الاثنين، 26 أغسطس 2024

= ركح الرؤى = "العزيف"؛ — "فرضية الوجود من العدم في تجاوز خطابات الهوية الصلبة والقبلية". * قراءة في النص المسرحي "العزيف" للكاتب والمخرج العراقي: الكاتب والمخرج منير راضي تقديم الأستاذ: حسام الدين مسعد، الكاتب والمسرحي المصري المتخصص.

= ركح الرؤى =
"العزيف"؛
— "فرضية الوجود من العدم في تجاوز خطابات الهوية الصلبة والقبلية".
* قراءة في النص المسرحي "العزيف" للكاتب والمخرج العراقي:
تقديم الأستاذ:
حسام الدين مسعد، الكاتب والمسرحي المصري المتخصص. 
 
 
عزيزي القارئ، حين تطرح السؤال علي عقلك من خلال المعروض من نتاجات العروض المسرحية في وطننا العربي، التي بات أغلبها يتخلي عن مسرح الكلمة ويميل الي تقليعة مسرح الجسد، محاولاً إيجاد حل لمعضلة السؤال بهل لدينا أزمة مع نصوص مسرح الكلمة؟ أم إن الأزمة تتمثل في آليات قراءة النص المسرحي؟
من هذا السؤال الأخير، يمكننا مطالعة النص المسرحي الذي كتبه الكاتب والمخرج العراقي منير راضي، الموسوم ب "العزيف"، فهو نص مسرحي قصير.
= عنوان النص:
جاء العنوان في مفردة علم بالغلبة مصحوبة بأل، وتعني صوت وقع الرمل ببعضه على بعض، أو صوت الريح عامة، أو صوت الغناء بالعود، أو صوت القوس الذي فيه تنوع وتكرار، أو في معني آخر يؤمن صاحبه بالخرافة، إذ يفسر معناه أنه صوت الجن، واللعياذ بالله، وهذا التفسير الأخير يعود بنا إلى إشارة المؤلف التي سبقت الحوار الدرامي، إذ تشير إلى صراع أيديولوجي بين ماضٍ عتيق مع عالم حي لا يعرف أسراره إلا من كان له فرضية الوجود من العدم، وهذا ما يقود القارئ للبحث في نص العنوان كنص موازٍ لحكاية النص وموضوعه، كي يستطيع من خلاله أن يبني أفق توقعه الخاص، لاسيما أن هذا العنوان اسم اشتهر به بعض ما له معناه، وصار علماً مصحوبًا بأل على عناوين لكتب عديدة، أخطرها على الإطلاق كتاب السحر الأكثر رعباً ل"عبدالله الخطرد"، والذي ينطلق مؤلفه من فرضية أن الكيانات القديمة تعيش فيما وراء هذا العالم، وأنها كانت تريد الاتصال بالأرض بأي طريقة ممكنة للسيطرة عليها، ويوماً ما ستعود لاسترجاع ممالكها التي استولى عليها البشر، وكتاب العزيف من الكتب الغامضة التي يدعي مؤلفها أنه محض خيال لا أكثر، على الرغم من أنه يعرض طرق الشعوذة لتحضير أرواح الموتى، وكيفية رسم الدوائر المستخدمة في التحضير والتعاويذ.
إن منير راضي يتناص في عنوان نصه مع عنوان كتاب "الخطرد" تناصاً مباشراً، لكنه في الموضوع أو حكاية النص يستغرق في جدلية وصراع أيديولوجي بين الشرق / الغرب، وبين الإله السيد / العبد، والماضي / الحاضر، والخرافة /الحقيقة، الميتافيزيقا / المادي، أو الوجود / العدم، إذ ينطلق من فرضية نبش القبور، واستحضار الأرواح من العالم الميتافيزيقي، أو من العدم، لتتجادل فكرياً وأيدولوجياً في الآن الراهن، الوجود لتستشرف خطورة المستقبل، فتنتطلق الصرخة التحذيرية في وجه المؤسسات المالكة للخطاب والقوة والمعرفة في العالم، بغية الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته.
= حكاية النص:
في واقع ضبابي لشواهد ولحود ينبعث منها دخان أحمر، وتمتزج أصوات الموسيقي الحزينة بين نغمات شرقية وغربية في صراع محتدم، يظهر حفار القبور يرتل تعويذة استحضار الموتي في واقع الغربة والوحدة، فتظهر أشباح من سباتها العميق لتتجادل مع بعضها البعض كصوت وقع الرمل ببعضه، طارحة السؤال: هل يمكن للكيانات القديمة والتاريخية أن تعود ثانية لتولي عرش العالم في المستقبل؟
= الشخصيات:
تنقسم الشخصيات إلى شخصيات فاعلة درامياً، وهي [حفار القبور، الأشباح، الغانية، نيرون، سابينا، كاليجولا، الشاعر]، كما تنقسم الشخصيات إلى شخصيات من الذاكرة، تم ذكرها في الحوار الدرامي على لسان الشخصيات الفاعلة درامياً، وهي [إخوة يوسف، نابليون، ايسيني بوديسيا، اوكتافيا شقيقة نيرون، والدة نيرون، بزرجمهر، قابيل، وهابيل، وحمورابي، وجلجامش، وأبو نواس].
-الشخصيات الفاعلة درامياً، هي شخصيات تاريخية، أو كيانات قديمة كانت تعيش في الواقع المادي، ورحلت إلى الواقع الميتافيزيقي، باستثناء شخصيتي حفار القبور، والشاعر اللتين وردتا من خيال المؤلف ولم يكن لهما أي وجود مسبق في الواقع المادي أو الوجود التاريخي، ونلاحظ أنه توجد علاقة وطيدة بين كاليجولا، ونيرون، إذ أن الأخير، هو ابن شقيق كاليجولا، وكلاهما كان طاغية مجنون، وقد يأتي اختيار شخصيتي نيرون وكاليجولا في أن الأول امتداد للأخير، الذي تولي عرش روما منذ عام ٥٤م إلى عام ٦٨م، والذي عرف في بداية حكمه بشعبية كبيرة لتلبيته لرغبة الجماهير التي كانت تنادي بالخبز والألعاب، لكن في السنوات الأخيرة من حكمه تحولت شخصيته بشكل كبير ليصبح طاغية يبتعد أكثر فأكثر عن الواقع، وليرتبط ليومنا هذا اسم نيرون بالاستبداد والفساد، بينما كاليجولا الذي سبق نيرون في تولي عرش روما في الفترة من عام ٣٧ وحتي عام ٤١م، له حادثة عالقة بذاكرة المسرحيين حين أمر بحرق أحد الممثلين حياً في المدرج لسخريته من حاكم روما، أما نيرون فقد حرق روما كلها حتى يتمكن من تجاوز مجلس الشيوخ وإعادة بناء روما مرة أخرى كما في مخيّلته.
أما "بوبايا سابينا"، فقد وُلدت في عام ٣٠ للميلاد وتُوفيت في ٦٥ للميلاد... كانت امبراطورة رومانية بسبب كونها الزوجة الثانية للامبراطور نيرون، إذ كان نيرون متزوجاً من شقيقته "اوكتافيا"، و لكنه أحب (بوبايا سابينا) وكانت وقتها زوجة لأحد الأشراف، وبعد أن تخلص نيرون من أمه قام بتطليق زوجته اوكتافيا و تزوج رسميا من (بوبايا سابينا)، وقام بعدها بنفي اوكتافيا بعيداً للأبد.
- شخصية (حفار القبور)، ورغم أني أشرت سابقاً إلى أنها وردت من خيال المؤلف، إلا أنني أجد في خطها الدرامي تناصاً غير مباشر مع أفكار وردت في مقال يحمل عنوانه اسم الشخصية للكاتب "جبران خليل جبران". ويتحدث فيه عن شبح ضخم ظهر لحفار القبور ودار حوار بينهما عن لماذا اتخذ الأخير حفر القبور صناعته، وهل لدى الحفار طاقة على الوحدة والانفراد، وبأي إله يؤمن إن لم يكن يؤمن بغير نفسه ولا يكرم سواها؟
وحين سأل الحفار الشبح من أنت اكأجابه قائلاً [الإله المجنون، ولدت في كل زمان ومكان، وقد تعلمتُ الاستهزاء بالبشر من الأبالسة، وفهمتُ أسرار الوجود والعدم بعد أن عاشرتُ ملوك الجن، ورافقتُ جبابرة الليل، فأنا والزمان والبحر لا ننام، ولكننا نأكل أجساد البشر، ونشرب دماءهم، ونتحلى بِلهَاتِهِم].
- شخصية الغانية: شبح ينهض من تحت الثرى، وربما تكون الأصل التاريخي لشخصية بوبايا سابينا.
- شخصية الشاعر، وهي شخصية تشير إلى الذاكرة الجمعية للتاريخ البشري، الذي يمتلك الحجاج في كشف الزيف أو تصويب المعرفة، فنلحظ أنه الحكيم أو الفيلسوف الذي يتجادل ديالكتيكياً بغية بلوغ الحقيقة أو المعرفة أو كشف حقيقة الوجود النصي للعزيف.
* شخصيات وردت من الذاكرة:
- إخوة يوسف: تناص من القصص القرآني، ورد على لسان شخصية الشاعر.
- نابليون: هو نابليون بونابرت،قائد عسكري وسياسي فرنسي إيطالي الأصل، بزغ نجمه خلال أحداث الثورة الفرنسية، وقاد عدَّة حملات عسكرية ناجحة ضدَّ أعداء فرنسا خِلال حروبها الثورية، حكم فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر بصفته قنصلًا عامًا، ثم بصفته امبراطورًا في العقد الأول من القرن التاسع عشر، حيث كان لأعمال وتنظيماته تأثير كبير على السياسة الأوروبية، ورد ذكر اسم نابليون.
- ايسيني بوديسيا: اسم مهم في مقاومة حكم قادة الأمبراطور نيرون، والتي نشأ تمردها من خرق اتفاق روما مع شعبها الأسينيي بعد وقت قصير من وفاة زوجها الملك براسو تاجوس، وهي من أحرقت لندنيو أو لندن الحالية.
- اوكتافيا: هي كلوديا أوكتافيا، وهي أخت غير شقيقة للامبراطور الروماني نيرون، وهي أول امبراطورة رومانية.
ام نيرون: (أغربينيا) التي أوعزت إلى كلوديوس الذي اشترى ذمم رجال من مجلس الشيوخ واستصدر منهم قراراً يقر زواجه من «اغربينيا» ويعتبره زواجاً رسمياً، وبعد نجاح هذا الزواج عكفت «أغربينيا» على تحقيق حلمها بأن يأتي اليوم الذي يتولى فيه ابنها «نيرون» الامبراطورية، فعكفت أولاً على إقناع «كلوديوس» على إعلان تبنيه لنيرون، ثم وضعت خطة مستمرة لإظهار نيرون في الحفلات الرسمية بصورة الرجل كامل النمو والابن المفضل عند كلوديوس، ثم تقربت من «أوكتافيا»، وكانت تهدف من هذا التقرب إلى أن يكلل في النهاية بزواج «نيرون» من «أوكتافيا» ليضفي ذلك شرعية عليه ليحصل على الحكم، وقد تم لها ما خططت لتنفيذه، وتزوج «نيرون» من «أوكتافيا»، وظلت أغربينيا هي من تتحكم في كل شئ بنفوذها حتى أثار ذلك غضب نيرون، فدبر لأمه عملية اغتيال وهي الغرق بحراً في أحد الرحلات، إلا أنها نجت من القارب الغارق بأعجوبة، وبعد نجاة أمه قرر «نيرون» التخلص منها بإرسال جنود إلى قصرها ليقتلوها، وبالفعل قتلها الجنود بالسيوف، ثم أحرقوا بقايا جثتها.
- الفيلسوف سينيكا: معلم نيرون ومستشار له وكاتب مسرحي.
- بزر جمهر: هو الحكيم والكاتب والفيلسوف الفارسي الذي كان وزيراً لأنوشروان (كسرى)، ولقب بوزير الصدر الأعظم، أعدمه كسرى الثاني حفيد انوشروان على مرأي ومسمع من الناس، وأمام ابنته التي خلعت غطاء رأسها في إشارة لأنه اندثر الرجال في ذاك العصر ولم ينتصر للحق والعدل والعقل في استتباب أمن مملكته.
حمورابي: سادس ملوك السلالة البابلية الذي اشتهر بإصداره مَسَلته المَشهورة، المنحوتة من حجر الديوريت الأسود، والتي نقش عليها قانوناً من أوائل القوانين التي تركز بشكل أكبر على العقوبة الجسدية لمُرتكبها، هو قانون حمورابي.
- جلجامش: بطل ملحمة الوراء، أو أسطورة جلجامش، التي تحدثت عن الخلود وعشبة الحياة.
- أبو نواس: هو أَبُو عَلِي اَلْحَسَنْ بْنْ هَانِئْ بْنْ عَبْدِ اَلْأَوَّلْ بْنْ اَلصَّبَاحِ اَلْحُكْمِيِّ اَلْمِذْحَجِي، شاعر عربي، يعد من أشهر شعراء عصر الدولة العباسية، ومن كبار شعراء شعر الثورة التجديدية.
★ لم يشر المؤلف في إرشادته النصية أو الهوامش إلى أي تعريف بالشخصيات الفاعلة درامياً، لكننا لاحظنا أن الشخصيات الفاعلة درامياً، وكذا الشخصيات الواردة من الذاكرة أغلبها من أزمنة مختلفة وتاريخية، وأن هذه الشخصيات جميعها كان لها وجود مسبق، ثم غابت عن الحاضر،رفأصبحت معدومة، لأنها لم تعد موجودة في الحاضر، لكن منير راضي ينطلق من فرضية تمثل إشكالية تكمن في احتمالية تواجد هذه الشخصيات في المستقبل.
لذا فإن استدعاء مثل هذه الشخصيات في نص "منير" يبرز القدرة والزمان أي البعد الشعوري الذي يحيله العدم، باعتباره أحد عناصر الموقف الإنساني في علاقاته بالأشياء وبالأشخاص، فالعدم غياب وجود، والذوات في العدم معراة من الصفات، ولا توصف بصفات الأجناس، لأنها ليست وجوداً مثل الحياة أو الجوهر أو الأعراض، فالعدم موت، لذا تظهر الشخصيات الفاعلة درامياً في صورة أشباح أو خيالات، وكأن المؤلف يسعي إلى إثبات وجود هاته الشخصيات من العدم، وإذ يرتبط إثبات المعدوم أو نفيه بمسألة تأثير الفاعل، ولا يعني ذلك وجود إرادة خارجية مشخصة، بل يمكن أن يكون من إرادة الإنسان وفعله واختياره، الذي يوجد من عدم، ويعدم بعد إيجاد، فالوجود هو الثابت، أما المعدوم فهو المنفي القديم، الذي نبش فيه حفار القبور المنعدم وجوده هو الآخر، بدليل دعوة الأشباح له بال (حوذي)، أو سائق العربة التي يجرها حصانان، وكأن وسيلة الاستدعاء ممكنة، ومنطقية، رغم اختلاف الأزمنة والحال بين الشخصيات المستدعاة، وهنا يثار السؤال: هل محاولة "منير راضي" في استدعاء الكيانات القديمة والتاريخية بنصه "العزيف" تتبني رأي الأشاعرة في أن المعدوم متميز وكل متميز ثابت؟
- إن الإجابة على هذا السؤال ستقودنا للبحث في المعدوم الممكن، إذ إن الأثار المندثرة والحوادث العاطفية هي ما كان موجوداً، فعُدم، ومعرفته ممكنة، لكن مالم يوجد، وسيوجد كما ورد في نص "منير"، أي استحضار (نيرون)، المعلوم بالبديهة عدم وجوده في الحاضر، وعملية إيجاده من خلال الممكنات الجامعة للمنطق النظري، وللمنطق الوجودي على السواء، هي الدراسة المستقبلية،! أو الجدلية، من خلال المعارف الممكنة، أو الوجود الشعوري من خلال وجود العدم الذي يعني وجوده هنا الغياب أو الفراغ، إذ إن تعريف الممكن لذاته قائم على الشبيه، وهو تأكيد العدم لذاته، فالقديم المستدعى هو افتراض ذهني خالص، وواجب وجوده ليس عينياً بل ذهنياً خالصاً، وبالتالي فإن كشف البداية بالوجود العيني، أي العالم الحسي، يكشف النهاية، أي الواجب والضروري، الذي هو مجرد إَافتراض معرفي، وليس وجوداً حسياً مرئياً نشأ عن التضايف أو الغلتزام، وهنا يكمن الإشكال... هل يتحقق هذا المطلب من داخله ذاتاً بلا موضوع متقوقعاً على النفس النرجسية وانعكاساً مجرداً؟ ام يكون له مضمون من العالم كنظام اجتماعي، وكقانون لحركة التاريخ؟
لا شك أن التصور العام للإنسان، والمجتمع، والتاريخ هو التصور القائم على وجود الثابت وراء المتغير، فالعلاقة الأفقية بين الطبيعيات والإنسان تجعل الأخير جزءاً من التاريخ وبعداً للزمان، فافتراض العدم أساس الوجود، وإن الوجود قائم عليه حسب فرضية منير راضي (إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض، وتمت، فهي تبقي وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير)، ينفي بذلك القدرة على تحويله إلى وجود، ويصير العدم واجباً لا يمكن تغييره وتحويله إلى وجود ممكن، فإثبات المعدوم يعني استحالة رفضه والعجز عن مقاومته، وإيهام الناس بوجوده، وبالتالي تخاذلهم على تحقيق الوجود، فالخطورة التي جنح إليها "منير راضي" تكمن في محاولة إثبات العدم وليس نفيه، فاستحضار الطاغاة من الدولة الكلوودية هو اعتراف بالأمر الواقع واستسلام للهزائم التي تستشرف نهاية العالم حرقاً ودماراً، إذ إن الدلالة المباشرة في الوجود والعدم هي الواسطة بين الثابت والمتغير، فالانتقال والحركة من العدم إلى الوجود، أو الصيرورة الواسطة التي هي وجود في الذهن تجلى في الوجود الكتابي ل(منير راضي) عن طريق الخلق والإبداع والتحقق لذاته الزائدة على الماهية، أو الحقيقة، فكانت ذات المؤلف أقرب إلى إثبات العدم باستشراف عودة الكيانات القديمة والمعدومة في ختام نصه لتولي عرش العالم، والحقيقة أن المعدوم ليس ثابتاً، بل هو نفي كالممتنعات والخيالات، وهذا ما يتناقض مع انتفاء صيرورة العدم ونفي حاله من خلال ملاحظة حركتي الإعدام والإيجاد التي اشتغل عليها "راضي" في نصه، فالحال الذي هو هيمنة السلطة بكافة صورها (الإجتماعية، والاقتصادية، والدينية، والمعرفية...) ليس مجرد عرض بل علة، أي أنه مؤثر وفعال يفسح المجال للفعل الإنساني في العالم إلى تجاوز هذه السلطة بتحليل العقل للموضوعات ذاتها، واتفاق نتائج هذا التحليل مع تجارب عديد من الأفراد، فنرى المؤلف يذكر حوادث تتشابه مع حادثة حريق روما كحريق مايركي العظيم عام ١٦٥٧ بالعاصمة اليابانية ايدو، في اتهام صريح من الشاعر إلى نيرون بأنه الفاعل، فالاتهام دائماً هو أسهل أنواع الدفاع عن الذات والعجز، لذا عمد "منير" إلى خلق صراع أيديولوجي يولد من العدم، أو على حسب تعبيره (حبة الحنطة التي وقعت في الأرض وماتت) فإن وجودها العدم، أي غيابها كحبة حنطة، أصبح وجوداً لثمر كثير، أي أن مفردة النهاية، أو نهاية التاريخ، وفق فرضية "منير راضي، هي خلل منهجي في التعاطي مع حركة التاريخ والقيم، بل إننا لم نفهم أبداً أن اهتمام الإنسان المبالغ فيه بالثقافة النسخة، والتي تسعى لجعل البشر نسخة واحدة مرجوة هو فعل تعويض عاطفي لتناقضات حضارة الإنسان نفسها، والتي لا يمكن أن تكون ختاماً لصيرورة الحركة الإجتماعية والمعرفية في التاريخ، لذا، يستبدل المؤلف مع قارئه لعبة الشك بالمعرفة، ومن خلال الصور التي تم استحضارها فعلياً، أو ورد ذكرها علي لسان الشخصيات، إذ عملت كظاهرة حدودية تعيد ما هو غائب أو ميت أو غير مرئي إلى فضاء الإدراك، أي إلى الحضور، وبعيداً عن التفضيل بين الشخصيات، أو الإنسان الشرقي والإنسان الغربي، إلا في إطار التصنيف المعياري الذي خلقه الإنسان الغربي أو الشرقي المنتمي لذات الثقافة، لأن الواقع أو الحال الحضاري لكل منهما يختلف عن الآخر، إذ لا يأتي التفضيل سوي في البيئات المموعنة بالمعايير والانطباع، إذ أن وهم السيادة هي القيمة المتجاوزة ، أما المال والسلطة فهما المعيار في التفضيل، لا في البحث عن الحقيقة وتعرية النتاج الإنساني من خلال اجترار الأحداث التاريخية بين الشرق والغرب.
= الحوار المسرحي:
اتسم الحوار أو الفعل الدرامي الذي تميزت لغته الحداثية بحواريتهاالدلالية، والإحالية، والرمزية،روالسيمائية المتعددة، والتي تنسج علاقات تفاعلية، وتناصية متعددة، مع باقي بنيات النص، لاسيما براعة منير راضي في تعدد اشكال الاختزال التركيبي النحوي، كحذف المبتدأ أو الخبر من الجملة الأسمية، أو حذف الفاعل من الجملة الفعلية، وهناك الاختزال الصوتي، أو اللفظي، ويعني به التغيير في البنية الصرفية للكلمة، وهدفه تسهيل النطق، وتيسير اللفظ، و أخيراً الاختزال الدلالي، إذ أنه يعمد لبيان وتحديد الدلالة المختزلة بلفظ واحد، فليست أغلب النصوص المسرحية ينتهج كتابها هذا الشكل الاختزالي، فهو نموذج أدبي، لغوي، أولساني بالدرجة الأولى، لكنه من التكثيف والتشويش الخارق إلى حقيقة ما وراء الكلام، فقيامه على الفعل الفردي، أو بضعة أفعال مركزة، وتفاصيل قليلة، وشخصيات محدودة، لا تزيد عن خمس شخصيات وذروة قريبة من النهاية، وخوضه في صراع مركزي واحد دون تغيير في المناظر المسرحية، أبرز ما يميز هذا النص بوحدة الآثر العام.
- لقد استطاع "منير راضي" في استبداله للعبة الشك بالمعرفة أن يبرز سمات الهوية القبلية التي تقوم علي المرتكز السياسي، بل أضاف إلى ذلك محاولات الكشف عن العناصر المتصلبة، وإبراز أوهامها ومحاولات إخضاعها لمصير العصر أو الوجود الراهن وأساسه وصيرورة الزمان التي أتاحت للمتلقي القارئ إمكانية تشكيل عناصر جديدة دون سيطرة المطلق على خطابها، أو تحويل هذا الخطاب إلى مغامرة أصولية خارج مفاهيم الإختلاف و المغايرة، عاجزة عن إدراك الجديد، لكن رغم نجاح المؤلف في خلق المتجانس من اللا متجانس، واختزال المعقد في البسيط، وتحويل الطغاة إلى وحدة متجانسة ومتميزة، إلا أنه لم ينجح في بلوغ ماهية ثابتة مستقلة عن التاريخ، واستعاض عن ذلك بالجدلية التي انتهت بردم إرادة التحديث وتأسيس أوهام قد تقود إلى الانغلاق والتطرف، فما كان منه كمؤلف إلا أن يعود إلي رشده بترك نهاية نصه منفتحة وكأن الصراع الأيدولوجي سيظل قائماً لدى المتلقي القارئ كي يعيد تغيير طريقة تفكيره ونظرته للأمور في كل ما يتعلق بالثقافة، ويسعي إلى تقديم ذاته الثقافية إلى العالم تقديماً مهيكلاً يضع كل شئ في نصابه متجاوزاً خطاب الهوية القبلية والصلبة.
حسام الدين مسعد سيد أحمد.
مصر.
 


الأربعاء، 14 أغسطس 2024

ضجيج البقر / قصيدة نثرية / باسم جبار / العراق.


ضجيج البقر 
قصيدة نثرية 
 
في دوائر التيه
ليس هناك أدلاء
إلا الذكريات
تتلمس فرجة من ضياء
تلوكها اجترارا
وأنى لرمس المقابر
من حياة
في دوائر التيه
يعلو ضجيج البقر
يملأ الافاق
يلوث سجع الحمام
يزهو بمواويل الحب
ومعاطر الرب
ضجيج لا يتمخض إلا عن ولادة
ترتضع ضيائها من اثداء
شمس عوراء
حين ترتقي الغربان
رؤوس الجبال
فقد تم اغتيال الصقور
بكاتم العهر
وعبودية الانصياع
 
باسم جبار.
العراق.

حكاية السمراء الجميلة / خاطرة / الأديبة نجاة البدوي / المغرب.


 

{ حكاية السمراء الجميلة }
خاطرة. 
 
هل سمعت بحكاية الفتاة السمراء؟
صبية جميلة تسكنها عجوز شمطاء، لا تكف عن البكاء والرثاء، ترثي أسمالها البالية، عاداتها القديمة وقلعتها البيداء.
داخل القلعة شيخ يسدي الأوامر بعكازه، يلوح به آمراً بغلق الأبواب كلما أرادت أن تفتحها لتستنشق الهواء وتتمتع بالمطر وهو يعزف على خصلات شعرها في فصل الشتاء.
فتاة تتقن كل لغات العشق، لكنها خرساء.
فهل سمعت بحكاية الجميلة الخرساء؟ !
كتبت حكايتها على رمال الصحراء... كتب عنها شاعر النساء... داست أقدام العجوز الشمطاء على أشعاره، ووضعت على عنق السمراء الجميلة سلاسل، وعلى رجليها خلاخل، حتى أصبحت عرجاء... وضعت على عينيها رداء، فصارت عمياء، لا تبصر غير الشيخ وعكازه ونساء القلعة البيداء، وأعطتها كتابًا فيه وصايا عشر ولافتة مكتوب عليها إرشادات وعنوان تلجأ إليه للاستفتاء... مكتوب على اللافتة "العشق ممنوع، الخمر ممنوع، فالخمر والعشق للرجال وليست للنساء.
مكتوب على اللافتة أيضًا أن العجوز الشمطاء تكره الشعر... تكره أحمر الشفاه... تكره الرقص، وتكره،
تضاريس جسد حواء.
مكتوب على اللافتة" ماذا يجب أن تفعل النساء، وما يحرم فعله على النساء.
مكتوب عليها مقاييس فساتينها... ألوانها... كيف يجب أن تكون: بيضاء، أم سوداء؟
مكتوب عليها كل تفاصيل حياتها الجوفاء.
مكتوب عليها أيضًا شرائع حركاتها وسكناتها... مكتوب عليها القداسة للآباء، والخزي والعار لكل من التحفت مئزر الإباء، أو قالت إن الأبناء سواء، فهم ليسوا سواء...
إنها حواء التي عزفت على خصرها أعذب الألحان، شيدت بين نهديها قصائد العظماء، وسال مداد شيخ القلعة عن قصة الإغراء والإغواء... كتبت عنها أساطير الغرانيق العلا، عشتار، أفروديت، إيزيس، ونوت إلهة السماء.
لكن السمراء الجميلة لم تسمع من كل هذه الأشياء غير أسطورة الإغواء، فقدت أخرجت آدم من الجنة، وعليها أن تحمل وزرها إلى أن تشاء.
 
نجاة البدوى.
المغرب.

الاثنين، 5 أغسطس 2024

وأمضي / الشاعرة التونسية جميلة بلطي عطوي.


                             { وأمضي }         

كلّ مولع 

يخطّ على خريطة الشّوق حلمه

يرسم بفرشاة الدّهشة 

ضفّته الموعودة 


كلّ موجع  

يصبّ من دنّ الأسى كأسه

يترشّف الأحزان قطرة قطرة فيبكيه الدنّ 

وتحضنه القصيدة


كلّ صابر 

يستعير أدعية أيّوب

يتهجّد في باحة الوعد 

تهزّه النّجوى إلى آفاق بعيدة 


كلّ عابر 

يترك البصمة أثر حياة 

يشدّ رحاله

إلى دنيا جديدة 


أنا المولع ، الموجع 

الصّابر ، العابر 

أكتب بماء التّوق أحجيتي

أكابد تيّارت الزّمن العنيدة 


أضمّ أشواق الدّنى 

أنسج شراعي المأمول

أركب قاربا سارحا في مهجتي

والنّاي يعزف نغمته الفريدة


في الضفّة الأخرى

أمدّ خطوي وقد التحفت زرقة البحر

أقبّل عين الشّمس بملء اللّهفة 

فتهديني دورتها المريدة 


هناك أراني أمدّ الكفّ

أصافحني

وأمضي.


تونس في: 2 / 7 / 2024

جميلة بلطي عطوي













غربة قصيدة / الشاعرة المغربية مليكة بنضهر.


  غربة قصيدة 
 
بكتابي غربة قصيدة
شحدت عيناها
بوحاً في حمرة الورد
بللت مآقيها قوافل
من ألق ووجد
وخدود رسمت
ظلالها نجوم
ليل والسهد
أخطرتني خالبة
طراوة عشق
وأذهلتني ظلالها
ساردة ماردة
أتحفت كل الوفد
شفيفة عانقت بنسيم روحها
غمد الشهد
ياليتها رتلت دوح المحبين
حتى ذاك اللحد...
مليكة بنضهر.
المغرب.

الخميس، 1 أغسطس 2024

نامت المدينة / الشاعرة المغربية ماجدة الفلاحي.


[ نامت المدينة ] 

الشاعرة المغربية ماجدة الفلاحي.


نامت المدينة 

ملء جفونها

تحلم بما يشتهيه بنوها

وبما يرعبهم

من أحوال الليل الذي

تسرب من أسفلها 

ثم علاها 

فغطاها

وأرخى سدوله على صدرها

وخصرها

نامت المدينة 

تحت نجوم السماء

عارية نامت 

شاحبة  الوجه  

مشرعة الأبواب 

لكل غريب 

بلا عسس 

ولا أسوار 

ولا حراس. 


ليتنا كنا هناك عند المرسى 

أيها الصياد القديم

أو كنا قراصنة العصر الجديد

أو فرسانه

لنستعيد مجدها

ليتنا كنا القوارب والمراكب  

ليتنا كنا الأشرعة 

والبحارة 

والغرقى 

ليتنا كنا هناك 

ولم ترحل النوارس 

ولم يمزق الصخر الشباك 

ليتنا كنا هناك. 


المدينة جميلة

كانت

كصبية تتزين 

كل مساء 

وكانت 

كما الحكايات 

تحترق شوقا 

لطيف فارس 

على صهوة الحصان

يتهادى 

كنجم لامع في الظلام 

يطير بها إلى غد من نور

وجمال وسناء

ينقذها من الفخاخ المنصوبة

تحت أقدامها 

من رقعة الشطرنج 

التي يموت فوقها الفرسان

وتموت فوقها الملكات

العاشقات.


لم يأت الفارس

على صهوة الحصان

ولا البحار الذي مزقت الريح شراعه

لم تأت الكلمات في وقتها

لكي تندب حظها 

بقصيدة عصماء

لم يأت الغد

بأحلام أطفالها

فتوسدت همها ونامت

تبكي في سرها.


آوت إلى ركن لاهب كالنار

ولاذت بوهمها

تسترجع لفحات الشوق

تشم عبق المكان 

وتمد جسورًا نحو الذكرى  

تناغي قمرًا غاب 

ونجمًا أفل 

ربيع طفولة 

ترانيم روح 

تنعش خريف دروبها الباردة. 


كانت المدينة 

بتولًا تختال 

بدلال

في سيرها كسحاب ربيع 

وكظلال أشجار وارفة 

كان لها ملح 

وكانت لها أزهار  

وأياد بيضاء عفيفة  

غيم يعزف مواويل عشقها 

لحن ووتر 

أشعار وموسيقى 

تراتيل حب 

ورسائل من السماء 

مطرًا وظلا

تستحضر وجهها الوضيء 

تناجيه في لياليها الموحشة 

كانت لها

لكن

لا يتشابه ليل كل المدن 

فلكل مدينة ليلها. 


هذا المساء 

لم تغتسل بضوء القمر 

لم تتزين 

لم تكتحل 

لم ترخ جدائلها

لم تتعطر بماء الزهر  

سرًّا تصلي صلواتها 

تنحني لها الريح 

ترتل آيات صمتها 

على شفا 

جسد أسير 

يمضي على الرصيف 

خطوات 

بلا بوصلة 

هجر فراشها كل عشاقها 

لا أحد من العابرين يشبهها 

ولا أحد عاد على عقبيه 

ليسأل 

من تكون ؟ 

من يسبر أغوارها ؟

من يكتم أسرارها ؟

وهل بوسع السماء 

أن تسمع النداء 

الذي يعلو من صدرها 

بلا صوت 

كالموت 

ماذا عساها أن تقول ؟


أجلافًا تتناوب

الغيلان 

على اقتراف الخطيئة 

على جسدها  

حد الشبع

حد الجشع 

حد الازدراء

بأصوات مغتصبة  

ملغاة 

خاوية اليدين أضحت 

لا حية ولا ميتة 

بين غفوها

وصحوها 

كوابيس تزور ليلها

صوتها الصادح 

الهادر  

يصرخ في داخله 

لا صدى 

لصوتها. 


تختال الأيادي 

تغتال حلمها 

تنظر تحت قدميها 

تنتظر المزاد 

قمرًا مسروقا 

وثغر شمس دافئة 

أحلامًا وأماني 

يفتح المزاد 

يعتلي المنادي 

المنبر 

يلمع بريق عينيه 

تعلو وجهه ابتسامة 

صفراء جامدة 

يبدأ المزاد 

على أونو 

على دوي 

على ثري 

لا صوت يعلو على أصواتهم 

يتهافتون

يزايدون 

يساومون 

عامري الأيادي يعودون 

فارغي القلوب

مصلوبة على سارية الانتظار 

تنظر إلى المطر  

المنهمر من الأعلى  

وتحلم أن يغسل جسدها 

من العهرالذي

لوث طهرها

تقول 

المدينة النائمة 

تقول في حلمها

أليس الصبح بقريب؟

تقول 

كم لبثنا !؟

قد آن الأوان لكي تفيق

قد آن الأوان لكي تعود إلى أهلها.


ماجدة الفلاحي.

المغرب: 2024.

الخميس، 27 يونيو 2024

سؤال / تكسير ما وجب في حقه تكسير / قصيدة نثر حداثية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب / 2024.


سؤال  

تكسير ما وجب في حقه تكسير

قصيدة نثر حداثية طويلة متعِبة كاملة

عبد الرحمن بوطيب

2024

—————————

1/ قد كنت منكم جئت لا أرغب فيكم أقول

ما كان لي مُبْتَدَا

لا منتهى

لا مآل

لم الابتداء بلا اختيار بملء ابتلاء

لم الانتهاء

هو القرار

انتهاء

ذاك سؤال ينسخ السؤال

سَفَرٌ عقيمٌ يُكْتَبُ سِفْراً على أوراق ذابلات وقصيدة طويلة متعبة بلهاء

مدائنكم خاويات على سرابها الكحلي لا ينتهي

وتركبون

خيلكم من قصب

تركبون

جميل أنت يا قصب

منك السلال

منك الدمى

منك عبد الودود بن عبد الركوعِ الخنوعِ الذلِّ الحقارِ الضياع

منك اللُّعَب

ولا لغب

سماؤكم حبلى بخراب يحتسي غيمَ هوانٍ ذلاً

يتلو آيات من ضباب

سراب خراب ضباب

غياب

وتمرحون

ترقصون

تسهرون

تسكرون

تلعبون تلعبون تلعبون تلعبون

تلعبون

بكم يلعبون

لحوم بعضكم نيئة تأكلون

تغازلون ناهدات كاعبات شاردات لذيذات سافرات مسافرات تحت ذل

يرتمي في حضن خيمات خيبات غيمات

ما هن ماطرات

يباب أنتم

لا أرضكم سماء

لا سماؤكم سماء

أين منيَ الدنانُ فارغات تحكي صعوداً من قمة إلى أسفل

غائبون أنتم صاعدون

في انزلاق دم أسود منكم ينزف دفلى وعهراً من قديم

أين مني السكرة الرعشة

الأولى حكت عنها أسفار

الغابرين العابرين الذاهبين

الما عائدين من اليوم إلى

الأمس الغد القريب البعيد يلهو بوادي عبقر

يرسم الرسوم

يبكي على ديار قوم لا قوم في حواضرهم حاضرهم ماضيهم ما هم في

مستقبل لهم من الحاضرين

من أنا

من أكون

لا

أنا من

ما أكون

أَ أنا المرايا ... المرايا أنا

في جلدتها المرتخية جلدتي

الشاحبة ترسمني

أرسمها سؤالاً وسؤالاً وفراغاً من أصفار ما لها انتهاء من ملايين السنين

أنا السؤال

فهل يكون مني جواب

ولو بعد أمس غداً الآن

وحين قبل حين

—————————

2/ ولما بلغهم سؤال ذي السؤال

اجتمعوا في خيمة بني عربان

تحرسهم

غربان بني نحس وذبيان

انتصب فيهم خطيبهم

تجشأ مقالاً من أسفله وهو يمتطي صهوة نخوة بائرة

على سنم بعير أحمر أجرب معقوف الظهر قال

(أيها الخواء

اسمعوا وعوا

لكم أن تنبحوا

لكم أن تذرفوا تماسيح دموع

ها قد جاء منكم فيكم لكم شاعر

مجنون مجنون مجنون

بالغواية هو مفتون

قارئة الفنجان توصيكم منه خيراً بأردافكم

وضباعٍ ترضعون حليبها الأصفر الرنان

تسأل السماءَ لكم السلامةَ

وكثيراً من رحيل وأمان

هذا زمانكم رحيل في رحيل

بعيداً عن زمان ومكان

يا بني خراب وغياب وغربان

عودوا إلى جحوركم

   لا يحطمنكم

قصيد وغضب

في شهركم رجب

مات قريض ولا عجب)

ترنحت أشباه أجساد

تململت خيانات وأوتاد

ما تناطحت أكباش وأرداف أولاد

سقطت عجيزة شداد بن بني عاد

صيحة ذي الصناجة رددتْ هُراءَهم ليلة عيد انكسار أعواد

وذاك المجنون

ما كان تحت خيمتهم خيبتهم انكسارِ هيبتهم

هو

في جب الحب

كان

يغزل

من شَعر

حبيبته الصغيرة

الأميرة النائمة

إكليلَ غار

وقصيدة

طويلة متعبة

—————————

3/ قالت العرافة

ومنه حروف

طير أبابيل

تسقي الحقول الغارقات في لظى عبير حبات سنابل

ها منكم قد جفت ضروع

سغب الوليد الوليدة سغبت

زغب الحواصل لا ماء ولا مطر

لا

ماء

مواء

نعام بوم

نيران

جفاء

جفاف

قحط

رهط

جائعون

ساهمون

راقدون

ازدحم الكهف

وملايينهم

كلبهم باسط ذراعيه على

ذقونهم

ويضحكون

ما عادت قريتهم تحبل بجيران

آه منك يا زمان

عودوا

رحلتم

غبتم

هربتم

نزلتم قعراً من سراب

لم الرحيل وهذا الفجر من قريتي أفل الهوى في عيونه

غاب

غابٌ غابٌ ذهاب

لم رحلتم في سراب

لم التواريخ كُتِبَتْ منكم بماء يباب

افرنقع القوم قبل التئام جرح

جرحهم جرحي جرح الجرح

الجريح

سيدهم كسيح

سيدهم كسيح

سيدهم كسيح

لا الحاضر منهم حاضر

لا الغائب كان منهم بالويل

لهم عليهم

يصيح

عجبي مني من أنا

وَمَنْ

مَنْ أكون

سراب

خواء

عذاب

هباء

وذاك العبد الودود يركب

صهوة ذله ذلهم ذل الذل

والذل منه به كسيح

من أكون

—————————

4/ جميل

وتسألني نفسي

من تكون

أقول

معذرة ما أنت نفسي

أنّى لي أن أكون ما كنت أنا الآن ما أنا

فهل أكون

رحل الرحيل منكم عني بكم

ما عادت الأسفار الدواوين الوريقات النصوص السطور الحروف

تحكي

حكاية كائن

لا يكون

كن

لا

لن

أكون

لم

لا تكون

ما أنا أنتم

ما أنتم أنا

كيف بالسراب يحبل بالسراب

الخواء

الضباب الشارد من بحر بطون تاريخ ساغبات

عطشى

عاصبات

مرملات

صائمات

جائعات

كيف

وأنتم فراغ

مُلئتم هباء

كرعتم دلاء

خزيا

مهانة

ركوعا

على بطون ظهور يائسات رمالكم تبر أسود

أسود

أكحل

ظلام

غلس

زفرة فينوس بينكم ما هي بينكم

ولا رجال

لا

ر

ج

ا

ل

محال يعود غد

غد يعود محال

يعود

لا

يعود

لا

والد

لا

مولود

لا

ال

حروفكم

تأكل

الحروف

ولذيذ لحم من مهد وعظام نخرة

أهل كهفكم ما نام النوم بهم

كلبكم

أولكم

يرحل الذيل به على ظهر ليل طويل

طويل

طوي

طو

ط

وما هي ضاد لضاد تصطاد

افرنقعوا

ما جمعٌ منكم كان ما كان جمع

أمس الغد اليوم

لن

أكون

منكم

لن

أكون

قالها

هامون

لن...

ورحل

—————————

5/ عد كما كنتَ

عد أنتَ

صنعوا منك تاريخاً

وطائرة من ورق

خرج يبحث عن وجهه في الزحام

كان تاه وجهه عنه

في المقهى القديمة ما وجد رفاقه القدامى

ما وجد غير وجه منزو في ركن قديم

وحيداً يرسم خارطة وطن

من ذاكرة

ليست لها ذاكرة

ويحتسي فنجان قهوة فاجرة

كنتم

فهل أنتم

يا راعي الليلِ والنايُ ما هو أنيس

خذ لك نفساً من رحيق فجر ليس منه له تنفيس

عودوا أنى كنتم

غرباء كما أنتم

يا...

يا ويلتاه من زمن يعرب في سرابيل عريضة تلتف على أرداف

قد كان فيكم شاعر

غنت له الدنيا خزامى وعرعارا

أفردتموه إفراد بعير معبّد

قد رحل

ما عادت دياركم له هي الديار

خراب

—————————

6/ وأنت الحروف النبض الوتين

مني الأمسِ غداً يوميَ هذا فيه تهربين

رحل الملاح يغوي بمجذافه الحرف

يغازل السفين

منه للحب حب

وما القلب منه يستكين

وحين نادى المنادي في عبس وذبيان

بركت بعير

نامت الفوارس السكرانة على كسر عظم

وهزيمة كانت من زمان قديم

قالت جدتي

الويل له

هو الخزي

العار الدفين

وما ردت حبيبتي الصغيرة النائمة

افتر الثغر الأحمر منها عن بسمة ولهانة

تهادى على خدها

الوردي ألم حزين

أيها الفارس

لم الهروب منك إليك بك في متاهات السنين

دع عنك لومي

إن أنا إلا ندير

ما في قريتي البعيدة سرب نوارس تؤوب تحكي للصبايا حكاية فارس

شاعر

منبوذ

لعين

قالتِ الأسفار المترهلة القادمة من مزابل كانت مراتع للأولين

وتلك حكاية أخرى

فهل يا أرض اليباب

تسمعين

حبيبتي الصغيرة

أهواك

أراقصك على هودج نصر

ما كان

ما عاد الحلم به في صحو يلين

نامي حبيبتي

ما غد بفجر آت يوماً ولو بعد حين

تلك حكاية هزيمة من ملايين سنين

أشيلوس...

خذي ملاحك العجوز العنيد

عانقي طفله الشريد

واصمتي

ذا زمان لغو وهمسات لحن بأنين

—————————

7/ قرار

ولا فرار

وأنت يا عالمي

يا أنا الهاربة من أنا

يا منتهى ضياع وأسرار

أنا

سؤال

تيه

حيرة

وكثير من شواظ وغبار

هي الحرقة... أفكار

يا ذاتاً هائمة تجري

تلهث

تتعثر وراء سؤل... وشواظ من نار

أما لك اليوم

من جواب

أما لك من...

قرار

————————— 

8/ قالت

وأنت الشاعر يأكل منه له به الحروف

على خراب عبس ورفات ذبيان الخرفان يطوف

و... يرحل

لم الرحيل شاعري

قالت

زفر الزفرة الأخيرة الأولى ال ما كانت تكون

قال

(الويل الويل الويل لكم

نعالكم على رؤس هاماتكم الراكعات

قممٌ راعفات نازفات منبطحات...

راكعات...

راكعات ساجدات بين نهد "ميدوزا" وردف "رع"

هي اللعنة سقت بردى النيلَ

وذاك الشقيَّ الفرات

فرات

فتات

فتات

بقايا أجداث

وما

مِن

عبسكم

وقطعان

شفاء)

قالت

أحببتك

قال

انتحري بين سطر انزياح صرخة...

ولعنة عشق ولوعة

قالت

هو القريض لعنة عشق

لوعة

بقايا من خمرة وحمرة

قال

أحببتك... واللعنة الحمرة الخمرة من عينيك ورحيق زهرة

هناك...

بعيداً بعيداً بعيدا

"رع" صحا صاح

بين قبور وبقايا عطن من خمرة أندرينا

وسعير من أرداف مترهلة

قال

(الويل لي لكم له يهرب من بين صلب وترائب

يلعنكم

يحرق دفاتر روما

يفقأ عيون زرقاء ما كانت تكون يمامتكم

قوموا

اللعنة علي عليكم

عليه

إلى يوم لا يوم له

قوموا ارقصوا

هذي دفوف بين خيبتكم خيمتكم دنانكم شاحبات...

تطوف

اللعنة

اللعن

اللع

الل

لا... لا... لا...

من هو

من يكون)

قالت

حبيبي...

واللعنة

"قد تستمر لعنة وخمرة بالية"

—————————

9/ هو الحب لعنة

وذي قريتي غمتي رماد روما

ولا عنقاء

سَجّلْ في الصباحات منك عليلَ غياب

تلك الصيحة في الوادي ضاعت

ما اقتلعت مسودّ أوتاد

قالها... ورحل

رحل

رحل رحّالٌ وغواية

وعلى شاطئ ذكريات ذبلتْ وردةٌ حمراءُ

وعشُّ أميرةٍ صغيرة على أيكة حب قديم

عقيم

سقيم

رحل

ذا الفارس... ولا فرس

لا

رابعة الأثافي انزلقت من أسفل إلى عليين من فراغ

وما ارتوت حكايات دواوين شهرزاد

ما سارت بين عباد

هو التيه

الرعاف

لا ولد من ولد

وذي

قريتي غمتي في كمد

هو الحب الأشعار الأسحار النظرة الأولى ضباب

ضباب

ضباب

ويحلو غياب

أنت

صفر

نخب

عذاب

"يستمرُّ عَبَث"

—————————

10/ عد منك إليك

جفت عناقيد غضب

وما الداليات حبلى

ما الرعشة رعشة

ما الحروف حروف

ما الشعر شعر فيكِ قريتي غمتي

إن هو إلا نبض وتين حنين

رقصة ديك مذبوح على صفيح جامد وأنين

صرخةُ طفل وليد

يشوي ظهر صقيع

كل الفوارس رحلت والنوارس

لا رجوع

ذا زمن ترهل في حضنه رُكوع

وذاك "رع" يلهو بخوابي دنان وخمرة

يعانق رماد عنقاء

يكرع خيباتِ غياباتِ انكساراتِ عبسِهم وذبيان

وعلى رابية شريدة تُعانِق ألفَ سؤال

صاح فيهم صائحهم منهم لهم فيهم

اليوم أمر

غداً أمر

أمس الآن بعد قرون أمر

لا قرع طبول

لا رقص دفوف

لا دواوين تطوف

هو الغياب الموات الذهاب السقوط أشكالٌ من حتوف

ذا منه البيان

ولا سَمْعٌ من أنام

لا سمع من

لا سمع

لا

لا

لا

لا

—————————

خَتْمُ ما لا بداية له

] جاء في الأخبار أن فارساً مفرداً إفرادَ بعير مُعبَّد أخذ حبيبته الصغيرة النائمة في حضن جدة وقصيد... ورحل بها إلى بقايا سديم من عشق وحروف؛ وقد صمت [

" توقفتْ... وما اكتمل بَوْحٌ فيها بحروف"

—————————

عبد الرحمن بوطيب

المغرب

2024


 

 

عد من حيث لم تبدأ / قصيدة نثرية / عبد الرحمن بوطيب / المغرب.

* عد من حيث لم تبدأ * (قد تكون رعشة قصيدة من رحم جحيم حمى لا تزول... ما في دروب الحي الشاسع الفارغ التائه بين أوراق وأضواء سائل عن حال وانك...