الأربعاء، 13 أكتوبر 2021

دراجة أبي / حنين ذكريات / الأديب الشاعر والقاص والمسرحي الأستاذ محمد علي عفارة / سوريا.


 * دراجة أبي *
 حنين ذكريات.
                      M-Ali Afara 

تغتالنا ضفائر الحنين بعبقها، فنغدو نزلاء لصور تدثرت بأحضان الماضي.
حين تتجمد في ذاكرتنا لحظات الزمن المنساب نحو الأفق البعيد، لا يعود لنا ملاذ إلا ظلالها. 
قطارنا المحمل. بصفحاتنا الزمنية عبر بنا ثم غفا على ضفاف عفرتها جدائل الجوري بطعم الفرح.
يدرك أبي تماماً المسافة الشاسعة التي تفصل بين دراجته القديمة الآلية الملقبة ب (أم الغرة) ودراجة ولده حمدي الحديثة ذات اللونين الأسود والكحلي متداخلين مع خطين أحدهما عسلي
 والأخر سماوي، والتي اسمها يشابه اسم أختي الوسطى مع أداة النداء (يا مها).
الفرق بين الاثنتين كبير جداً، فسرعة الأولى، التي كنا نلقبها بأم الديناصورات، كانت كسلحفاة بين شتلات الخرنوب.
أما الجديدة فكانت كالسهم، كالشهاب حين يعبر فضاءات السماء، وهي مدللة كلَّ الدلال، فالاقتراب منها كان ضرباً من ضروب المخاطرة، فالمقترب من مضاربها ربما تلحق به موجة من الشتم، ويتبعها أخي بقذيفةٍ من كندرة أو فردة قبقاب.  
أما "أم الغرة" فكان بيننا وبينها صحبة طويلة ومساحات للود، ولا مشكلة إن اقتربنا منها أو ركبنا على ظهرها، فهي من حملت همومنا بصمت دون تذمر أو تأفف، كانت تحملنا إلى مدارسنا أيام البرد والحر، وتصحبنا في مشاورينا إلى الغابة التي تحتضن الكتف الغربي لمدينتنا... أفراد العائلة كلهم يتذكرون جيداً حين ارتفعت درجة حرارة أخي الصغير ذات ليلة زارتها القذائف والصواريخ مشطت كلّ الأحياء. 
سيارات الإسعاف كانت منشغلة، ولا راداً لاستغاثة أو طلب نجدة، وحدها "أم الغرة" كانت على عهد الوفاء. 
على عجل  تم نقل أخي إلى المشفى، وأنقذ من حمى التهاب القشرة المغلفة للدماغ
 السحايا والتي غالباً ما تكون نتائجها كارثية كفقدان السمع أو النطق، أو الكثير من القدرات العقلية (الجنون)، لكن ما بال البشر يركنون للجديد ويتعففون من القديم.
فناء دارنا كان يحتضن الكثير من لقاءاتنا الجماعية، وفي كلَّ مرة كنا نلتقي لا نترك فرصة من فرص غياب والدي إلا وركبنا صهوات اغتيابه ورحنا نتقاذف الأسئلة عن سر تمسكه بأم الغرة ذات اللون الزيتي المخضرم، والتي سكنها التعب ولم تعد كما كانت في ريعان شبابها؟
قال أحمد ذات، مرة بعد أن ارتسمت على وجهه علامات السخرية والمزح، هي تذكره بالأيام الخوالي حين كان يضع أمكم وراءه ويذهبان إلى دوار المنشية لتناول صحنين من البوظة الشهية، وبعدها يطوفان الكورنيش عدّة مرات، يا جماعة والله أيام الرومانسية لا تنسى، ولها في القلب مكان، ومن ثمّ يغط في موجة من الضحك. 
أما أختنا الكبرى خلود، وبعد أن عدلت نظاراتها، راحت تشرح لنا الأمر فلسفياً على أنّه أعمق بكثير مما نعتقد أو نظن، فهي حالة مرتبطة بالإحساس الوجداني للفرد والمناخات العاطفية التي تربط الإنسان بالأشياء، وما ينشأ من حالة ود بينهما، يصعب جداً تمزيق هذه العلاقة، وضربت لنا مثل جارنا رمزي. 
أنتم تعلمون جيداً أن جارنا كان يربي عصفوراً كنارياً جذري اللون، كأنه فرد من أفراد العائلة، وكانت بينهما علاقة وجدانية أدهشت الجميع، حين توفي جارنا قبيل الفجر بقليل وجدوا أن الطائر هو أيضاً فارق الحياة مع خيوط الشمس الأولى.
هزّت رأسها مها بإعجاب وأتبعت: تصوروا يا جماعة بأن صديقتي هيام قالت لي إن جدها جاءته أزمة القلبية على أثرها فارق الحياة بعد يومين من نزوله المشفى حين تيقن بأن أولاده باعوا الجرار الفرسان الأحمر.
أما والدتي فكانت تقتنص أغلب الفرص للانقضاض على والدي والهجوم على ضرتها أم الغرة، فصوتها المجلجل ما زال يتردد صداه في أذاننا: خذ هذه الكركوبة من بيتي، وأرم بها على أقرب مكب للخردوات، انظر، ألا ترى أنها تحتل مكاناً كبيراً في غرفة المؤونة، ألا ترى الستائر العنكبوتية التي تلفها من أولها لآخرها... وبعد هذه الرشقات الكلامية من والدتي كان والدي يطلق تنهدات تملؤها الزفرات والأثنين، ثم يلتقط لفافة تبغ من النوع طويل القامة يشعلها بعود ثقاب، ثم يرمي به إلى أحد أصص النباتات التي تزين فناء الدار، بعدها يترك إشارات الحزن ويودع المكان. 
كانت والدتنا تمني النفس أن تسطر انتصاراً ولو وهمياً، كانت تلحق به وتعاود الرشق:
— يا سلام على هذا الحل، اشعل سيجارته ومضى، ثمّ تركني التظى بنيران الغيظ.  تعال، عد إلى هنا وخلصني منها.
يلتفت والدي نصف التفاتة، بعدها يضم لفافة تبغه بين أصابعه ويشير بسبابته لأمي: تذكري جيداً قول الأولين (يلي مالو قديم مالو جديد). 
كبركان هائج، والغضب يفور من خلية من خلاياها، كانت ترد عليه:
أنا أم البنين والبنات تقارنني بتلك الملعونة؟ يا حيف على العشرة، أنا التي أفنيت عمري وأمضيت حياتي كلها خدمةً لك ولأولاك، ولكن ماذا أفعل، هذا حظي التعس، سامحنا يا ربي. 
ثم تقفل عائدةً إلى المطبخ، وغالباً ما تكون النهاية تحطم صحن زجاجي، أو زعيق طنجرة هوت من أحد الرفوف لتقبل وجه الأرض، وهذه جولة من جولات لم تسجل فيها أي تقدم على التخلص من ضرتها. 
في صباح يوم نيساني، الشمس راحت تقبل الحائط الغربي لفناء الدارة، وريقات الدالية تتراقص ترنماً بوشوشات الدوري ونسمات الصباح.
استيقظ أهل البيت على صوت همهمات وحشرجات عميقة، زغرودة انطلقت من فم أمي. بطول نهر العاصي حين لاح لنا جسد والدي وهو يجر وليفته أم الغرة إلى الخارج.
ثم أتبعتها بتنهدة وقالت: 
الحمد لله، جبل وانزاح عن صدري، لك الحمد يا ربي سمعت دعائي. الفتت نحونا ووجهها الباسم قالت:
اليوم أنا عازمتكم على مثلجات عند المنشية.
قال حمدي: مثلجات فقط؟ ألا ترين أن الحالة تتطلب أكثر من ذلك؟
ضربته أمي على كتفه ضربة خفيفة وقالت:
لا تكن طماعاً يا ولد.
لم يذرف أحد الدمع حين رأوها تغادر باب البيت، هي لحظات وتربعت على الرصيف أمام الباب، دار والدي حولها عدة دروات، جلس القرفصاء قالتها، أشعل لفافة تبغ، ومن وراء دخانها الكثيف راح يتأملها بعمق شديد وكأنه يراها للمرة الأولى.
رمى الثلث الأخير من لفافة تبغه، وهب مسرعاً إلى داخل البيت ثمّ عاد، كان يحمل بيده دلواً من الماء وإسفنجة وصابوناً، همس مبتسماً: ما رأيك بحمام يبعد عن كاهلك تعب وعناء السنين العجاف، ستعودين مثل الفرس الأصيلة، ستكونين كحمامة بيضاء.
 كان يرد تحيات الجيران الذين مروا به دون اكتراث لأنه منهمك ومنشغل جداً لدرجة الاستغراق الكامل في حالته. 
حبات العرق كانت تتزاحم على جبينه كحبات اللؤلؤ. 
صبّ الماء عليها بعد الصابون، وراح يلتقط الماء بمنشفة رمادية اللون، وأخيرا انتهى... ها هي ذي بكامل أناقتها.
كنا نحن أولاده نتبادل السؤال: ما الهدف من هذه العملية، وما النتيجة المرجوة منها؟
هناك من قال إنها استعداد للبيع، فمن غير المعقول أن يبيعها والغبار يسكنها، هكذا تصبح أكثر جاذبية ويكون سعرها جيداً. 
رأي أخر قال: قلبي يحدثني أنه بعد الحمام سيعيدها إلى مكانها، وكأن أفعى لدغتها، صرخت أمي: لا وألف لا، لن أسمح بدخولها البيت ثانية، والله ثم والله إن أراد إعادتها سأغادر لبيت أهلي، وليحدث ما يحدث، خلاص طفح الكيل بي.    
عاد ليتأملها بإعجاب شديد، منسوب الأمل بأعلى مستوياته يأخذه بحيويته ليعيد صديقته للحياة مرة أخرى، و بذلك يدفنون أيام المواجع والفرقة إلى الأبد.
لكن لحظات الفرح والسعادة سرعان ما تذروها الرياح إلى عوالم الغيب، وتلقي بها إلى بحور لا قرار لها.
حاول تشغيلها، لكنها لم تستجب، رمى بكل توسلاته أمام الأنبياء والصالحين، لكن كل ذلك لم يجعلها تقتنع بالدوران، بيديه المرتجفتين سحب خاصرتها، علبة بلاستيكية شفافة، اقتلعها، دق بها على كفه ثم نفخ بها، ثمّ أعادها إلى مكانها، تفقد البنزين فوجده وافراً، لا أحد يستطيع أن يخمن مقدار الفرحة التي اجتاحته حين سمع صوت دوران محركها الذي كان يشبه صوت الجاروشة... راحت عيون الجيران تستطلع مصدر الصوت، كانت ترمقه بنظرات الانزعاج وعدم الارتياح.
ليذهبوا إلى الجحيم في خاطرهم، المهم أن صديقته عادت للحياة، وتنتصب أمامه كصبية في يوم العيد... كبهلوانٍ امتطى صهوات المغامرة واندفع ليسابق الريح.
نسمات الهواء ملأت جوارحه بالنشوة، تترك لذاكرته أن تتقح أبواها ونوافذها حنيناَ لأيام الماضي حين كان أطفاله يركبون أمامه، وخلفه، وهم يصرخون ويغنون: أسرع أكثر  كان النسيم يداعب ضفائر شعرهم الحريري.
راحت مركبته تشق الزمن، وتقضي على كلِّ تلال الحرمان.
في آخر الشارع ولدت حفرة عميقة لصيانة أنابيب المياه، فتح الفارس عينه، ارتبك، طلب المساعدة من الفرامل، لكن للأسف كانوا بعيدين عن رد لهفته.
لحظة بلمح البصر غاب العاشقان في غياهب هاوية لا مستقر لها.
التأم الجيران، حاولوا إخراجهما من تحت التراب المتهدم من رطوبة المياه المتخلخلة به.
كلُّ محاولاتنا لإخراجهما باءت بالفشل، وكأن أبي وصديقته تعاهدا على الرحيل معاً.
جلست على الرصيف، أسندت جسدي إلى شجرة الكينوا، وراحت كلمات أختي تنقر ذاكرتي و ثنايا مخيلتي، نعم هناك أشياء لا يمكن تصديقها، خصوصاً العلاقات التي يكون منبعها الوجدان الإنساني.
التم عدد آخر من الجيران، جاءت سيارات الإسعاف والإنقاذ، ولكن حضورهم كان متأخراً لسنين عديدة.

محمد علي اعفارة. 
سوريا.


أختلس فرحة / قصيدة نثرية / الشاعر رحال الإدريسي / المغرب.



أختلس فرحة

من عمق الظل

ثناياك سلام من جرح

اختلس نظرة

من جفن متعب

أعياه السهاد

دمعتك خير مهاد

و الفرحة المسروقة

شعاع من بعاد

يعكس الوميض

في قلب و الموجات حب

كشمس باردة 

و الطيف منتظر 

سراب شمس 

تخترق غابات الثلج 

و الجبال مرايا تعكس الشعاع

أختلس نسماتك 

من ريح عابرة

أعياها طول الطريق

أعياها الالتواء 

نعم... أنا المختلس 

لسنوات من عمرك

نعم... أنا الباكي 

و هاته الحرقة من شمعك

كم تضيئين زوايا قلبي

و كم أغيب بين طياته

و كم أجوب أزقته متسكعا 

لعلي ألقاك... 

أتحسس دروب عطرك

بين الفجج 

أتحسس رعشات نبضك

بين المهج

مختلس أنا طيفك

مختلس أنا طرفك الخفي

لا تظلمي نظراتي

و قد باح الصمت

لا تظلمي جفنا مطبقا

لم يقاوم 

و لا صبرا أبديا

لم يساوم

على صفائح دم رسل

و على بوابة قلب تصل

تنبض كل ذكرى 

ترسم كل حلم انفلت

في حضرة القبض

في حضرة البسط

لا تظلمي زمنا

ينتظر عقارب رسمك

على خرائط قلب أحبك

لا تظلمي قلبا

خاط دقائق الزمن دما

نفث الأنفاس 

ليعانق روحك

و هذا حبر يمزق الدفق

لملامسة رهفك

لملامسة قلبك

فاكتبيني بالحب قصيدة


الإدريسي رحال.

المغرب.

الجمعة، 8 أكتوبر 2021

ثلاثية الحرف والبعث / شعر عبد السلام مصباح / المغرب.


* ثلاثيـــــة الحــــرف والبعــــث *


شعـــــر:

عبـد الســلام مصبــاح. 


1-

أَحِبَّائِي

أَعودُ الْيَومَ لِلْحَرْفِ

وَفي الْكَفِّ

تَدِبُّ الرُّوحُ ثَانِيةً

وَتَسْري دونَ ثَوْبٍ.

تَقْرأُ الْعُشْبَ

الْعَصافِيـرَ

الْفَرَاشاتِ

السَّـلاَمَ...

تُوَزِّعُ الْبُشْرَي عَلَى الْفُقَرَاءِ

وَالْمَنْبوذِينَ

وَالْغَجَرِ...

عَلَى الْمُشْتاقِ لِلنُّورِ وَالْعِنَبِ

وَتوغِلُ

باعِثَةً فِي الْمِغْـزَلِ الْمُتَجَمِّدِ

الدِّفْءَ

وَفي الْكَلِماتِ

في الأَلْحَانِ

في الَّلوْنِ

وَفي جُرْحِ الشَّبابيكِ

تفاجئ سُنْبُلاَتٍ يابِسَـاتٍ

نَوْرَسَ الْماءَيْنِ

أَبْرَاجَ الشَّحارِيرِ

وَيَفْتَحُ لِلْقَصيدَةِ

دَوْرَةَ الْحُلمِ.


2-

 أَحِبَّائي

أَعودُ الْيـوِمَ لِلْحَرْفِ

عَلى شَفَتِي

مَواوِيلُ الرِّمالِ

الأَطْلَسِ

الرِّيفِ...

أَناشِيدُ مِنَ النّيلِ

مَنَ الأُوراسِ

مِنْ بَرَدَى

وَمِنْ دِجْلَةَ،

وَمِنْ قَلْبي

صَلاَةُ الْحُبِّ تَنْبَثِقُ

وَتَسْري تَحْتَ قُمْصانِ النَّخيلِ

التِّينِ

وَالزَّيْتونِ

وَالْعِنَبِ

وَتَسْرِي فِي خَلاَيا الْقشِّ

نَبْضاً أَخْضَـرَ

في الْوَرْدَةِ الْحَمْرَا

فَضَاءَ الْحُلمِ

وَالْعِشْقِ

وَفِي السُّحْبِ

مَناراتٍ

تُلاَمِسُ رَعْشَةَ الإِبْحَارٍ

في صَدْرِ التَّماثِيلِ

وَتَسْري زَخَّةً

ما بَيْنَ حَرْفِ الْحَاءِ وَالْبَاءِ

تَمُدُّ جذُرَها فِينَا

لِتَبْدَأَ ثَوْرَةُ الْبُسَطاءِ

في الْمَلَكوتِ

كَالْوَمْضِ

وَتورِقُ قَطْرَةُ الضَّوْءِ

وَتَسْري فَرْحَةً قُزَحِيَّةً

بَيْنَ الْعِناقِ الْغَضِّ

في صَدْرِ الْمَواعِيدِ

وَفي قَمْحِ الْعَصافِيرِ،

وَتَسْرِي صَرْخَةً لِلْحُبِّ

وَالْبَعْثِ.


3-

أَحِبَّائي

أَعودُ الْيَوِمَ لِلْحَرْفِ

وَلِلْبَوْحِ.

أَعودُ

تُحيطُنِي نَفَحاتُ زَهْرِ الْبُرْتُقالِ

قَرَنْفَلُ الْفَجْرِ

وَفاكِهَةُ الصَّباحاتِ

يُبارِكُني صُعودُ الَّلحْظَةِ الْحُبْلَى

إِلَى الأَعْلى

إِلَى حَيْثُ النَّهارِ

يلْقِحُ الْحَجـرَ

وَيَضْرِبُ مَوْعِدًا لِلشِّعْـر

وَالْخِصـبِ،

وَكَوْكَبَةُ السَّواقي

توقِظُ الْعِشْقَ

وَتَنِطَلِقُ،

تُسَطِّرُ في جُذورِ الَّليْلِ

في الصَّمْتِ الْمُريبِ

وَفي خَلاَيا الأَرْضِ

وَفي رَحِمِ الْعَناقيدِ

فُصولَ الرَّعْشَةِ الْكُبْرى.


عبد السلام مصباح.

المغرب.


الثلاثاء، 5 أكتوبر 2021

أخيراً سنلتقي / مسرحية مونو دراما / الأديب والمسرحي الأستاذ جبار آل خديدان القريشي / العراق.

. مسرحية مونودراما.
             = أخيراً سنلتقي = 
الأديب والمسرحي الأستاذ جبار آل خديدان القريشي.
العراق.
            الكاتب جبار ال خديدان
= النص المسرحي =

* الخطاب المسرحي *
(المسرح عبارة عن زنزانة قذرة، نافذة بقضبان حديدية، ملابس وحقائب أغراض معلقة بفوضوية على مسامير مثبتة على حائط منقوش عليه كتابات وأسماء أشخاص وصور قلوب نبتت بها سهام وعيون باكية، نقالة ملقاة جانبا عليها آثار دماء متيبسة، سوطان معلقان قرب النافذة يتدليان، نهايتاهما تلامسان النقالة).
* الفعل المسرحي *
(المسرح غاطس في قرارة ظلام مطبق، بقعة ضوء تظهر لنا جسداً شبه عاري، مسجى على نقالة، تغطيه بقايا ملابس ممزقة ومدماة من كل أنحائها، كأنه خارج لتوه من جوف حريق هائل. 
يتحرك الجسد ببطء، يتحامل على نفسه ليجلس بمصاحبة موسيقى وإيقاعات تصدرها مؤثرات صوتية، يكثر الرمش، ثم يفتح عينيه بصعوبة، يتفحص بانزعاج واضح ووجه مقطب وعبوس جسدَه المدمّى وآثار التعذيب الواضحة عليه، يتألم وهو يلمس جراحه، يتأمل الأشياء من حوله، يبدو عليه وكأنه يعاني بين لحظة وأخرى من نغزات ألم مفاجئة، كمن يتعرض لصعقات كهربائية متعاقبة. 
فجأة يمسك بطنه ويشد وجهه، كأن نوبة مغص داهمته، يلقي نظرة اشمئزاز إلى مكان التبول المكشوف داخل الزنزانة والذي يسمى (عنقرة) في مصطلح السجون.
يمشي نحوها ماسكاً بطنه، محني الظهر، يرفع قدماً وينزل أخرى بحذر تحاشياً لأن لا تصطدم بأحد السجناء الغاطسين في جوف الظلام، والنائمين معه في الزنزانة.
عند العنقرة يقف، كأنه يفتح حبل سرواله، ثم يجلس مقرفصاً، مع حرصه على عدم إحداث أي حركة من شأنها أن توقظ أحدهم وهو في هذه الحال. 
بعدها يقف ويعيد ربط حبل سرواله، ويردد هازئاً وبصوت خفيض، وهو يبتعد عن مكان التبول):
ـــ إنها حقاً مسخرة... النوم جنب العنقرة مسخرةٌ... مسخرة... مسخرة.
(يقول ممتعظاً):
ـــ كم هو مؤلم ومؤسف جداً أن يتجرد الإنسان من حيائه تحت القهر والإكراه فيضطر لكشف عورته أمام أنظار من هم حوله.
(ينظر الى ما حوله كأنه يتأمل باقي السجناء وهم يغطون في نوم عميق، يهز رأسه بمرارة):
ـــ كم مرة تمنيت الموت على ألا أُتعرض لموقف كهذا، وأنا من تربى على قيم الحياء والمروءة، تمالكت نفسي مراراً قابضاً على أمعائي كمن يقبض على جمر، منتظراً إلى حين يخلد الجميع إلى النوم، غير أني أضطر أحياناً وعرق الحياء يتصبب من كل أنحائي، فالأمر خارج عن إرادتي.
كثيراً ما أجبر نفسي على الصوم عن الطعام والشراب من أجل ألا أتعرض لمثل هذا الموقف المهين، خصوصاً عندما يكون الجميع في حالة صحو.
حتى إنني أشعر بالجوع والخواء.
(يفتش حقيبته المعلقة على الجدار):
ـــ منذ البارحة لم تدخل معدتي لقمة طعام واحدة، إنها فارغة إلا من عصاراتها، لا أدري كيف داهمني المغص. 
بالأمس تكرموا علينا بكسرة خبز يابسة وحساء باهت، 
لتبدأ كالعادة بعدها بدقائق حفلة تعذيب صباحية.
(بوجع عميق ونغمة تعكس حالة الألم التي يعاني منها):
ـــ حفلة تعذيب مروعة، ليتكم لا ترونها، إنها موجعة بحق... جولات تعذيب نفسية وجسدية لا يمكن لمخلوق أن يتحملها، لقد عشنا فصولها المروعة، وعندما تروضت أجسادنا ودب فيها الخدر لم نعد نشعر بلسعات سياطهم، حتى ظنوا أن ذلك تحدياً منا لهم... جن جنونهم، وأصدر كبيرهم أوامره بحرماننا من وجبات الطعام بقية اليوم.
(يقترب من الأسماء المنقوشة على الحائط، يتأملها لبعض الوقت، ثم يلتفت فجأة كأن شعوراً بالثورة على الواقع المأساوي الذي يعيشونه سرى في جميع أوصاله، فراح يخاطب رفاقه السجناء الذين ما زالوا يغطون في نوم عميق بلهجة القائد الذي يخاطب جمهوره):
كفاكم غثياناً، انهضوا من سباتكم، وحطموا أسوار خوفكم، كفاكم ذلاً وخنوعاً، أما تحرك الدم في عروقكم؟! إلى متى وأنتم مذعنون راكعون؟! امتشقوا سيوف عزائمكم، وانتصروا لكراماتكم المهتوكة، اقتلعوا أبواب عجزكم وترددكم، واكتحلوا بنور الله المحبوس عنكم منذ أمد خارج زنازينكم المتوشحة بالظلام ليل نهار. هل استمرأتم الهوان فطمع بكم جلادوكم؟ كفى... كفى.
(ينفجر باكيا كالمفجوع كأن موجة حزن قد تدفقت داخل مجسات إحساسه، فراح يصفع بكف مسدودة وجه الحائط وتلك الأسماء المنقوشة على صفحته): 
ـــ رباه... أعذابٌ قبل عذاب؟! أم حسابٌ قبل حساب؟! 
من أجل ماذا؟ ومن أجل من؟ 
ما الذي اقترفناه لنلقى جثثاً متعفنة ونحن أحياء على قارعة الإهمال في أتون طوامير نتنة صممت أن لا تدخلها شمس، ولا يغازلها تيار هواء.
(يركع بتذلل، وهو غاطس في دموع أحزانه، يتأمل حاله بعد لحظات صمت، ثم ينفجر بالعويل وكأنه يرثي نفسه):
ـــ منذ متى وأنا محشور ككبش مقهور في أحشاء هذا القبو الموبوء بالغصة والاختناق.
ألا من فرجٍ بعد شدة، وسعةٍ بعد ضيق؟! 
(يتأمل الندب والجراح على جسده، يرغي بصوت محزون):
ـــ ويحي على مساحة جسدي المثخن بالجراح، والمرصع بالندب والنياشين، رقصت أسواط الجلادين الوقحة. 
كم مرة شربوا نخب نشوتهم وتبادلوا كؤوس التشفي وهم يتابعون بتلذذ وإفراط فصول تعذيبنا الوحشية بدم بارد، وسادية فاقت الوصف. 
(يعود فيتأمل الأسماء المنقوشة على الحائط، كأنه يقرأ ما تحتها بأسى ومرارة، يهتف وهو يضرب كفا بكف):
أيباااه!، حسين موحان!،
راهب الحب الموجوع!، أيها الحالم الباسم بين يدي جلاده، نم قرير العين ودعنا نصارع أيامنا بأيادي مكبلة بالعجز والخواء وسط زنزانات اليأس والإحباط. 
(تلوح على وجهه ابتسامة كأنه تذكر شيئاً ما):
ـــ أتذكر حين كنا نمازحك؟ بعد كل فصل تعذيب، ونحاول أن نتناسى آلامنا بآلامنا، فنبدأ بعد أضلاعك وعظامك الناتئة، ونقارنها بعدد الجراح التي لحقت بك، 
وكنتُ حينها أعلن بصوتي وأنت ممدد على النقالة، وآثار السياط بائنة للعيان على كامل جسدك، وبعضها ما زال ينز دماً من خلال بقايا ملابسك المتهرئة، ورغم ذلك كنا نكابر ولا ننحني للجراح مهما تعاظمت. 
(يضحك):
ـــ كنت أصيح مازحاً وأنا أرتقي ظهر أحدهم كأننا في سوق للمزاد.
من يشتري؟... من يشتري؟...  من يشتري كومة عظام نخرة محشوة في جلد ضب.
وكنا نضحك، وكنت أنت تضحك معنا رغم ما بك وبنا من جراح.
(يعاود صوته يعزف نغمة المرارة والألم):
ـــ استعجلت الرحيل؟... ماذا لو تمهلت قليلاُ أيها الراهب المغدور حتى يأتي ذاك الذي كنت تبشرنا بمقدمه حين تقول:
لا تقنطوا... سيأتي يوماً بطلته البهية ليحررنا من حياة العبودية والرق، إلى حيث الحرية والانعتاق. ألست أنت من كان يقول...؟ انتظروه... سيأتي محملاً بالبشائر، وسيضمنا بأحضانه، ويحملنا بلا خطايا ولا أحزان، ليطلقنا فراشات حالمة في رحاب الجنان بعد أن نغتسل بماء الحياة، أما كنت تقول ذلك؟ ماذا... لو تمهلت قليلاً... ماذا... ماذا.
(يتصاعد نشيج بكائه وهو يضرب رأسه بالحائط تعبيراً عن الألم والحزن الذي يعتريه... يدور في المسرح للحظات كأنه يهيم على وجهه... ثم يعاود الابتسام ليقول):
ـــ وتلك التي كنت تلهج باسمها ليل نهار، ترى... كيف هي الآن؟ وماذا حل بها بعدك؟ أذكر أن آخر شهقاتك أنك هتفت باسمها في الوقت الذي كانوا يطلبون منك أن تعلن البراءة منها أمام الملأ، غير أنك كنت عنيداً غير مبالٍ بهم وأنت تردد نزاريتك التي كنت تلقيها على مسامعنا كل صباح وعلى مدى سنوات القهر التي أمضيتها بيننا في جوف هذه الزنزانة الخانقة "أتُحبّني بعد الذي كانا... إني أُحبّكِ رغم ما كانا"... كنت ترددها، بينما السياط تنزل كاللعنات على جسدك المستعر، وعندما يئسوا من ليِّ إرادتك، لجؤوا إلى آخر الدواء).
(يعود المسرح غارقاً في الظلمة، مؤثرات صوتية لصرير باب يفتح فجأة، يصاحبه إيقاع قرع طبول يتعالى، بقعة ضوء تظهره متكوراً في زاوية أخرى، وعلى وجهه وكامل هيأته ملامح فزع بما يوحي أن السجان، أو (قابض الأرواح) كما ينعته السجناء، جاء ربما لينفذ الحكم به، غير أن صرير إغلاق الباب بعد لحظات أعاد له بعض هدوئه فوقف وسحب نفساً عميقاً:
ـــ (اللعنة! هنا يموت المرء يومياً ألف مرة... عودنا قابض الأرواح هذا بوجهه العبوس أن يأتي بين الحين والحين كالموت، دون سابق إنذار في الهزيع الأخير من الليل بينما الجميع نيام بعد جولة تعذيب دسمة، فيقتاد مِن بيننا ممن تسقط ورقته، ويحل أجله، كما يقتاد الذئب فريسته من بين القطيع، حتى إنه لا يعطينا فرصة لتوديعه، وكنت قد ظننت أنني من حل أجله هذه المرة... ولا أخفيكم، فإن للموت رهبة).
(يتحسر من أعماقه، ثم يعود فيتأمل الأسماء المكتوبة على الحائط، ويقرأ ما تحتها من عبارات وهو يهز رأسه... يهتف):
ـــ أها... جبر! وما أدراكم ما جبر؟ جبر الطفل الذي مات ولم يشبع من حنان أمه... كان يقول دائماً، لو أفنيت عمري جاثياً عند قدميها، ما رددت لها بعضاً من دَينها في عنقي.
(يهز يده هازئاً):
ـــ وهل منا من له القدرة على وفائها!؟ إنها الأم يا سادة... مسكين، أذكر أنه في المرة الأخيرة عندما جاءت لزيارته، وقد أبلغوه بموعد إعدامه، طلب أن ينام على فخذها حين كنا جميعاً في الباحة الخارجية، وراح ينعي نفسه بصوت موجوع تتقطع لأناته القلوب... كان يقول نعياً  "يمه راسي وجعني گومي شديه... شد الغريبة مانفع بيه" فاحتضنته أمه كما لو كان طفلاً صغيراً، وقد فاضت دموعها قبل أن تفيض روحها أمام أنظار الجميع وهي تؤدي مرثيتها الخالدة (وبصوت تصدع له الحجر قبل القلوب) "دلليلول يا لولد يابني... دلليلول... عدوك عليل وساكن الچول"... كان مشهداً مؤثراً لا يمكن نسيانه، أبكى كل من كان هناك حتى ذلك الرجل البدين قابض الأرواح، والذي كنا نظنه بلا قلب أصلاً).
(يتعالى صوته نعياً) "دلليلول... يالولد يا ابني... دليلول... عدوك عليل وساكن الچول"... ظل يرثيها كل يوم بمرثيته التي حفظناها عن ظهر قلب ("يمه... راسي وجعني گومي شديه... شد الغريبة ما نفع بيه"... وكنا نواسيه في عزائه. كان كل يوم يقيم مأتماً لروحها وكنا نشاركه وكأن كل منا كان يعزي نفسه...  مات جبر... وجدناه ميتاُ على وسادته، ممسكاً بِعصِابَةِ أمه التي كان يحتفظ بها طيلة سنوات اعتقاله، يشمها كل حين، كان يردد دائماً قبل موته عبارة "جبر... من بطن أمه للگبر... مات جبر... قبل موعد إعدامه بأيام، كأنه خفف عن إدارة السجن أعباء طقوس وإجراءات متعبة ومملة... كانت جريمته أنهم أمسكوا به على الحدود وهو يحاول أن يهرب بجلده مما يعانيه من مضايقاتهم... وهكذا كانت نهاية جبر الطفل الذي لم يشبع من حضن أمه).
(يتأمل اسماً آخر من تلك الأسماء المنقوشة على الحائط... يهتف):
ـــ آآآ... رمضان... أيها النافر من ظله، المتعلق دوماً بأستار الصمت، الخائف من هول المجهول، ذاك الذي بات حقيقة... ترى ما سر تلك الابتسامة التي توهجت على محياك؟ حين حملوك على ظهر نقالة الشؤم من جوف زنزانتك الانفرادية التي نقلوك إليها بعد أن عجزوا عن ليِ ذراعك... أكان الموت لذيذاً للحد الذي فجر في سواقي روحك النقية بريق سعادة حين لامسها وهي تنازع سكراته؟ أم إنك التقيته دوننا قبل أن تغمض عينيك، ونحن أمضينا أعمارنا نحلم بلقائه، ذاك الذي طال انتظاره، فأسر لك ببشارة توهجت على إثرها أسارير نفسك، وأثلجت صدرك؟ لا أدري... نم قرير العين... هنيئا لك، فلا شيء وراءك يستحق أن تحزن عليه... نم قرير العين، فنحن بك لا محالة لاحقون.
(كأنه يتابع قراءة باقي الأسماء بوجع وتأسٍ):
ـــ وأنت... وأنتم... يامن تحلق أرواحكم حمائم بيضاً في رحاب الجنان، هنيئاً لكم هذا الذي أنتم فيه، فلقد تخلصتم من حرها وبردها، وتركتمونا نقارع أحزاننا... كم أنا مشتاق للحاق بكم، وكأن الأيام قد تباطأت، وصار الموعد بعيداً.
(يتحرك صوب السياط المعلقة على الحائط، يتناول واحداً منها، يجلد به الفراغ، يحدث صوتاً مقززاً، يرتعد هلعاً):
ـــ يا إلهي... كم أكره هذا السوط الملعون، وكم أكره صوته، كأنه مصنوع من جلد الشيطان، إن له وقعاً على نفسي حين أسمع صليله وكأنه يجتاحني كالزلزال الماحق... وهذه العقد المتوزعة على طوله أشعر وكأنها نار تخترق نصالها جدار جسدي المستعر تحت التعذيب... وكم من مرة أغمي علي من الهلع حين يلوح بها جلادي متوعداً بنزع جلدي.
(يتأمل السوط، ويقول):
ـــ إنهم أناس بلا رحمة.
(ينتزع السوط الثاني بيده الأخرى، ويلوح بالسوطين معاً، يشعر بالفزع، كأن ذلك أيقظ في ذاكرته فصول مشهد مروع):
ـــ يا للهول... ما هذا؟ إنه أمر مرعب أن يحضر كبيرهم ليتابع بنفسه حفلات الترويع، فالأمر عند ذاك يصبح مختلفاً تماما، إذ ينزل عتاة الجلادين وقد خلعوا عنهم ملابسهم وقبلها رحمتهم وإنسانيتهم، كل ينزل ملوحاً بكرباجه، فنسمع لها أزيزاً كأنها سيوف باطشة، تحدث أصواتاً لها وقع خطى الموت تنزع الأرواح من الأجساد، بينما نحن عراة مقيدون، وقد ربطت أيادينا وأرجلنا للخلف، نرتجف هلعاً على بلاط صالة الرعب الساخنة كأنها سطح فرن، يلوذ بعضنا ببعض، ويحتمي بعضنا ببعض، ومع صافرة البدء التي يطلقها كبيرهم تبدأ جولة الترويع، فتنهال سياط الحقد والتشفي على أجسادنا العارية تلهب ظهورنا، فتتطاير منها نوافير دمائنا لترسم لوحة للمأساة والألم على جدران صالة التعذيب يعجز عن رسمها أمهر الفنانين، ولن تتوقف جولة الترويع تلك حتى لو مات جميعنا ما لم يطلق كبيرهم صافرة النهاية، عند ذاك، وبعد أن يغادر جلادونا، تبدأ مرحلة لعق الجراح من قبلنا، وتُعزَف سمفونيات الأنين التي تطلقها أوتار حناجرنا المحزونة لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من التعذيب النفسي والجسدي، إذ يدخل عدد من الجلادين بهيئة ملائكة رحمة، فيذرون الملح على جراحنا النازفة، ومن ثم يغسلونها بسائل أحمر حارق له وقع ربما أكثر ألماً من لسعات السياط، بعدها يغادرون فيقتادنا آخرون إلى زنازيننا بالتقاطر، أي أحدنا يمسك بلباس الأخر ويقتفي أثره منحنياً، وعيوننا مشدودة بخرق من قماش أسود، لتفتح داخل الزنزانة، تتبعها أوامر مشددة بعدم الكلام ولو همساً فيما بيننا.
(يبكي بصوت مكلوم وبنبرة مغمسة بالوجع) 
ـــ وكم هو قاسٍ على الأنسان أن يُمنع من أن يُطلق حتى كلمة آه... يواسي بها نفسه المفجوعة (ينفث حسرة يكاد يحترق بلهيبها) وآهٍ ألف آه على شباب ضاع هدراً في جوف المطامير، وخلف قضبان الزنازين الكئيبة.
(يعم الظلام أرجاء المسرح من جديد، ويحل شيء من السكون للحظات، في تلك الاثناء يَصُر الباب بقوة، تتبعه جلبة وأصوات أقدام تمزق السكون تصدرها مؤثرات صوتية، صوت نعي شجي ينسكب من حنجرة نسائية يتدفق شلال الحزن من نبراتها كنسائم حنين جارفة تأخذ بالألباب والأسماع... تعاود بقعة الضوء لتظهره لنا وكأنه متكور في إحدى الزاويا، ويبدو أنه يستعد لشيء ما... يمشي نحو حقيبة ملابسه المعلقة على الحائط، ينزلها، يفرش ما فيها من أغراض، يلتقط من بينها بدلة بيضاء، يتأملها وهو ينظر ما حوله... ثم يقوم بلبسها، بعد ذلك يدور في المسرح، ويبدو وكأنه غير مباليا وهو يتأمل البدلة، يمشي لكل الاتجاهات، فجأة ويجثو على ركبتيه في منتصف المسرح... ويبدو عليه الحزن والانكسار... ويقول بصوت مكلوم):
ـــ ليس عندي أم ترثيني، ولا أب تترقرق الدموع في عينيه لفقدي، ولا أخت تشق جيبها من أجلي، ولا أخ يحمل نعشي على أكتافه، ولا خالة ولا عمة... كأنني مقطوع من شجرة، فقد رحلوا جميعا.
(وبينما هو يكفكف دموعه تلوح على ثغره ابتسامة مفاجئة... ينظر إلى رفاقه الذين ما زالوا نياماً كأنه يودعهم بنظراته... يتفحص بنظراته كل الأشياء من حوله... يقول):
ـــ أخيراً سنلتقي... ربما هي ليلتي الأخيرة بينكم.
(ستار).

جبار آل خديدان القريشي.
العراق.


الأحد، 3 أكتوبر 2021

قراءة نقدية في قصيدة "سلام" للشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب / الناقد المغربي الأستاذ عبد اللطيف بنصغير.


نقد:

قراءك نقدية لقصيدة "سلام" للشاعر المغربي الأستاذ عبد الرحمن بوطيب.

الناقد المغربي الأستاذ عبد اللطيف بنصغير.


أردت أن أتناول بالدراسة اليوم شاعراً من رواد الشعر العربي الحديث في المغرب وفي الوطن العربي، شاعر مثقف من أعلى طراز، دارس للأدب والعلوم الإنسانية بعمق، درس اللغة العربية بإتقان كبير، هو ينثرها بعمق ووضوح وأستاذية مبهرة، بعشق، بعمق، بوضوح، كما لوأنه هو واللغة يعيشان في تساكن حالة حب أبدى، ثم هو شاعر رهيف جداً، متأثر بالواقع والكون، هو شاعر يميل عموماً في قصائده إلى الوضوح الجميل الفتان المريح، هو لا يتعب القارئ بتلك المتون المعقدة، ولكن هو ينشد الوضوح في تواصله، مع الولوج أحياناً إلى الرمز والأسطورة أو الميثولوجيا، وبذلك فهو شاعر كبير متمكن، وصل إلى درجة الريادة، فقصائده نموذجية مبنى ومعنى، صالحة لكل المقاربات النقدية الأكاديمية، هو غير مستعص على الفهم، إلا أنه اختار نوعاً من القراء دارسين مثقفين بما فيه الكفاية ليتواصلوا معه، ثم لا يجب أن نغفل حبه لبلده مسقط رأسه المغرب، فهو عاشق للمغرب عشقاً متجذراً في ثنايا روحه، ثم هو ابن قرى المغرب وجباله وأنهاره، يعشق سماءه وروابيه وتاريخه، هو مغربي حقيقة، ثم هو شاعر لا يتملكه الحزن إلا ليضعه في طريق الأمل، رغم أنه يظهر أحياناً بعض الألم العميق، إلا أنه يميل إلى التطلع لمستقبل أفضل.

دعونا نتأمل قصيدة هذا الأستاذ المعلم في اتنظار عيد ماهو بعيد.


(سلام.

"ليلة عيد ميلاد...

هي السبعون أقبلت".

قصيدة نثرية حداثية. 


هذي السبعون منك بك اليوم غداً أقبلت

أمس الآن منك حروف أدبرت

         ما الحروف

         ما الزفرات

         ما السطور

   ما تلك منك انزياحات 

ما الأحلام كانت ما تحققت    

                ولو في خيالات

وترتمي في حضن جب حب

              تحرق المسافات

  تحرقك). 


الشاعر يحتفل بعيد ميلاده السبعين في قصيدته هذه. (السبعون منك بك اليوم غداً أقبلت).

الشاعر وصل إلى عتبة السبعين، بدأ يشيخ، أصبح شيخاً والشيخ يكون تأريخاً لبلده، هو يحمل الكثير من الأحداث التي جرت وتجري، من اجتماعية وسياسية واقتصادية، وظواهر سوسيولوجية، ونكبات وأعياد وأحزان وجوائح... إذاً فالشاعر مرجع بلده، ومرجع مثقف يحمل وعياً، يحمل فكراَ يحمل رأياً: 

(منك بك اليوم غداً)... 

طبعاً هو أثر، وتأثر بالزمن اليوم، وبما سيأتي غداً، هو فعل وفعل فيه: (أقبلت أمس الآن)، هو ممتد في التاريخ منذ ولادته إلى الآن: (منك حروف أدبرت)، فما مضى كتب وأصبح جاهزاً للقراءة: (ما الحروف / ما الفرات / ما السطور...)، بدأنا نتلمس شاعرية الشاعر، تفاعله باللغة ومعها، هو يطرح أسئلة ويدخل بنا في موضوع القصيدة: (ما الفرات) هي آهات تأوهات: (ما السطور ما اللغة / ما تلك منك انزيحات)، الانزياح في اللغة هو قول شيء وإرادة قول شيء آخر، وأحيل القارئ لدراسة الانزياح على "جان كوهن" فقد كتب كتاباً فيه عنوانه إن لم تخني الذاكرة "بنية اللغة الشعرية" والانزياح ليس متاحاً لكل الشعراء، هو مغلق على بعضهم فقط: (ما الأحلام كانت ما تحققت ولو في خيالات)، أحلام الشاعر لم تتحقق، ولو في خياله، إنه التوثر الذي ستولد القصيدة من رحمه: (وترتمي في حضن جب حب تحرق المسافات تحرقك)، تلك الأحلام ارتمت في حضن جب، وهو جب حب وليس كراهية، كما هو مذكور في سورة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، وهو شبه بئر، وهذه إحالة من الشاعر على هاته السورة الكريمة.

وتبدأ المعاناة حينما يقول الشاعر: (تحرق المسافات)، فخيبة الأمل امتدت سنين طويلة حتى أحرقت الأمل،  وهو لما قال: (تحرقك)، لم يستعمل أداة تشبيه، وبذلك يصبح التشبيه بليغاً، فكما لو أن الشاعر تعرض للحرق، وهي صورة مؤلمة.

ودراسة الصورة في نصوص هذا الشاعر الكبير ممكنة، فهو يعطي الدارس مساحات فكرية غنية، مثلاً يمكن أن نقوم بدراسة الصورة الشعرية في نصوص الشاعر "عبد الرحمان بوطيب":

(وذا السفين يغازل منك السر الدفين

           ما ترتوي دنان

ما يركب البحرَ سطحُ قمر   

                 أحمر). 

صورة شعرية مركبة من خيال الشاعر، تعبر عن حالة نفسية شعرية... سفن تغازل سراَ دفيناً، ما ترتوي تشبع من شرب دنان آنية كان يوضع فيها الخمر، ما يركب البحر سطح قمر أحمر... تراكيب لغوية تحيل على صور شعرية، إغراق في انزياحات لغوية عميقة جداً تحيل على حالة من التيه والتأمل المتد في ثنايا الوجود: 

    (كان لك

ما ترقص فينوس في خوابيك

               والقصيدة

   وتلك روما رمادُ عنقاء

         يمامةٌ زرقاء

        وخلف الغاب غاب

ما فتحت منه الزرقاء اليمامة بعضَ أبواب

             أياتي الغياب

 أترحل تترك الصحاب

              قف). 

ثم يدخل بنا الشاعر في عوالم الميثلوجيا، وهو علم قائم بداته... فينوس /  روما / رماد عنقاء / يمامة زرقاء:

    (تمهل

    هذي الحروف ما هي لك

    إن هي إلا لوطن ورضيع

    رضيعٍ يشوي ظهر صقيع

قد جاء في أخبار الأولين الذاهبين في معارج الذهاب

      ها سندبادكم قد عاد

       لا البغلة معه تحبل بسربروس يعانق أنياب "رع"     

              وشعاع

يمشي على أرض ما كان يوماً معها في أعالي سماء

     "بوسيدون" هو ثائر

ومن "غرب متوسط" رذاذ

      "مايا" كسرت نايات

 "باخوس" فقد وتينَ رغاف

وهذا الشاعر بين نعاج ضعاف). 

سندبادكم / سربروس / رع / بوسيدون / مايا / باخوس /... هذه كلها مصطلحات توجد في الميثولوجيا كما قلت، يجب الرجوع إليها في هذا العلم وربطها بدلالة القصيدة، وهو ما أتركه لدراسة أكاديمية أكثر عمقاً:

(يسافر

                 في جبة شيخ

  يعلو صدرَ أطلس وعذاب

  تتهادى من صحائفه سطور    

            عذروات

    وألوان عذابات

  وفي القلب رعشة قديمة

       قُبلة كانت قِبلة بليلة

  أهداها وردة حمراء

رعشتُه الشقراء ولدت له منه   

           درعةَ

           سبو

           أمَّ الربيع

           بردى

           النيلَ

           دجلةَ

           وذاك البهيَّ الفرات 

وما الشابل عاش في حضنك    

        يا

                وطني

      رحل إلى جب قصيد

  وذا شاعركم نفسَه يعيد

      يحلم لكم بفجر وليد

هيهات

             هيهات

                         هيهات 

أنّى للجنين من سطورٍ على خدود الكواعب تميد

          قالت العرافة

   قرأها الفنجان من شاعر   

                وخرافة

    هو اليومَ ديوانُ عيد

    زحافاتٌ

    عللٌ

    أسبابٌ

    أوتاد تروح).


عبد اللطيف بنصغير.

             Abdelatif Bensghir 

المغرب.


زفرة الوجود / قصيدة نثر حداثية / الشاعرة ناهد بدران / سوريا.


* زفرةُ الوجود *

قصيدة نثر حداثية


على مسارحِ السّماء

ظلٌّ واحدٌ نمّقهُ ديموزي

من وجعِ عشتارَ حين انطفأتْ نجمةُ الصّباح 


ذاكَ أنينُ جلجامش 

ووعودٌ قفزتْ في بركةِ القلب  

تغرقُ النّبضَ المبلّلَ بالحنين

تدحرجُ الصّمتُ الثّقيلُ

على مشارفِ النّبوءة


بأمرِ أوتو حُرثتْ باحةُ الشّمس

أورقتْ ملامحُ الغدران 

خلسةً بين أهدابها والرّؤى

انسكبَ شَعرها شلّالاً ضفرتهُ

الرّيحُ بشرائطَ من لحاءِ ديمة 


صرخَ كيوبيد بسهمهِ المدبّب

جرحَ ساقَ العلّيقِ فانفلقَ أريساً

يرتّلُ آياتِ العطر


مسحَ أنكي تضاريسَ الوجود

وسقى من حكمتهِ براعمَ الجدران

تسلّقَ الضّوءُ وليداً يشقّ زفرةَ الوجود


أورفيوس

كم تمنيتُ لو عصبتُ عينيكَ

لترتدّ لعنةُ الفراقِ ويبقى لحديثِ قيثارك

نكهةُ القبل


كانَ وجهكَ الّذي تراءى على صفحةِ الماء

حين عانقتهُ اتّهموني بالنّرجسيّة

تركتْني نمسيسُ على حافةِ الموتِ اللّذيذ

أُصلبُ طيورَ قلبٍ تغتسلُ بدمعي


هاكَ زيوس على قبابِ الغيم

يحاولُ إنقاذَ ذريّة الآلهة 

يجمعُ من صدرِ الفاتناتِ لونَ المطر 

و أهازيجَ البرق لإخصابِ السّحاب


فلا تبحثْ عن وتر

تلكَ ترتيلةٌ خالدة اعزفها بصوتك 

فينوس... أيّ محّارةٍ

إلى شطّي تقذفك؟


ناهد بدران

سوريا




عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...