القدر أو المصير، وهذا التصور الجديد للفكر في تاريخ الوجود الفلسفي فعندما قلب ماركس للديالكتيك الهيجلي كان الأساس في توجيهه للعلاقة (المعرفية) بين الواقع والفكر، في حين أن قلب نيتشه للأفلاطونية ذو ملامح ميتافيزيقية أكبر، وهذا الاختلاف أدى إلى ظهور انتماء آخر و هو ما يسمى فلسفة التشكك أو التوجس التي يرجعها البعض إلى ديكارت الذي اعتبر الشك جوهر فعالية الفكر، والبعض الآخر يرجعها إلى فويرباخ الذي دفع بالتشكك إلى حدوده الميتافيزيقية القصوى، بينما ينسبها البعض الآخر إلى ماركس أو نيتشه أو فرويد، وهؤلاء المفكرون الثلاثة الذين أشاد ميشيل فوكو بدورهم الكبير في إحداث تحولات فكرية كبرى في الفكر الأوروبي وبالتالي في الفكر الكوني.
الغريب أن هؤلاء المفكرين لم يقتصروا على إضفاء معنى جديد على الظواهر الإنسانية، بل غيروا طبيعة العلامة ذاتها، وغيروا الطريقة نفسها التي كانت تؤول بها العلامات، وهم الذين أحدثوا ثورة في طريقة فهم وتأويل الظواهر التاريخية والثقافية والنفسية في المجتمع عبر تأويلها تأويلاً إرجاعياً أو اختزالياً لا عبر تأويل تضخيمي بتعبير الفيلسوف بول ريكور، وهذا التأويل الإرجاعي الذي قام به هؤلاء الفلاسفة يمت بقرابة فكرية قوية مع فكرة القلب أو الانقلاب لأنه يرجع الظواهر الاجتماعية والأخلاقية والنفسية إلى جذورها وأسسها التحتية الإنتاجية،
ولكن هل يصح القول مع هذه الانقلابات الجديرة بالدراسة القول بأن المعرفة هي المساحة الوحيدة لحرية الوجود؟
 
د. آمال بوحرب.
تونس.

[ سلمى براهمة تكتب: الذات، الزمن، والطبيعة في رواية شعيب حليفي "خط الزناتي" ]


 

[ سلمى براهمة تكتب:
 
الذات، الزمن، والطبيعة في رواية شعيب حليفي "خط الزناتي" ] 
 
Selma Brahma
تمهيد:
لعل أهم ما يستوقفنا في آخر أعمال شعيب حليفي الروائية "خط الزناتي" (الصادر سنة 2023 عن منشورات السرديات) هو التوظيف اللافت و"المثير" للبيئة الطبيعية بشكل عام بأغلب مكوناتها، من أرض وسماء وتراب وشجر وحجر وطير وحشرات، وللحيوان بصفة خاصة بخصائصه الواقعية، وبدلالاته الرمزية وتوظيفاته المجازية. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل هو توظيف فرضه فضاء الأحداث، (البادية في يوم انتهاء موسم الحصاد، وليلة الاحتفال باستكمال هذه المهمة) ويأتي في إطار التوظيف الفني الجمالي (الجزئي والمحدود) وهذا سبق لشعيب حليفي أن قام به، حين وظف الحمار في روايته "مجازفات البيزنطي" ليسخر من الواقع وادعاءات حكومة التناوب الديموقراطي وينتقد شعارات المصالحة التي رفعت في المغرب في العقد الأخير من القرن العشرين)؟ أو يأتي في إطار التوظيفات الخارقة والعجيبة والفانطاستيكية، والتي يطرح من خلالها الروائي عموما أسئلة الواقع وأسئلة الوجود الإنساني في ظل المجتمعات الحديثة، وهذا يتزايد وروده في الأعمال الروائية المغربية، إما استلهاما للمسخ الكافكاوي، أو ل"الحمار الذهبي" للوكيوس أبوليوس؟ أم يتعلق الأمر بتجل من تجليات الوعي البيئي في الأدب، والذي يتزايد الحديث عنه في الآونة الأخيرة من قبل النقد الأدبي الإيكولوجي، ونكون بذلك أمام نص بيئي، مدرك لأهمية البيئة، لذلك يتغيا خلخلة المركزية البشرية، ويدعو سرديا لتعايش الإنسان والحيوان، وكل المكونات البيئية، وللتحقق الأدبي لما يعتبره بعض نقاد هذا الاتجاه "أنسنة الحيوان وبيئئة الإنسان"؟
إن قراءة متأنية لرواية "خط الزناتي"، تجعلنا نفترض أننا إزاء استراتيجية (متكاملة) يتم فيها توظيف الطبيعة خاصة الحيوان إلى جانب تقنيات وآليات فنية أخرى كاللعب، والسخرية، وتعدد السراد، والتكثيف اللغوي والترميز، وتعدد الخطابات، وكل ذلك للتعبير عن رؤية عميقة للذات والوجود والزمن "الذي ليس إلا الوجه الآخر للكون"، رؤية تعبر عن حاجة الإنسان لسبر غور ذاته، وللإنصات والتأمل في كل ما يحيط به، لبلوغ نوع من السمو الوجداني والروحي، ودرجة من الارتقاء بالأنا للحلول في كون تتعايش كل مكوناته وتتفاعل، و"يتكلم لغة واحدة". وهذه الرؤية لا بد أن يكون الوعي بالبيئة أحد أركانها لأنها تلح في النهاية على حقيقتين اثنتين: الحقيقة الأولى هي أن الإنسان/ الفرد ليس إلا جزءا من هذا الكون الفسيح بأرضه وسمائه ونباته وأغراسه وحيواناته. والحقيقة الثانية هي أن الزمن سرُّ الأسرار، لا الإنسان ولا الكائنات الأخرى الحية بقادرة على رد سطوته. ولهذا سيكون الزمن، والطبيعة/البيئة، والذات ثلاثة مفاتيح أساسية لأية قراءة ممكنة.
الزمن تيمة روائية
يكاد لا يخلو عنوان من عناوين الفصول العشرة التي تنقسم إليها الرواية، أو العناوين الداخلية الكثيرة في النص من معجمي الزمن والطبيعة: (الفراشة والفجر-الثعلب والراعي-ساعة العصر.. تختلط الأزمنة كلها! -هوهات هوهات ياسوسو-من قال إن الليل قطعةٌ واحدة-زلة الليل-في الليل لا ينام النهار-مجامر الليل لا تنام-في الفجر تهبط الكناوية إلى السماء). كما يصر المؤلف في الصفحة الأولى، وتحت عنوان "كائنات الرواية" على جرد هذه الكائنات والتعريف بها باقتضاب شديد، وسيورد تحت هذا المسمى الزمن، والمؤلف، والشخصيات الآدمية، والحيوان، والطير، والجماد. وهذا إنما يؤكد على مركزية هذين المكونين، بل يجعلنا نجزم أن الزمن تيمة روائية محورية في "خط الزناتي"، ستدور في فلكها التيمات أخرى.
ولذا سنجد أن الرواية تُفتتح وتُختتم بالحديث عن الزمن، وإذا كان زمن القصة لا يتعدى اليوم الواحد، فإن الأحداث في الفصل الأول تنطلق مع اللحظات الأولى للفجر، وتنتهي في الفصل الأخير بظهور الخيوط الأولى لفجر آخر، مما يشير إلى أن زمن الخطاب كان متعاقبا والأحداث متسلسلة متتابعة خطية رغم الاسترجاعات الزمنية الخارجية الكثيرة، والتي كانت ضرورية للتعريف بالشخصيات التي ستدخل مشهدي إنهاء الحصاد والاحتفال. والمثير أن خطية الزمن هذه وسطوتَه وغموضَه وأسرارَه، ستكون موضوع حوارات وتأملات وأسئلة تطرحها شخصيات الرواية البشرية وغير البشرية، وتسائل معها وضع الإنسان "العالق" داخل تعاقب وتناوب ودوران الليل والنهار، القمر والشمس، الموت والحياة، النور والظلام، النوم واليقظة، الماضي والحاضر، ... ولذلك ربما سيقتنع موسى الزناتي أن "يوما واحدا يكفي للحياة"، وتكون هذه آخرَ جملة يكتبها على التراب ونفسه "يغمرها اطمئنان لامحدود"، وتكون آخرَ جملة يختم بها الروائي روايته، مما يجعلنا نقول إن تحديد يوم واحد زمنا لأحداث هذه الرواية هو اختيار له دلالته، وأبعاده الفكرية والوجدانية، ويؤكد ما افترضناه في البداية أي أننا أمام رؤية خاصة للزمن. وهنا لابد من التذكير بأن كل ما سبق سيترتب عنه من جهة هيمنة الزمن النفسي، ومن جهة ثانية سيكثف حضور البيئة من خلال التأملات في الليل والنهار، الشمس والغروب، والسماء والنجوم. كما تجدر الإشارة إلى أن تلازم حضور الزمن وكائنات البيئة سيسهم في تشكل المعنى وتعدده واتضاح الرؤية، فحضور الفجر والفراشة معا في بداية ونهاية النص يجعل دلالات التحول والبعث والولادة والطمأنينة تنتصر على إيحاءات الدائرية والتكرار والانغلاق.
الحيوان كليم موسى الزناتي
رغم أن النقد البيئي وكغيره من نقود ما بعد الحداثة لا يمدنا بخطوات منهجية دقيقة أو بشبكات للتحليل، كما عودتنا المناهج السابقة خاصة البنيوية، إضافة إلى كونه لازال جديدا طارئا، في النقد الأدبي الغربي والعربي، ولكن من خلال الدراسات القليلة التي اطلعت عليها يبدو أن نص حليفي يتوفر على الكثير من المحطات التي يراها هذا النقد تعبيرا عن وعي بالبيئة، وبأهميتها، ووعيا بالمخاطر التي تتهددها، ويكون الفاعلَ الرئيسيَّ فيها هو الإنسانُ وحضارتُه وتقدمُه. ومن هذه المحطات:
- اختيار البادية فضاء رئيسا للأحداث، (هناك من يختار الحديث عن البيئة من خلال أدب المدن الفاسدة أو الشريرة أو ما يسمى بالديسْوتوبيا Dystopia) واختار التمثيل الإيجابي للبادية من خلال تصويرها عالما مثاليا متناغما كان الملاذ الأخير، و"المساحة الهادئة" التي اختار موسى الزناتي العيش فيها بعد قراره الابتعاد عن "مصارعة القدر"، إنها فضاء الهوية، والانتماء الأول (وربما الانتماء الحقيقي؟ بينما انتماءات أخرى تظل وهمية)، لذلك كانت العودة إليه هي عودة للجذور، للأصل. وهي فضاء الطفولة والبراءة والأمان بوجود الأب (قبل الإحساس باليتم الذي سيلازم موسى الزناتي بوفاة الوالدين) فحيثما كان يولي موسى نظراتِه في أرجاء الخلاء الفسيح كان يرى "الطفل الذي كانه". كما أنها فضاءٌ لتجسيد كل القيم الإيجابية ومنها الوفاء للعائلة وللأسلاف، للجد القريب، والجد الأبعد (عبد الله الزناتي، المغربي الذي عاش في نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر ميلادي، صاحب مخطوطة "الفصل في أصول علم الرمل")
- العلاقة الوجدانية والتفاعل الاستثنائي بين موسى الزناتي وجل الكائنات غير البشرية، خاصة الحيوان، فموسى الزناتي بعد استرجاعه لفدان العنب وإصلاحه واستقراره بالبادية وبعد اكتشافه عقمَه "تغيرت نظرته إلى الحيوانات فكان يعاملها كأنها من صلبه بعدما فتح لها ضيعتَه، يراقبها ويهتم بها دون أن يتدخل في طبيعتها وشكلِ عيشها... وفي كل الأماكن مواضعُ للماء والزرع للطيور.. عناصر يعتبرها جزءا جوهريا من حياته ومن سلالته الباقية"
- تفاعل يبلغ منتهاه وقمتَه حين تصل الرواية إلى ما أشرنا إليه أعلاه من "أنسنة البيئة وبيئئة الإنسان"، وحين تمنح للكائنات غير البشرية صفات إنسانية، يحكي موسى: "خرجت من البيت... إلى الخلاء أفرش شوقي الساخن للهواء وقد بات خفيفا وحنونا، أجوب الفدان.. خلفي سوسو صامتة ومطمئنة. وقفت طويلا عند دوالي العنب التي تتشابك أوراقها وتتدلى عناقيدها وهي تنمو حالمة، تهفو إلى السواد التام... ومن بعيد كان صوت الحمام قد ردد شجنا ولطائف وودا وعتابا... جبوح النحل صامتة في نومها العسلي...". في مقابل هذا الصفاء والانشراح كثيرا ما ذرفت عينا سوسو دموعا ساخنة تأثرا وتعاطفا مع موقف إنساني حزين يعيشه الزناتي أو الشخصيات الآدمية الأخرى.
وبموازاة هذا "السلوك الإنساني" للكائنات غير البشرية، ستستعير الكائنات البشرية (الراعي، على المسكينى...) "لغة وسلوك الحيوان" (هوهوة، وعوعوة الكلاب، نهيق الحمار، وحركاتهما) لإطلاق صرخات خلال الرقص والغناء والتحرر من نيران ماض مليئ بالانكسارات، وجروح الحياة وغدر الأهل والأقارب، وربما في ذلك تعبيرٌ عن عجز الإنسان عن إيجاد لغة تعبر عن الانفعالات المختلفة للطبيعة البشرية (والتي قد يتقاطع فيها مع باقي كائنات الكون)
- الوعي بالتحولات الجسيمة التي تطال الفضاءات الطبيعية خاصة القرى، وتؤثر سلبا على علاقة الإنسان ببيئته بكل مكوناتها، ويتضح ذلك في حالة الرعاة بالبادية والذين شغلهم الراديو ثم الهواتف الذكية عن عالم كان مليئا بالخبرات والمعارف والمتع المرتبطة بالحيوان ومختلف الكائنات، يقول السارد: "فقد الرعاة، ممن مستهم ريح قربهم من المدينة، كلابهم وأغانيهم ولعبَهم وصبرَهم. كذلك ضيعت الدواوير، التي تطل على المدينة، روحها البدوية، وتحولت إلى بؤر معقدة، وملاجئ بلا هوية فاقدة أي انتماء، إلا من اخشوشن وأدرك التحولات بعقل فطن" الذات الساعية لترميم انكساراتهايتمظهر حضور الذات فنيا في رواية "خط الزناتي" من خلال تقنيات تيار الوعي، وأقصد هنا الحكي بضمير المتكلم، استبطان الذات، المونولوغات والتذكر والبوح والاعتراف، فنكون بذلك أمام:
- ذات في حاجة لتأمل ذاتها، للعودة لدواخلها من أجل النظر في أعماقها، ولقاء جوهرها، وما حضور البئر والمرآة، والخَلوة، وحتى الحيوان في هذا النص إلا لتعميق هذه الدلالة، فكلام الكلبة سوسو لم يكن في لحظات عديدة إلا الصوت الداخلي لموسى الزناتي، والنظر في المرآة لملاقاة الطفل "الذي كانه"، لم يكن إلا حفرا في أعماق هذه الذات، وبحثا عن جوهرها. وحتى اختيار موسى في فترة من العمر العودة إلى البادية، بعد أن أدرك "أن مصارعةَ القدر لعنةٌ لا ينقطع أذاها"، كان للقاء الذات والابتعاد بها عن كل ما يفرغها من حقيقتها، يقول موسى الزناتي: "كلما شعرت بضيق واختلاط المشاعر في نفسي، أمعنت في حركة النجوم بالحساب والنظر، فأتوضأ وأنزل البئر... فأقضي ثلاث ساعات أو أربع، بعينين مغمضتين، مانعا نفسي من التفكير في أي شيء... ساعات من تفريغ الذهن والنفس من كل ما علق بهما، وأخفى جوهرهما"
- ذات تطرح أسئلة الزمن بثنائياته المتضادة والإشكالية، والوجود الإنساني وتعقيداته، والطبيعة البشرية وشوائبها، دون أن تنتظر إجابات، لذلك جاءت الأسئلة في شكل تأملات وتوقعات وأحلام وتطلعات (ماذا لو؟) كما أنها كانت بصيغ عامة وشمولية أكثر منها مرتبطة بواقع محدد، وهذا ما جعل هذه الذات تتعالى وتتسامى على الخصوصية والاختلافات والاعتبارات الضيقة (الحفل يشارك فيه الراعي إلى جانب مالك الأرض، المتعلم وغير المتعلم، المقيم والعابر، الصاحب وغيره ...)، ورغم وجود إشارات للجفاف وغلاء الأسعار ومعضلات الهجرة، وبقايا معارك (أو ما رشح من هذه المعارك) إلا أن الواقع والمجتمع وقضاياه، وما يرتبط بها من شعارات سياسية وخطابات إيديولوجية تكاد تغيب، في هذه الرواية، أو تتوارى لتترك مساحات لذوات ترك الزمن أثر جبروته عليها، هي ذوات تسعى إلى "ترميم انكساراتها"، ولا يستطيع إلا فضاء مثل فضاء البادية، وخلاء مثل فدان العنب، أن يحتضنها جميعَها ويضمد جراحها ونقصانها وانكساراتها، ويحتضن لحظات وجدانية وروحية يخلقها جو الرقص، وغناء شعبي، تمتزج فيه الابتهالات إلى الله بالتغزل في المحبوبة، وتحتفي كلماته بالحياة تماما كما تذكّر بالموت.
 
 سلمى براهمة
المغرب 

[ الخضر الورياشي يقرأ "أگدالوكس" ليوسف توفيق ]

[ الخضر الورياشي يقرأ "أگدالوكس" ليوسف توفيق ]
 
من قرية صغيرة في المغرب العميق، خرج السيد "كمال جبرون"، وذهب إلى مدينة مغربية تسمى أگدال.. ومن لا يعرف أگدال؟!.. مدينة مشهورة عند المغاربة، وربما عند الأجانب أيضاً. وشهرتها تستمدها من عوامل كثيرة، وعناصر مختلفة، طبيعية.. عمرانية.. بشرية.. مادية.. أخلاقية... ومشهورة كذلك بقصص لا تنتهي، ف (هناك قصة جديدة مع مطلع كل شمس، في كل عمارة، وفي كل شقة. في كل سرير، وكل وادي. وعلى قمة كل جبل، أو حتى في سفحه. قصص كثيرة متشابهة وغير متشابهة).
والسيد "كمال جبرون" أديب في أعماقه، وقارئ جيد للأدب العالمي، وبخاصة الروايات.. وصاحب مزاج أقرب إلى الفكاهة والسخرية، وضرب الدنيا بالرجلين، يتحدى الملل في واقعه الشخصي، وفي مكان عمله، وتطيش به الأفكار والتصورات كما تطيش به "طائشتاه"!! (ما هاتان الطائشتان؟ اقرأوا الرواية).
ولأنه كذلك فقد عكف على رسم عالم أگدال، وناس أگدال، بألوان بانورامية، لكنها ألوان من السرد خلال فصول داخل جنس أدبي سماه رواية، هي توليفة من مستحضرات الواقع وتوابل الخيال ونكهة السيرة الذاتية بميزان دقيق، مستخدما أدوات الفن. فقدم لنا وجبة دسمة من نص روائي طعمه شهي لا يثقل على المعدة، وإن كان يثقل على الطائشتين أحيانا (ههههههههه).
أكثر ما وصف لنا السجن وأصحابه وحراسه ومديره ونزلاءه من الأگدالوكسيين! وهؤلاء الأخيرون شخصيات مهما كانت روائية فهي موجودة في الواقع. يصادفها من يصادفها، ونقرأ أخبارها العجيبة في الجرائد والمواقع الالكترونية.
ثم حدثنا عن سكان العمارة التي حرص على أن يحصل على شقة فيها. وحين استقر فيها وطد علاقة مع بواب العمارة، اسمه "الروبيو"، ليكون مصدر معلومات، وراوي أسرار سكان العمارة وأهل الحي أجمعين، ثم كي يقضي له أغراضه الشخصية.
و"كمال" نفسه يتمتع بقوة الملاحظة ونجاعة الاستقراء، وذكاء فطري يعينه على أن يربط بين الحوادث والأمور، ولا تنطلي عليه حيل المحتالين، ولا كيد النساء، ولا خبث الرجال، ولا تخفى عليه ما وراء الهمسات واللفتات ومشاوير الليل والنهار من دواهي وسواهي... أليس يعاشر أصحاب السجن؟!.. ومن عاشر هؤلاء اكتسب خبرة في الحياة كبيرة، ومعرفة واسعة بأحوال الناس وطقوسهم!
إنه كيس فطن، ولو كان مسقط رأسه زايو، تلك القرية المجهولة المنسية، ويعرف عن الدائرين به أشياء كثيرة، وإن كانت علاقته بالجميع محدودة جدا. (بل لم تكن هناك علاقة أصلا. نشارك المصعد والسانديك وباب الدخول والخروج).
قلت ما إن استقر بالحي حتى فكر (في تأليف كتاب جديد عنوانه "أگدال سجن الطبقة المتوسطة")!
عندما قرأت هذه العبارة تساءلت:
من الذي كتب هذه الرواية؟ الروائي الأصلي "يوسف توفيق"، أم السارد "كمال جبرون"؟!
أثناء قراءة الرواية كان يلتبس علي الأمر، وأقول: هو صديقي يوسف.. ثم أتراجع عن قولي هذا، وأقول: لا.. هو كمال الذي أنشأه يوسف إنشاء!!
وأفكر قليلا، وأقول:
كلاهما اشتغل في مصلحة السجون.
كلاهما خرج من زايو وعاش في أگدال.
كلاهما قرأ روايات كثيرة، واطلع على دواوين الشعراء، وحكايات التراث العربي، وأمثال المغاربة، وموسيقى الشرق والغرب، ورقص الإفرنج والرگادة!
كلاهما ينتقد الحياة والدين والدنيا، ويسخر من المظاهر الكاذبة، ويتهكم على النساء المتجملات، والشيوخ المتصابين، واللصوص المتنفذين، وحظ النفس المنيل في ستين نيلة!
كلاهما يكمل الآخر.
كلاهما أمتعنا برواية تخلط بين الحياة وبين الأدب والفن، وتمزج بين الرشد وبين الجنون، وتطيش بنا طيشا جميلا.
 
الخضر الورياشي.
المغرب.

[ قراءة انطباعية في رواية العودة من الشمال لفؤاد القسوس ] بقلم د. كايد الركيبات.


 

[ قراءة انطباعية في رواية العودة من الشمال لفؤاد القسوس ]
بقلم د. كايد الركيبات.
رواية العودة من الشمال للراحل فؤاد القسوس، من منشورات وزارة الثقافة الأردنية، صدرت طبعتها الأولى عام 1977، فازت عام إصدارها بجائزة الدولة التقديرية، ترجمها كاتبها القسوس إلى اللغة الإنجليزية، ثم قامت وزارة الثقافة بإعادة طباعتها عام 2004، وطبعتها مرة ثالثة ضمن مشروع القراءة للجميع مكتبة الأسرة الأردنية عام 2008، وهي الطبعة التي وقعت تحت يدي إعارة من مكتبة عبدالحميد شومان، تقع الرواية في 228 صفحة من القطع المتوسط.
تحاكي سردية الرواية قصة الحياة الاجتماعية وظروف المعيشة القاسية في قرية ريفية من قرى الكرك جنوب الأردن، مثلت أحداث الرواية مرحلة العقد الثالث من القرن العشرين (ص: 202)، وقد صور القسوس في الروايه مشاهد عامة للبيوت الطينية وتقسيماتها وملاحقها، ووصف زقاقها وطريقها الوحيدة، بإيجاز يعكس بساطتها وبدائيتها، إلى جانب هذا الوصف أسهب الراوي في الحديث عن صور متعددة مثلت العادات والتقاليد والعقيدة الإيمانية السليقية لمجتمع بسيط الطموح قنوع حد الكفاف لمتطلباته المعيشية، اقتصاده الهش قائم على الزراعة وتربية الأغنام بطريقة بدائية ترتبط بما تجود به السماء من مطر، فإن احتبس مطرها هلك الزرع والضرع.
مجتمع القرية وفقاً للقسوس مجتمع منغمس بالجهل وانعدام الثقافة لانغلاقه على نفسه، جاء ذلك على لسان "سلطان" ابن القرية الوحيد الذي كان متعلماً، والذي هجر القرية ليلتحق بمدرسة السلط المدرسة الأشهر في شرق الأردن حينها، والملهم الأول لإبراهيم ــ وهو بطل الرواية ــ يقول الكاتب: "حزني أنكم لا تدركون حاجتكم إلى العلم والمعرفة.. متى ينقطع الحبل السري الذي يغذيكم من طرف والملتصق طرفه الآخر برحم الجاهلية.. كم تبدون سعداء بجهلكم وما أشقاني" (ص: 219).
في سياق مؤثر آخر جعل القسوس من الزواج مدخلاً للانفتاح على البيئة الخارجية عن القرية من خلال توظيفه لقصة زواج الأخت الصغرى لوالد بطل الرواية من "سلامة"، تاجر شاب يسكن المدينة القريبة منهم، فامتازت زيجتها عن زيجات شقيقاتها الأربع الأُخرى اللواتي تزوجن من بني عمومتهن وبقين في القرية، وكان لهذا النسيب الجديد الفضل في توسيع مدارك شخصية عم بطل الرواية "عواد"، ومشاركته لصهره سلامة في العمل التجاري، الأمر الذي تطور ليقوم "عواد" فيما بعد بالتخلي عن هذه الشراكة وممارستها منفردا؛ لما كسبه من خبرة في التعامل مع تجار المدينة، وسفرياته المتعددة للشام، ليكن هذا المدخل الذكي الذي ابتدعه كاتب الرواية جوهر البناء الموضوعي لفكرة الرواية.
اصطحب عواد في آخر سفراته إلى الشام "إبراهيم" ابن أخيه، في هذه الزيارة شاهد إبراهيم مدينة دمشق، ونهر بردى، وشاهد الجنود الفرنسيين الذين كانت لهم السطوة في الشام والبلاد السورية عموماً، وتعرف على "ياسين" صديق عمه عواد الذي كان لكلماته كبير الأثر في نفسه، قال إبراهيم عن الفرنسيين: "إذن فهم أعداء لكم"، فقال ياسين: "أعداء للعرب جميعاً.. ألست مثلنا عربياً.. كل محتل عدو حتى تخرجه من أرضك" (ص: 188)، "غلبونا وتسلطوا علينا.. وقسموا بلادنا إلى دويلات.." (ص: 190)، "كان إبراهيم مشدوهاً.. حديث ياسين يدخل قلبه ويستقر في أعماقه على الرغم من عدم وضوح أبعاده ومعناه...همنا اليوم الاستقلال..." (ص: 191). التفت ياسين نحو إبراهيم قائلاً: هل تذهب إلى المدرسة؟ فوجئ بالسؤال فسكت حائراً: قال عمه: لا. التفت ياسين نحوه قائلاً بشيء من الحدة: ...أتود زيادة الجهال واحداً... إن بقينا هكذا فلن يخرج العلج من بلادنا... سواعد هؤلاء هي التي ستطرد الغزاة" (ص: 190)، "ما الذي يحتاجه الإنسان ليعيش حياة كريمة في وطنه... الكرامة والحرية... وما دام الأجنبي في بلادنا يحكمنا فنحن لسنا أحراراً ولا كرامة لنا" (ص: 191)، "وتزود إبراهيم بأول أنشودة يعلمها لرفاقه.. وبأول قصة شاهد أحداثها يرويها لهم.." (ص: 194)، "بلاد العرب أوطاني*** من الشام لبغدان" (ص: 193).
هذه الاقتباسات من الرواية مثلت شعلة الوعي التي شحذ بها الكاتب شخصية بطل الرواية، وكانت النواة التي سيؤدي انشطارها وتراكم المعارف عليها إلى خلق شخصية جديدة للفتى إبراهيم، وستجعل عودته من الشام إلى قريته النائية جنوب البلاد لحظة فارقة في حياته، وقلباً تاماً لصورة الحياة الريفية المتخفية خلف الجهل والانعزالية عن العالم، وستولد شعاعاً من نور مادته وزاده العلم والوعي السياسي، والمشاركة في الهم القومي العربي.
تنتهي أحداث الرواية بتصوير مشهد للفتى إبراهيم الذي أصبح يرتاد المدرسة في المدينة القريبة من قريته، يسير على قدميه في ذهابه وإيابه فرحاً بما وصل إليه من تدرج بالمراحل الدراسية، وتملأ السعادة قلبه لأنه تميز عن زملائه في المدرسة بزيارة الشام، ومن وحي زيارة إبراهيم للشام وعودته منها إلى قريته الجنوبية أخذت الرواية اسمها (العودة من الشمال) في رمزية للتغير الجوهري في الفكر والتوجه الذي أكسبته الزيارة لشخصية إبراهيم الذي يمثل الوعي المتغير للأفضل.

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...